من التسريب إلى التشويه: كيف يُستهدف التضامن مع فلسطين من باريس إلى تونس

في ظل تصاعد محاولات تجريم التضامن مع فلسطين على المستوى الدولي، تبرز قضايا بعينها تكشف بوضوح عن آليات ممنهجة في الاستهداف، تقوم على مرحلتين مترابطتين: التسريب أولاً، ثم التشويه ثانياً. وتُعد حالة ريما الحسن في فرنسا، إلى جانب قضية نشطاء أسطول الصمود في تونس، مثالين دالّين على هذا المسار.
في الحالة الفرنسية، لا يمكن قراءة ما تم تداوله بشأن ريما الحسن بمعزل عن موقعها السياسي وخلفيتها. فهي ليست مجرد شخص عادي، بل شخصية تحمل خطاباً مرتبطاً بالقضية الفلسطينية، ومنحدرة من سياق تاريخي مثقل بالتهجير والذاكرة، ما يجعل حضورها في الفضاء العام مُحمّلاً بدلالات سياسية واضحة.
من هنا، فإن تداول خبر “العثور على مخدرات” في حقيبتها، بناءً على “مصادر أمنية” خلال مرحلة الحجز على ذمة التحقيق -وأدى إلى سيل من العناوين العاجلة في التلفزيون والصحافة المكتوبة منها 12 مرة متتالية على قناة BFM في ظرف 15 ساعة- أثار أكثر من علامة استفهام.
أول هذه الإشكالات يتعلق بطبيعة التسريب نفسه، فالحجز على ذمة التحقيق مرحلة يضبطها القانون بدقة، وتُفترض فيها السرية الصارمة. ومع ذلك، خرجت معطيات جزئية إلى الإعلام في لحظة لم تكن فيها المعنية قادرة على الرد أو توضيح موقفها، وهو ما خلق اختلالاً واضحاً في ميزان السرد.
هذا التسريب لم يكن بريئاً من حيث التوقيت ولا من حيث المضمون، إذ تم تقديم رواية جاهزة للرأي العام، توحي بالإدانة قبل استكمال أي مسار قضائي.

ثاني الإشكالات يتعلق بالمنطق. فالشخص لذي يستجيب لاستدعاء رسمي، وهو على علم بإمكانية تفتيشه أو وضعه قيد الحجز، من غير المنطقي أن يُقدم على حمل مواد مجرّمة. هذا التناقض البديهي عزز منذ اللحظة الاولى الشكوك حول الرواية المسربة، ودفع إلى التساؤل حول ما إذا كان الهدف هو صناعة قضية إعلامية أكثر من البحث عن الحقيقة.
كما أن هذه الحالة لا تنفصل عن سياق أوسع في فرنسا، حيث سبق أن أُثيرت مسألة الممارسات التمييزية، وتم الطعن في بعض الروايات الأمنية، بل وأُدينت الدولة في قضايا مرتبطة بالتفتيش التمييزي. في هذا الإطار، يصبح من المشروع طرح فرضية أن استهداف شخصية ذات خطاب سياسي مزعج قد يمر عبر أدوات غير مباشرة، من بينها التسريب الموجّه.
أما في تونس، فإن الصورة تتكرر مع نشطاء أسطول الصمود، ولكن ضمن سياق أكثر وضوحاً من حيث الخلفية السياسية. فالمعنيون في هذه القضية ليسوا أفراداً معزولين، بل هم من المشاركين في مبادرة ذات طابع نضالي دولي، سعت إلى كسر الحصار المفروض على غزة وتم استهداف المشاركين فيها واعتقالهم من قبل الكيان الصهيوني
عند عودتهم، وجد هؤلاء النشطاء أنفسهم في مواجهة مسار آخر من الاستهداف، هذه المرة عبر القضاء والإعلام. فقد تم تداول تسريبات من محاضر البحث العدلي، قُدمت بشكل انتقائي، واستُخدمت لتغذية خطاب تشويهي يهدف إلى ضرب مصداقيتهم. مرة أخرى، نحن أمام نفس الآلية: معلومات جزئية تُسرّب في لحظة حساسة، ثم تُضخّم لتتحول إلى “حقيقة” في نظر الرأي العام.
ان العنصر المشترك بين الحالتين لا يقتصر على التسريب، بل يمتد إلى طبيعة الأشخاص المستهدفين: أفراد أو مجموعات ارتبطت بشكل مباشر أو غير مباشر بفعل التضامن مع فلسطين، سواء عبر الخطاب السياسي كما في حالة ريما الحسن، أو عبر الفعل الميداني كما في حالة أسطول الصمود. في الحالتين، يبدو أن هذا الارتباط كافٍ لجعلهم عرضة لحملات تشكيك وتشويه.
كما أن ما يلفت الانتباه هو الانتقال السريع من التسريب إلى التشويه. فبمجرد نشر المعطيات، تُبنى حولها روايات إعلامية تُقدّم المستهدفين في صورة سلبية، ما يؤدي إلى محاكمتهم معنوياً قبل أي حكم قضائي. وهنا، لا يعود الهدف فقط إثبات تهمة، بل التأثير على الرأي العام، وربما ردع آخرين عن الانخراط في نفس المسار.
في المحصلة، تكشف هذه الحالات عن نمط متكرر: استهداف يبدأ من داخل مسارات يفترض أنها محايدة، عبر تسريب معلومات غير مكتملة، ثم يتوسع ليشمل الفضاء الإعلامي، حيث يُعاد تشكيل الوقائع بطريقة تخدم سردية معينة. وفي قلب هذا النمط، تبرز قضية فلسطين كعامل مشترك، يجعل من كل مناصر لها عرضة لضغوط تتجاوز الأطر القانونية التقليدية.
ورغم ذلك، تبقى الحقيقة رهينة ما يثبته التحقيق الفعلي، لا ما يُروّج له في لحظات التسريب. فالتاريخ القريب أظهر أكثر من مرة أن الروايات الأولية، خاصة حين تصدر في سياقات مشحونة سياسياً، ليست بالضرورة انعكاساً دقيقاً للواقع، بل قد تكون جزء من معركة أوسع، يكون فيها الوعي النقدي هو خط الدفاع الأول
الفاهم بوكدوس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى