يرقد المنجي الكعلي احد بناة دولة الاستقلال، في مثواه الاخير بمسقط راسه قصر هلال التي بها ولد في مثل هذا اليوم 15 مارس من عام 1930 وتوفي بقمرت في 14 جوان 2018
اذكر اني سالت ابنه الوزير السابق غلي الكعلي عن الموقف الذي يذكره من سيرة والده في عالم السياسة، كان رد الكعلي الابن دون تردد دون شك استقالته عام 1977 على الرغم من قربه من الزعيم بورقيبة الذي كان بمثابة الاب بالنسبة اليه، استقال لانه كان رافضا لنهج الحكومة ولم يعد الا في العام 1980 “
فمن يكون المنجي الكعلي ؟
قبل وفاته دون الرجل مذكراته بعنوان ” في خدمة الجمهورية بقيادة بورقيبة” تضمنت رحلة العمر من النشاة الى التقاعد السياسي الاختياري بعد 7 نوفمبر 1987
اختار المنجي الكعلي ان يلازم بيته ويصون قدره ويحتفظ بذكرياته مع بورقيبة ولم يحاول يوما التقرب من رجال العهد الجديد ، ولم يتصل ببن علي الا مرة وحيدة حين عاد ابنه علي من الخارج ليعمل مديرا لاحد البنوك الاجنبية ببلادنا وكان الامر يحتاج لترخيص من البنك المركزي التونسي موافقة تاخرت كثيرا وفهم علي الكعلي انه رفض ضمني فاخبر والده بالامر واعلمه بانه سيعود من حيث اتى مادام ممنوعا من العمل في بلده
هنا تحركت مشاعر الاب وبادر بالاتصال بقصر قرطاج
خاطب بن علي متسائلا هل هذه تعليماتكم ؟ كان رد بن علي واضحا لا يحتمل اللبس سي المنجي مرحبا بيك وبولدك ويخدم على روحو ما ثمة حتى مشكل
مع الاسف ، اضطر علي الكعلي للهجرة من جديد بعد 25 جويلية 2021 وحرم من خدمة وطنه وتخسر تونس احد كفاءاتها الحقيقية ، وربما لا يعلم كثيرون ان علي الكعلي من مؤسسي افاق تونس بعد ثورة 14 جانفي 2011 وهو كفاءة مشهود لها دوليا في عالم المال والبنوك ولكن لا نبي في قومه
من هو المنجي الكعلي؟
يقول المنجي الكعلي في مذكراته “ولدت في قصر هلال يوم 15 مارس 1930 ونشأت بها وترعرعت في مهد الحزب في بيئة دستورية.
زاولت تعلمي الابتدائي بالمدرسة القرآنية بقصر هلال التي أسسها المرحوم الحاج علي صوة، وقد كان والدي رحمه الله الذي كان من خريجي المدرسة الصادقية والذي بلغ مستوى الدبلوم بعدما تحصل على شهادة ” البر يفي” العربية سنة 1916.
وفي سنة 1918، وقبل أن يجتاز شهادة الدبلوم ببضعة أشهر، تُوفي والده، فاضطر إلى قطع دراسته لإعانة أخيه الأكبر على تسيير شؤون العائلة. وكان يتابعني باستمرار في دراستي ويعينني كل ليلة على تحضير دروسي مما جعلني أكون أول تلميذ في القسم مدة الأربعة سنوات الأولى من تعليمي الابتدائي.
وفي سنة 1940 وأنا في السنة العاشرة من عمري توفي والدي رحمه الله وقد أثرت هذه المصيبة في نفسي أثرا عظيما، وما زلت أتذكر أن الشيء الوحيد الذي كان يخامر ني وأنا أبكيه يوم وفاته: من الذي سيعينني على دروسي ؟ وفعلا رغم مجهودات جدي للأم الذي كفلني بعد وفاته وإعانته لي في تحضير دروسي ، فقد فقدت المرتبة الأولى في القسم وأصبحت من الثلاثة الأول. وإن والدي وجدي للأم أي ” عزيزي” هما الشخصيتان اللتان أثرتا في حياتي وقد أخذت عنهما الاستقامة، والوطنية، وحب الغير.
وكانا رحمهما الله من مؤسسي أول شعبة دستورية في قصر هلال سنة 1922 بعد تأسيس الحزب بقليل، وقد كان رئيس هذه الشعبة جدي للأم الصادق الديماسي، والكاتب العام لها علي العامري الكعلي وهو والدي،
وقد كان والدي كما ذكرت من خريجي الصادقية، وكان تلاميذ الصادقية من أبناء قصر هلال يزورونه باستمرار عند عودتهم في العطل إلى مسقط رأسهم وكان من أعز أمانيه، وهذا ما رددته عليّ والدتي رحمها الله عدة مرات ، أن يرى ابنه ضمن تلاميذ الصادقية، وهذا الذي جعلني أبذل قصارى جهدي لاجتياز مناظرة الدخول إلى المدرسة الصادقية.
ومما أعانني على ذلك أن عمي حسن الكعلي (وهو أول مهندس في النسيج)جاء بي إلى تونس العاصمة وكان ذلك يوم 3 أكتوبر 1943 ، وأدخلني إلى مكتب خير الدين الموجود في بطحاء خير الدين أمام معمله ، وقضيت السنة المدرسة في ذلك المكتب . وفي شهر جوان 1944 كللت مجهوداتي بالحصول على الشهادة الابتدائية والنجاح من الأولين في مناظرة الدخول إلى المدرسة الصادقية.
ولا يمكن لي في هذا المقام ألا أذكر أمي الحاجة زهرة بنت الصادق الديماسي التي قامت بفريضة الحج ثلاث مرات، هذه الأم الحنون التي كانت امرأة صالحة نقية تقية ذات العفة والجمال، صاحبة الخير العميم والرأي السديد وصاحبة الحزم والعزم، عزيمتها راسخة وحزمها قوي، مع الثبات على الرأي، والصبر الجميل، تحب عمل الخير وتسعى إليه . ترملت وهي في التاسعة والعشرين من عمرها وأصبحت مثالا يحتذى بالنسبة للأرامل في قصر هلال، إذ رغم الطلبات العديدة وجمالها ومالها (كان أبوها من أثرياء قصر هلال) أبت أن تتزوج ثانية وضحت بشبابها لتتكفل بعائلة متركبة من خمسة أطفال( ثلاثة ذكور وبنتان) أكبرهم سنه عشر سنوات وأصغرهم سنها ثلاثة أشهر ، سهرت الليالي وتكبدت الآلام ، وتحملت الصعوبات لتربية أولادها ، فكانت أما وأبا في آن واحد , جمعت بين لين الأم وحنانها وصرامة الأب وصلابته وقد جازاها الله خيرا ، إذ وفقها إلى تكوين عائلة محترمة يسودها الوفاق والانسجام والتضامن . وتخليدا لذكراها وتمسكا بالمبادئ السامية التي توختها مدّة حياتها، قرر أبناؤها التبرع بمنزلها بقصر هلال لفائدة وزارة الصحة العمومية لتجعل منه مصحة لتصفية الدّم (دياليز).
دخلت إلى المدرسة الصادقية في شهر أكتوبر 1944 وقضيت بها ست سنوات بصفة بيات ، إلى أن تحصلت على شهادة الدبلوم والجزء الأول من الباكالوريا ، وبعد ذلك أي في جوان عام 1950 وقع طردي مع بعض الإخوان منهم الأخ عبد العزيز شوشان من المدرسة الصادقية لنشاطنا في الشبيبة المدرسية.فاضطررت إلى أن اعمل قيما بمعهد سوسة للذكور لأتمكن من إعانة عائلتي ومن تحضير الجزء الثاني للباكالوريا . وبعدما تحصلت على الباكالوريا ـ الجزء الثاني ـ انتقلت إلى باريس حيث زاولت تعلمي العالي بكلية الحقوق ، إلى أن تحصلت على الإجازة في الحقوق والعلوم السياسية
.
وفي سنة 1949، تمّ اللقاء الحاسم الذي وجّه مسيرتي السياسية. وكان هذا اللقاء مع الزعيم الحبيب بورقيبة. وهو الشخصية الثالثة التي أثرت في حياتي : إنني لا أنسى أبدا الفرصة السعيدة التي مكنتني من لقائه لأول مرة في حياتي،
كنت في ذلك الوقت مسؤولا في الشبيبة الدستورية بقصر هلال وتلميذا بالمدرسة الصادقية فأسعدني الحظ أن أكون من بين أعضاء وفد شعبة قصر هلال الذي قام بزيارته في المنستير في صائفة 1949 بعد رجوعه من الشرق. فعندما قدمني إليه رئيس الشعبة، ذاكرا اسمي أمامه سألني عن القرابة التي تربطني بالمرحوم علي الكعلي الذي كان رفيقه في الدراسة في المدرسة الصادقية، فعندما أجبته بأنه والدي، قال لي ” ايجا بجنبي فأنت ابني” وذكر للحاضرين الصداقة التي كانت تربطه بوالدي عندما كانا تلميذين بالمدرسة الصادقية، ومنذ ذلك الحين أصبحت أشعر أن علاقة أبويه تربطني بالرئيس بورقيبة.
ثم في صائفة 1950 عندما زار الزعيم بورقيبة مختلف قرى ومدن الساحل، كنت من بين المحظوظين في شعبة قصر هلال الذين رافقوا الرئيس في هذه الزيارات، واستمعت لخطبه وشاهدت الاتصال المباشر الذي كان يقوم به وخاصة معاملته الطيبة والأبوية للجماهير الشعبية بكل بساطة ومن غير تكلف، فأثر كل هذا في نفسي أثرا عميقا وأصبحت بورقيبيا صميما مؤمنا بزعامة بورقيبة.
وقد كنت كذلك من بين السعداء بصفتي مسؤولا في شعبة باريس الذين كان لهم شرف الاتصال من حين لآخر بالرئيس بورقيبة عندما كان في الإقامة الجبرية بباريس وقد بهرتني شجاعته السياسية ورؤيته المستقبلية وصراحته وواقعيته يوم كانت تونس تعيش في أصعب مراحل كفاحها فكل هذه الظروف أكدت عقيدتي ورسخت إيماني بالبورقيبية، وأصبح بورقيبة بالنسبة لي :المثال الذي يحتذى.
عندما كنت طالبا في باريس، ساهمت في العمل السياسي، أولا كأمين مال لشعبة باريس ومسؤولا على العلاقات الخارجية بجامعة فرنسا لاتحاد الطلبة سنتي 1955 و 1956 ثم سنة 1957كرئيس شعبة باريس وكاتب عام جامعة فرنسا لاتحاد الطلبة وكانت أقوى جامعة في اتحاد الطلبة.
ومن جملة ما وقع لي في باريس طردي من البلاد الفرنسية في ماي 1958 وذلك لأنني ترأست اجتماعا كبيرا للطلبة الأفارقة وتكلمت باسمهم جميعا في هذا الاجتمــاع الذي عقد في قــاعة «MUTUALITE » بباريس بعد حل الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، وكان خطابا شديد اللهجة ضد الحكومة الفرنسية.
وقد بلغني قرار الطرد عن طريق قنصليتنا في باريس. وكانت فرنسا تعيش ظروفا استثنائية فهي في آخر أيام الجمهورية الرابعة، وكان الفرنسيون يتزجسون نزول جيش المظلات في باريس قادمين من الجزائر، وكانوا ينادون برجوع الجنرال”دي قول”.
وبنصيحة من مسؤول سام في الخارجية الفرنسية بعدما اتصلت به سفارتنا في باريس، وقع إخفائي عند المستشار العسكري العقيد محسن السقا، بسفارتنا إلى أن حان وقت اجتياز الامتحان، وكنت في ذلك الوقت في السنة الثالثة في كلية الحقوق، فخرجت من مخبئي لاجتياز الامتحان، فوقع إيقافي من طرف الشرطة في صبيحة اليوم نفسه في قاعة الامتحان بعد اجتياز المادة الأولى. وقد جاء لإيقافي مفتش الشرطة المسمى آلكايدي، الذي عرف الكثير من المسؤولين التونسيين، وكان بالخصوص المسؤول على مراقبة تحركات الرئيس بورقيبة عند إقامته بباريس.
وبعد مناقشة حادة بيننا، اتفقنا على أن نلتقي بعد اجتياز امتحان الحصة المسائية. وبعد بحثي وإيقافي ليلة كاملة مكثت في الإقامة الجبرية بغرفتي ثلاثة أشهر، إلى أن رجع الجنرال “دي قول” واستقر في الحكم ورفعت عني الحكومة الجديدة قرار الطرد.
في الصين.. المنجي الكعلي، حسان بلخوجة، زو انلاي(الوزير الأول الصيني)، محمد المصمودي و زوجته، أحمد المستيري
في سبتمبر 1955، كنت أوّل من التقى بسي الباهي الأدغم، في باريس، عند عودته من الولايات المتحدة. وتحادثنا طويلا. وكان موضوع حديثنا بالطبع هو المعاهدات المبرمة بين تونس وفرنسا. كان سي الباهي، رحمه الله، مناهضا لهذه المعاهدات وانتقد كلّ من شارك في المفاوضات. وأبدى رغبة في لقاء المسؤولين بالجامعة الدستورية. فاتصلت بالأخ حامد القروي الذي قبل لتوّه. وتمّ اللقاء بين المذكورين، والهادي بكوش وأحمد بن صالح الذي كان مارا من باريس، حسب ما قيل لي فيما بعد.
رغم خلافهما وتعبيرا عن حسن استعداده لاجتياز كلّ العقبات، تحوّل بورقيبة إلى مطار تونس في سبتمبر 1955 لاستقبال صالح بن يوسف في المطار في سبتمبر 1955. ولكن سرعان ما انفجر الخلاف بين الرجلين في وضح النهار. واشتدّ النقاش بينهما بالخصوص حول قبول الحكم الذاتي، الذي يرى فيه بن يوسف خطوة إلى الوراء، بينما يعتبره بورقيبة خطوة إلى الأمام وأنه ستؤدي حتما إلى الاستقلال التامّ.
ومثل مؤتمر الحزب الحرّ الدستوري التونسي الذي انعقد بصفاقس، في نوفمبر 1955، منعرجا مصيريّا لصالح بورقيبة. فانضمّ إليه معظم القياديين التاريخيين، وقد كان البعض منهم متردّدا حتى آخر لحظة، ومن بينهم سي الباهي الأدغم، الذي ترأس المؤتمر وأصبح الكاتب العام للحزب. ونظرا لرفضه المشاركة في المؤتمر، تمّ رفت صالح بن يوسف من الحزب واقصاء اليوسفيين من كلّ مؤسساته. فغادر بن يوسف تونس بسرعة، بينما واصل انصاره الدفاع عن أفكارهن ولكن سرعان ما وقع تهميشهم و اعتقالهم. وسيطر التوجه البورقيبي على مقاليد الحزب قبل السيطرة على مقاليد الدولة.
وقع انتخابي كاتبا عاما لاتحاد الطلبة في مؤتمر المدرسة الفلاحية في جويلية 1959.
وقد شاركت في أول وفد رسمي يزور بيكين في جويلية 1961، وقد ترأس هذا الوفد السيد محمد المصمودي وزير الإعلام مرفقا بزوجته، وضم السادة: أحمد المستيري سفيرنا في موسكو، ومحمد مزالي مدير الشباب والرياضة، وحسان بلخوجة الرئيس المدير العام للبنك ألفلاحي، والمنجي الكعلي كاتب عام مجلس الشباب، وصلاح الدين بن حميدة رئيس تحرير جريدة “العمل”.
وكانت زيارة موفقة للغاية مكنتنا من الاطلاع على أهم المنشآت الفلاحية والصناعية في الصين ومن مقابلة ” شوان لاي ” CHOU WAN LAY وغيره من المسؤولين .
ثم وقع تعييني من طرف الرئيس مساعد مدير الحزب، مسؤولا عن العلاقات الخارجية، وقد تمكنت بفضل هذه المسؤولية من تمثيل الحزب في عدة مؤتمرات قومية وإقليمية وعالمية ، وكذلك مكنتني من مساعدة المرحوم احمد التليلي في الاتصال بالحركات التحريرية بأفريقيا وإعانتها.
– عُيّن المنجي الكعلي واليًا على جندوبة بين 1964 و1967، ثم على بنزرت بين 1967 و1969، قبل أن يعيّن كاتب دولة مكلفا بالشؤون الخارجية.
– في 31 ماي 1976 عُين وزيرا للصحة العمومية في حكومة الهادي نويرة حتى 26 ديسمبر 1977.تاريخ تقديمه لاسنقالنه كما عيّن أيضا مدير الأمن الوطني، ثم سفير تونس لدى إسبانيا.
– في 25 أفريل 1980 عيّن وزيرا لدى الوزير الأول ومدير الحزب الاشتراكي الدستوري، وبقي في هذين المنصبين حتى 13 مارس 1984، تاريخ تعيينه وزيرا ممثلا شخصيا لرئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة في حكومة محمد مزالي، حتى 21 جانفي 1986. أصبح بعدها سفيرا لبلاده في تشيكوسلوفاكيا.
– كان أيضا نائبا في مجلس الأمة عن دائرة المنستير الانتخابية بعد انتخابات 3 نوفمبر 1974 في المدة النيابية الرابعة حتى 1977، ثم انتخابات 1 نوفمبر 1981 في المدة النيابية السادسة حتى 1986.
– شغل أيضا منصب رئيس بلدية مدينة قصر هلال، مسقط رأسه.
– توفي في 14 جوان 2018 بضاحية ڨمرت، ودفن في مسقط رأسه قصر هلال في 15 جوان.