مارسيل خليفة يودع صديقه: محمد القرفي ، شكرا لك

كعادته عند كل”ميتة” نشرت وزارة الثقافة تابينا للفنان محمد القرفي الذي غادر دنيانا يوم امس ونحن تعاني الامرّين، العطش وانقطاعات الماء والكهرباء التي  اكتشفنا بعد سبات انها بفعل فاعل،  كان السيد الرئيس هو اول من اتهم المتامرين بالتنكيل بالتونسيين، وهاهي تحريات الستاغ والصوناد- لم نكن نعلم ان للستاغ والصوناد جهاز استعلامات-  تتوصل الى الاستنتاج نفسه، بل انها كشفت ان المجرمين -مجهولي الهوية- قاموا بتحريض المواطنين الابرياء العزّل – الذين يفرحون بفطع الماء لانهم يعرفون ان في ذلك مصلحة لهم،-  على الاحتجاج لتاجيج الاوضاع 
المهم ارتاح محمد القرفي من همّنا وعبرت الوزارة كعادتها ” ببالغ الأسى والحسرة،” لوفاة الموسيقار  الأحد 13 سبتمبر 2026، عن عمر يناهز الـ78 سنة ومسيرة فنية وإبداعية ثرية امتدت لعقود، أسهم خلالها في إثراء الموسيقى التونسية والعربية.
غفلت الوزارة عن الاشارة الى جانب مهم من ارث الرجل يمثله ابنه شادي الذي يكمل مسيرة والده بتميز، والوزارة معذورة فهي لا تذكر خصال احد الا بعد موته وشادي القرفي مازال حيا لم يمت 

مارسيل خليفة  ودع صديقه باحساس مغاير بنص جميل نشره على صفحته  نعيد نشره كاملا 
رحل محمد القرفي المايسترو والمؤلف الموسيقي التونسي
رنّ اسمه في أذني ، أول مرّة ، في باكر زيارتي لتونس
علق من حينها ، اسمه ، في رأسي . وقد حرض الصغير فيّ على تفتيق آنِهِ على غدٍ أبكر 
التقيت به قائداً لفرقة مدينة تونس للموسيقا في مجموعة من العروض التي تبنّت القضايا العادلة . عدت من تلك اللقاءات أجهر بما كنت أخفي من رغائب في اجتراح إمكاني من مستحيلاتي ، ففتحت شهيتي على تجريب البحث في ما استطيع وما لا استطيع من بُغياتي الكثيرة . وكنت كلّما مسّني وهن في العزيمة ، استعيد تحريض القرفي وأمضي ، ثابت الجنان ، إلى هدفي لا التفت وراء ولا أهرول ، وفي المسير أنجع مقصدي ولا أجوّل .
كان محمد القرفي آنذاك منجحراً في مكتبه ، يقرأ الشعر ، يستهويه المقام في حنين وشغف ، ينقر الإيقاع في القلب ، يكتب موسيقا تجوب الخاطر وتحط أحمالها على ضفاف الشَّغاف . أيقن أن المُضي في المحاولة يدرّب المدارك مع الزمن ، على حسن القطاف . يرحل على صهوة الموسيقا إلى بعيد المكان .
لذلك اللقاء الأول بصمة لا يعلو غبار الزمان منمنمات لوحتها ، ولا يمحو توالي آثار وشمتها على أديم الزمان . هي لحظة تمضي وتسلّم أسرارها لما يليها ، مثل حجر يُلقي في بركة ماء فانزاح له الدوائر .
وتوالت اللقاءات كلما زرت تونس وكان مزاج القرفي المكدّر يحرس الحق من عاصفة الشك والبهتان ، وَوَهَبَ له عزيز أيامه والماضي كقربان .
اذكر يا صديقي في عينيك نظرتان تستعرضان مزاجك ، عيناك لا تكذبان حين تتكلمان . تقولان بلسان الفصاحة واللمعان ، ما تضمران . جربت أن أعثر على الباطنيّ فيك ، للإمساك بسرّك ، وكلّما عاودت المحاولة كانت جرعة الواقعيّة في المقلتين توضّح القطبة المخفية .
مسيرة القرفي امتدت لعقود أسهم خلالها في إثراء الموسيقا التونسيّة والعربيّة في أعمال موسيقية وغنائية وفي مؤلفات من بينها : الأشكال الآلاتيّة في الموسيقى الكلاسيكية بتونس ، وصفحات من الموسيقا العالميّة والمسرح الغنائي العربي ، إلى جانب ترجمة حول الموسيقا العربية لأنطونان لافاج .
في مشاركتي الأخيرة بمهرجان الحمّامات لم نلتقي ، مثل حب بهي لا وداع يُعجزه عن العَوْد إلى أولّه كلما هزمت الذاكرة النسيان ، وانتصر الاشتياق على الفراق .
وحده مضى يبحث عن معنى لا يبين إلاّ لمن يؤوبون من البعيد متعبين . تستحم ذكراه من اول انبثاقها من وقبتها ، حتى آخر صفحة منقوشة في سيرتها ، تقرأ طالع غد مصلوب على خشبة الانتظار .
وانت تمضي وماذا تودّع – حين تودّع – تونس – مدينتك ، ورصيداً من أحلام نشرتها اعمالك .
من سيأتي ليحرث في الساحة فكرة ويحصد ما أينع من ثمار ما رويت بعرق الجبين .
رحلت وبقيت اعمالك وما ملكت يمينك من الكلام الحر .
لعلّ الرحيل شيء جديد يولد
لعلّه ما لا يوصف من أمر سماوي يصطفيك
لعلّه لغز يقاسمه سؤال اليقين الضائع في شوارع المدينة
سافرت واودعت الذي خلفه للصمت والحنين ولذكرى أشهد عليها قلباً تقرّح وأسلمت العينين لجيل سيسمع ويقرأ ما تركته .
محمد القرفي شكراً لك
* معطيات عن الراحل محمد القرفي من تابين وزارة الثقافة 
ولد بتونس العاصمة سنة 1948، من أبرز الموسيقيين المجدّدين، حيث اختار منذ بداياته الفنية نهج البحث والابتكار.
.بدأ محمد القرفي مسيرته الموسيقية سنة 1969 عازف ألتو ضمن الأوركسترا السنفونية التونسية، ثم أسّس مجموعة 71، وتولّى لاحقًا قيادة وإدارة فرقة مدينة تونس للموسيقى، حيث تعاون مع الشاعر عبد الحميد خريّف، ومع الفنانين ثامر عبد الجواد وعزيزة بوترعة وأحمد زروق، كما تعاون مع الفنان البشير الدريسي، صديقه وزميله، في عدد من الأعمال المسرحية والأوبرات التي تولّى تصميمها وإخراجها.
وساهم الراحل محمد القرفي، ملحنًا ومؤلفًا موسيقيًا وقائد أوركسترا، في عدد من الأعمال للمسرح والسينما والتلفزة، كما تعامل مع الرحابنة ومارسيل خليفة وجوليا بطرس وعلي الحجار ضمن عروض  «أصوات الحرية».
كما أبدع في مجموعة من العروض التي تبنّت القضايا العادلة، وبعد مغادرته لفرقة مدينة تونس للموسيقى، قدّم عروض «زخارف عربية» في عدد من المهرجانات.
وكان آخر أعماله عرض «من قاع الخابية»، الذي افتتح به مهرجان قرطاج الدولي يوم 19 جويلية 2025.
ولحّن الراحل قصائد لعدد من كبار الشعراء، من بينهم محمود درويش وأبو القاسم الشابي وأحمد فؤاد نجم وسعيد عقل ومنصور الرحباني وعبد الحميد خريّف، ومنوّر صمادح، وسويلمي بوجمعة.
وإلى جانب تجربته الفنية، خلّف محمد القرفي عددًا من المؤلفات والدراسات في الموسيقى، من بينها «الأشكال الآلاتية في الموسيقى الكلاسيكية بتونس» (1996)، و«صفحات من الموسيقى العالمية» (1997)، و«المسرح الغنائي العربي» (2009)، إلى جانب ترجمة حول الموسيقى العربية لأنطونان لافاج سنة 2006.
زر الذهاب إلى الأعلى