السيد رئيس الجمهورية… رجاء لا تقبلوها !

​نحن اليوم في النصف الأول من سنة 2026 وقد بدأت تلوح في الأفق بوادر مألوفة لمناشدات تدعوكم لعهدة ثالثة لسنة 2029. هي ذات الأصوات التي هتفت سنة 1975، بقرار دستوري، بإعلان بورقيبة رئيسا مدى الحياة وهي ذات الأصوات وإن تغيرت الأجساد التي ناشدت بن علي سنة 2010 بالترشح لعهدة جديدة…
وأنتم أدرى الناس بتقلبات السير وصروف الدهر، تعاقبت الوجوه، بين راحل ومغادر وفقيد وظلت تونس هي الحقيقة الوحيدة التي لا تغيب…
​إن استحضاري لهذه التجارب، من بورقيبة، إلى بن علي، ليس ولعا بسرد الحكايا، بل هو استقراء يقينيّ بأن الأشخاص، مهما سمت مكانتهم، هم عابرون، وأن الدولة هي الكيان الذي لا يزول بزوال الأفراد…
السيد الرئيس،
​إن عظمة القادة لا تقاس بمدة بقائهم في سدة الحكم، بل بقدرتهم على إرساء مؤسسات راسخة تزداد صلابة بعد رحيلهم. فالدولة التونسية أثبتت في محطات تاريخية كبرى (1987، 2011 و2019) أنها عصية على الانكسار وأن الأقدار التي بوّأتكم هذه المسؤولية، تنتظر منكم موقفا يخلد ذكركم لا مجرد حاكم فيها…
​إن التاريخ حين يذكر القادة، يقرن ذكراهم بما استبقى من آثار حميدة.
يذكر الناس لبورقيبة تشييده لمنظومتي الصحة والتعليم…
ويذكرون لبن علي استقرارا معيشيا في حقبة خلت…
فليكن لسيادتكم مقعد يليق بمن آثر رفعة المؤسسات على بريق السلطة !
السيد الرئيس،
​لا يتطرق الشك إلى إخلاصكم ولا تمتد يد الظن إلى مجهوداتكم في سبيل رفعة هذا الوطن، غير أن تونس اليوم تقف عند منعطف تاريخي يفيض بالتحديات الرقمية والتحولات التقنية الكبرى. مرحلة تتوق فيها البلاد إلى روح متجددة ورؤية حداثية فائقة، تتماهى مع طموحات جيل جديد ولد في قلب الثورة التكنولوجية… في قلب الرقمنة الشاملة…
إنه التماس صادق، يرفعه إليكم طالب نهل من علمكم يوما في مدارج كلية الحقوق بسوسة. هناك حيث كنا ننصت إلى محاضراتكم في القانون الدستوري ببالغ الاهتمام ونستقي من صدق عباراتكم مبادئ الدولة والقانون. لقد كنّا، ولا نزال، الأمناء على ما استودعتمونا إياه من دروس وتفسيرات وعبر، نحملها اليوم بأمانة وقناعة…
​لذا، ومن ذات المنطلق الذي علمتونا إياه:
ارفضوا كل مناشدة تجافي روح التداول…
وانبذوا كل رغبة في التمديد تحيد عن جوهر الإصلاح…
واجعلوا من الدستور الذي صيغ تحت إشرافكم وبإرادتكم حصنا منيعا لا يخترق، وسنّة دستورية تترسخ بها هيبة الدولة قبل هيبة الأفراد…
السيد الرئيس،
​إنني على يقين ولا شك أنكم تشاركوني هذا اليقين، بأن تونس فيها من الرجال الصادقين والنساء المخلصات من هم أهل لحمل المشعل وإتمام المسيرة… أمّا المتزلفون، المنافقون، فقد كفانا ابن خلدون عناء وصفهم، إذ حذّر من بطانة التملق التي لا ترى في الدولة إلا مغنما ولا في الحاكم إلا وسيلة…
​السيد الرئيس،
​يغالبني الحياء وأنا أتوجه إليكم بالنصح، فمقام الأستاذ يظل محفوفا بالهيبة في عين طالبه. ولكنني أفعل ذلك صيانة لإرثكم من أن يتبدد في أتون صراعات الشرعية وحرصا على أن يذكركم التاريخ كمن آثر هيبة الدستور على بريق السلطة…
السيد الرئيس،
​ارفضها… ارفض أي مناشدة…
تقبلوا سيادتكم مني فائق التقدير والاحترام.

▪️سامي الجلّولي باحث ومحلل سياسي وأكاديمي تونسي. يشغل حالياً منصب مدير مركز جنيف للسياسة العربية، ويُعرف بنشاطه المكثف في تحليل القضايا الوطنية التونسية والدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى