الفاهم بوكدوس:كيف تحوّل البرلمان إلى آلة لتعطيل كل مبادرة تخصّ الإعلام؟

منذ أكثر من عام، يكشف المسار الذي عرفته المبادرات التشريعية المرتبطة بالإعلام داخل مجلس نواب الشعب عن نمط سياسي متكرر يقوم على التعطيل، والتسويف، وإفراغ المبادرات من مضمونها عبر دفنها داخل المسارات الإجرائية.
Journalists gather outside the National Syndicate of Tunisian Journalists (SNJT) headquarters in Tunis, Friday, May 3, 2025, during a demonstration marking World Press Freedom Day. The event included the release of SNJT’s annual report on press freedoms and featured calls to repeal Decree Law 54, which critics say is being used to prosecute journalists and stifle free expression in Tunisia.
فبين فيفري 2024 وماي 2026، تعاقبت ثلاث مبادرات تشريعية مختلفة في موضوعاتها، لكنها التقت جميعاً عند المصير نفسه: الإبطاء الممنهج، والتجميد، وغياب الإرادة السياسية الحقيقية لدفعها نحو النقاش والمصادقة.
هذا التسلسل الزمني لا يمكن اعتباره مجرد صدفة أو نتيجة ارتباك إداري، بل يكشف بوضوح وجود موقف سياسي عميق من الإعلام ومن حرية الإعلام تحديداً، موقف يرى في كل محاولة لتنظيم القطاع أو تحصينه أو دعمه خطراً يجب احتواؤه، لا ضرورة ديمقراطية يجب تعزيزها.
البداية كانت في فيفري 2024، حين أودع عدد من النواب مبادرة تشريعية لتنقيح المرسوم 54، بعد أن تحوّل هذا المرسوم إلى أحد أبرز أدوات ملاحقة الصحفيين والمدونين والنشطاء والمواطنين بسبب آرائهم وتدويناتهم.
المبادرة جاءت في سياق تصاعد الانتقادات الحقوقية والقانونية لهذا النص الذي خلق مناخاً من الخوف والرقابة الذاتية، وفتح الباب أمام تتبعات قضائية واسعة تحت عناوين فضفاضة تتعلق بالأخبار الزائفة أو الاعتداء على الغير عبر الشبكات العمومية.
لكن منذ لحظة إيداع المبادرة، بدأت عملية التعطيل. فرئاسة البرلمان ومكتب المجلس امتنعا لأشهر طويلة عن إحالتها إلى اللجان المختصة، سواء لجنة الحقوق والحريات أو لجنة التشريع العام، في ما اعتبره متابعون “تعطيلاً إدارياً” مقصوداً.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تقدّم 57 نائباً في ماي 2024 بعريضة للمطالبة باستعجال النظر في التنقيح، لكن العريضة تم تجاهلها بالكامل. ثم عاد أكثر من 60 نائباً في جانفي 2025 لتقديم طلب جديد لاستعجال النظر في المبادرة وإحالتها على اللجنة المعنية، غير أنّ التجاهل تواصل دون أي تبرير مقنع.
ولم تبدأ لجنة التشريع العام الاستماع إلى جهة المبادرة إلا في جوان وجويلية 2025، أي بعد أكثر من عام كامل من إيداع المقترح. وحتى بعد انطلاق النقاشات الشكلية، استمر التعطيل عبر التملص من دعوة الجهات وأصحاب المصلحة خاصة بعد تملص ممثلي السلطة التنفيذية من الحضور، بما عزّز الانطباع بأن فتح الملف لم يكن سوى محاولة لامتصاص الغضب الحقوقي والإعلامي، لا تعبيراً عن إرادة فعلية لمراجعة المرسوم.
وبينما كانت مبادرة تنقيح المرسوم 54 تدور داخل حلقة التعطيل، ظهرت مبادرة ثانية لا تقل أهمية، تتعلق بإحداث هيئة الاتصال السمعي البصري وتنظيم حرية الاتصال السمعي البصري. فقد تم يوم 27 فيفري 2025 إيداع مقترح قانون أساسي في هذا الاتجاه، في محاولة لمعالجة حالة الفراغ التعديلي والفوضى التي يعيشها القطاع السمعي البصري منذ سنوات، في ظل غياب هيئة مستقلة قادرة على ضمان التعددية والشفافية واحترام أخلاقيات المهنة.
لكنّ السيناريو نفسه تكرر تقريباً بصورة أكثر وضوحاً. فمنذ 27 فيفري 2025 تم عملياً تجميد المبادرة دون إحالتها إلى اللجنة المختصة أو إدراجها ضمن جدول أعمال أي لجنة. ثم جاء قرار مكتب المجلس بتاريخ 10 أفريل 2025 ليزيد الوضع عبثية، عبر إحالة المقترح إلى لجنة التشريع العام، رغم أنّ قضايا الإعلام والحريات لا تدخل ضمن اختصاصها النوعي.
لاحقاً، نبّهت لجنة الحقوق والحريات إلى خطورة هذا المسار وطالبت رئيس المجلس بتصحيح الإحالة، خاصة بعد أن قررت لجنة التشريع العام نفسها التخلي عن النظر في المقترح بسبب عدم الاختصاص، وهو ما جعل المبادرة تدخل فعلياً في حالة تيه تشريعي، خارج أي مسار قانوني واضح. في خطوة لا يمكن اعتبارها كخطأ إجرائي أو سوء تقدير، بل يعكس إرادة سياسية واضحة لتعطيل كل مبادرة جدية تهدف إلى تنظيم قطاع الإعلام وضمان استقلاليته مما من شانه ان يفتح الباب أمام التلاعب بالرأي العام والتوظيف السياسي والمالي للمشهد السمعي البصري.
ثم جاءت المبادرة الثالثة لتؤكد أنّ المشكلة لا تتعلق بنوعية النصوص أو بدرجة الاستعجال، بل بالإعلام نفسه كقطاع وكفكرة. ففي 1 جويلية 2025 تم إيداع مبادرة تشريعية تتعلق بإحداث خطة “مدرس مادة التربية على وسائل الإعلام والاتصال بالمؤسسات التربوية العمومية وانتداب خريجي معهد الصحافة وعلوم الأخبار”، وقد أمضى عليها 82 نائباً.
وسرعان ما تمت إحالة المبادرة إلى لجنة التربية، التي استمعت إلى جهة المبادرة يوم 17 جويلية 2025، وصدر بتاريخ 18 جويلية 2025 بلاغ رسمي عن المجلس تضمّن عرضاً مفصلاً لأهداف المشروع. وقد أكّد أصحاب المبادرة أنّ الهدف يتمثل في تثمين كفاءات خريجي معهد الصحافة وعلوم الأخبار، ومواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، وتعزيز المناعة الفكرية للتلاميذ في مواجهة الأخبار الزائفة وخطابات العنف والتضليل، خاصة في ظل الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي.
كما شدّد المبادرون على خطورة الأزمة التي يعيشها القطاع الإعلامي، حيث ترتفع نسب البطالة بين خريجي الصحافة، بينما يهيمن على المشهد الإعلامي دخلاء على المهنة، وتتغوّل مضامين “الدردشة” و”الفرقعة الإعلامية” الخاضعة لمنطق نسب المشاهدة والمصالح الإشهارية.
ورغم التفاعل الإيجابي داخل اللجنة، ورغم اعتبار النواب أنّ المقترح يواكب التطورات الرقمية والتكنولوجية التي يعيشها العالم، فإنّ المبادرة سرعان ما دخلت بدورها دائرة التجميد حيث تم عملياً قبر المبادرة، ولم يعد لها أي أثر داخل الأجندة البرلمانية.
إنّ قراءة هذه المحطات زمنياً تكشف بوضوح أنّ الأمر لا يتعلق بتعطيل معزول أو عرضي، بل بمنهج متكامل في التعامل مع كل ما يرتبط بالإعلام. فسواء تعلق الأمر بحماية حرية التعبير عبر تنقيح المرسوم 54، أو بتنظيم القطاع السمعي البصري عبر إحداث هيئة تعديل مستقلة، أو بإدماج التربية الإعلامية داخل المدرسة التونسية، فإنّ النتيجة كانت دائماً واحدة: التأجيل، والتجميد، وإغراق المبادرات في التعقيدات الإجرائية.
والمفارقة أنّ هذا التعطيل يحدث في الوقت نفسه الذي تم فيه انصاف قطاعات وفءات في حاجة فعلا الى انصاف على غرار المصادقة البارحة على قانون الفنان والمهن الفنية وقبله تمرير تسويات استثنائية لتشغيل أصحاب الشهادات العليا المعطلين عن العمل. أي أنّ البرلمان حين تتوفر الإرادة السياسية يستطيع أن يتحرك بسرعة وأن يمنح الأولوية للنصوص التي يريدها. أما حين يتعلق الأمر بالإعلام، فإنّ الزمن التشريعي يتحول فجأة إلى متاهة لا تنتهي.
لذلك يبدو واضحاً أنّ السبب ليس تقنياً ولا إجرائياً، بل سياسي وفكري بالأساس. فهناك منطلق متنامٍ داخل السلطة يعتبر الإعلام جسماً وسيطاً مزعجاً يجب إنهاكه، لا دعمه. وهو جزء من رؤية أوسع تنظر بعين الريبة إلى كل الأجسام الوسيطة: الإعلام، النقابات، الجمعيات، والمنظمات المهنية، باعتبارها فضاءات يمكن أن تنتج رأياً عاماً مستقلاً أو تمارس رقابة على السلطة.
في هذا السياق، يصبح تعطيل المبادرات المتعلقة بالإعلام تعبيراً عن إرادة لتفكيك شروط المجال العمومي الحر، وإضعاف قدرة المجتمع على إنتاج نقاش مستقل ونقدي. ولذلك فإنّ استهداف الإعلام اليوم لا يمس الصحفيين وحدهم، بل يهدد حق التونسيين جميعاً في المعرفة، وفي إعلام مهني مستقل، وفي فضاء ديمقراطي قائم على التعددية والرقابة والمساءلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى