الفاهم بوكدوس: جدل حول تعليق السلطة التنفيذية لحضورها في الغرقتين النيابيتين

أثارت المراسلة التي وجّهتها رئاسة الحكومة إلى كلّ من مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، والمتعلّقة بتأجيل مختلف الجلسات الحوارية والاستماعات وأشكال التفاعل المباشر مع أعضاء الحكومة وإطاراتها إلى ما بعد شهر ماي، جدلًا واسعًا داخل الأوساط البرلمانية والسياسية، كما امتدّ النقاش إلى الرأي العام وخارج المؤسستين التشريعيتين، بالنظر إلى ما يحمله القرار من تداعيات على طبيعة العلاقة بين الوظيفتين التنفيذية والتشريعية.
ويرى ملاحظون أنّ المسألة تتجاوز مجرّد ترتيب إداري ظرفي أو إعادة تنظيم لأولويات العمل الحكومي، لتطرح إشكالًا أعمق يتعلّق بمكانة البرلمان وحدود دوره الرقابي في ظلّ دستور 2022، خاصة وأنّ هذا الدستور، رغم تحويله البرلمان من “سلطة” إلى “وظيفة”، لم يُلغِ حقّه في مساءلة الحكومة ومتابعة أدائها، بل أبقى على آليات الرقابة والحوار باعتبارها جزءًا من السير العادي لمؤسسات الدولة.

ويعتبر البعض أنّ تعليق حضور الحكومة، ولو لفترة محدودة، يمثّل عمليًا تعطيلًا لجزء أساسي من العمل البرلماني، لأنّ الجلسات العامة وأشغال اللجان والاستماعات ليست مجرّد مواعيد بروتوكولية، بل هي الفضاء الذي تُمارس داخله الرقابة السياسية وتُناقش فيه السياسات العمومية وتُطرح من خلاله مشاغل المواطنين وانتظاراتهم.
كما يرى متابعون أنّ خطورة القرار تتضاعف بسبب السياق السياسي الذي جاء فيه، إذ يتزامن مع تصاعد نبرة النقد داخل البرلمان خلال الأشهر الأخيرة، سواء تجاه الأداء الحكومي أو في ما يتعلق بعدد من الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب بروز مبادرات تشريعية دفعت نحو ملفات حساسة مثل التشغيل والسياسات الاجتماعية ومراجعة بعض التوجهات الاقتصادية.
ويعتبر البعض الآخر أنّ القرار لا يمكن فصله عن مناخ سياسي اتسم خلال الفترة الماضية بتزايد الضغط على المؤسسة البرلمانية وعلى عدد من النواب، سواء عبر اعادة طرح موضوع الحصانة البرلمانية أو عبر حملات تشويه وتحريض قادتها صفحات ومنصات على شبكات التواصل الاجتماعي، وصلت أحيانًا إلى حدّ التشكيك في جدوى البرلمان نفسه والدعوة إلى تقليص دوره أو حتى حلّه.
ويرى ملاحظون أنّ تزامن عدد من القرارات والإجراءات الرسمية مع حملات رقمية موجّهة خلق انطباعًا متناميًا بأنّ جزءً من القرار السياسي أصبح يتأثر بما يُصنع داخل الفضاء الافتراضي أكثر من استناده إلى النقاش المؤسساتي الطبيعي. ويُعتبر هذا المنحى، وفق تقديرات عدد من المتابعين، مؤشرًا مقلقًا على إمكان انتقال إدارة الشأن العام تدريجيًا من منطق المؤسسات والقانون إلى منطق الضغط الرقمي والتعبئة الافتراضية.
وفي المقابل، تعتبر الحكومة، وفق ما ورد في مراسلتها، أنّ تأجيل الجلسات يعود إلى الانشغال بعدد من الملفات الكبرى، من بينها إعداد مخطط التنمية للفترة 2026-2030، إلى جانب التحضير لقوانين المالية القادمة والبرامج الحكومية المرتبطة بها.
غير أنّ هذا التبرير لا يحظى بإجماع داخل الأوساط البرلمانية، إذ يرى البعض أنّ مثل هذه المحطات الاقتصادية والمالية المفصلية تستوجب، على العكس، حضورًا أكبر للحكومة داخل البرلمان، لا انسحابًا منه، باعتبار أنّ السياسات المالية والتنموية الكبرى تحتاج إلى نقاش علني وتدقيق ورقابة ومساءلة قبل اعتمادها.
ويعتبر متابعون أنّ الإشكال لا يرتبط فقط بتعليق الجلسات خلال شهر واحد، بل بما قد يؤسس له ذلك من سابقة سياسية ومؤسساتية تسمح مستقبلًا بتعليق الرقابة البرلمانية كلما اعتُبرت أولويات الحكومة “أهم” من التفاعل مع المؤسسة التشريعية، وهو ما قد يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف الوظيفة الرقابية وتحويل البرلمان إلى فضاء محدود التأثير.
كما يلفت عدد من المراقبين إلى أنّ الجلسات العامة وأشغال اللجان أصبحت، في ظلّ ضعف الاتصال الحكومي وندرة الندوات الصحفية وغياب الوزراء عن وسائل الإعلام، من المساحات القليلة التي يستطيع من خلالها التونسيون متابعة أداء المسؤولين العموميين وطريقة إدارتهم للملفات وقدرتهم على التفاعل مع الانتقادات والأسئلة المباشرة.
ويعتبر البعض أنّ غياب الوزراء والمسؤولين عن هذه الفضاءات لا يؤثر فقط على حق النواب في الرقابة، بل يمسّ أيضًا بحق الرأي العام في النفاذ إلى المعلومة وفي متابعة أداء من يديرون الشأن العام، خاصة في ظلّ تزايد الشكاوى المتعلقة بضعف التفاعل مع الأسئلة الكتابية والشفاهية وتأخر إصدار النصوص الترتيبية وتباطؤ تنفيذ عدد من القوانين والإصلاحات المعلن عنها.
ويرى مراقبون أنّ تجميع هذه العناصر معًا — من تعطيل آليات الرقابة، إلى تصاعد الضغط السياسي والإعلامي على البرلمان، وصولًا إلى التأثير المتزايد للحملات الرقمية — يعكس اختلالًا متناميًا في العلاقة بين الوظيفتين التنفيذية والتشريعية، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل التوازن المؤسساتي داخل الدولة.
ويعتبر عدد من المتابعين أنّ التعامل مع هذه المسألة باعتبارها مجرّد إجراء إداري عابر قد يقلّل من خطورتها الحقيقية، لأنّ أثر مثل هذه السوابق لا يتوقف عند حدودها الزمنية المباشرة، بل يمتدّ إلى ما قد تؤسس له من ممارسات وأعراف جديدة داخل الحياة السياسية والمؤسساتية.
وفي ظلّ هذا الجدل، تتصاعد الدعوات داخل بعض الأوساط البرلمانية والسياسية إلى التمسك بحق المؤسسة التشريعية في الرقابة والمساءلة، ورفض أي توجه قد يؤدي إلى تقليص حضور البرلمان أو الحدّ من دوره الفعلي، مع التأكيد على أنّ التوازن بين الوظائف يبقى شرطًا أساسيًا لضمان استمرارية الدولة ونجاعة مؤسساتها وحماية حق المواطنين في المتابعة والمحاسبة




