إسكروقراطيا التّأسيس الجديد والهدم القاعدي لأركان الدّولة


تحيلنا فكرة التّأسيس الجديد على الطّابع التّـقويضي لما هو قائم واستبداله كليّا استنادا إلى قاعدة إعادة بناء الابداع الإرادي للرّابطة المجتمعيّة أو ما يسمّى عادة بالإرادة الشعبية العامة التي تعطي النّتاج الكامل للمعنى الكامل للسّيادة، سواء كان هذا النتاج عهدا وميثاقا حسب تسمية توماس هوبس، أو كانت في شكل الثـقة المبنيّة على روح الاتّفاق الجماعي حسب جون لوك، أو كانت في صيغة عقد اجتماعيّ حسب تعبير جون جاك روسّو. وإذا انفلت هذا المشروع من إمكانيّة التّصنيف بالتّأسيس للحكم المطلق فلأنّه يسعى إلى إعادة السّيادة للمواطنين – خلافا لما يدعو إليه هوبس – فإنّه ينحو إلى انتحال فكرة روسّو حول العقد الاجتماعي دون التفطّن إلى أنّه لا يمكن أن يكون ديمقراطيّا إلاّ في حدود الجماعات الصّغرى حتّى ولو كان جمهوريّا. والجماعات الصّغرى في مشروع قيس سعيّد تقابلها الجماعات المحليّة، وهي فاقدة لكلّ ضمانات بناء الرّابطة المجتمعيّة على نطاق الكلية المجتمعيّة، ولا شكّ أنّ في هذا القول ما يتعلّق بمآل ذلك كلّه على مستوى الوحدة الوطنيّة والاندماج المجتمعي.
بعد أن مضى الزّمن الأثيني/ الرّوماني/ القرطاجنّي التّليد للدّيمقراطيّة المباشرة التي لم يعد بالإمكان أن تثبت جدواها في إطار الدّولة الحديثة، وفي مقابل الفهم الانجليزي للدّيمقراطيّة الذي كان محكوما منذ القرن الثّامن عشر بالفكر النّفعي، وفي مواجهة فهمها الفرنسي المحكوم بمبدأ السّيادة وتساوي الجميع أمام سلطة القانون المطلقة، يبدو أنّ مشروع التّأسيس الجديد لا يمكن أن يجد انعكاسا لمعنى الدّيمقراطيّة القاعديّة إلاّ في نطاق بناء الديمقراطيّة الجماعاتيّة أو الدّيمقراطيّة المناطقيّة التي يسهل معها استيلاء الشّعب/ الجماعة على السّلطة تطبيقا ميدانيّا لفكرة إرجاع السّيادة للشّعب التي يطرحها صاحب مشروع “التّأسيس الجديد” من القاعدة إلى القمّة.
وهنا يبدو الخطأ الشائع والصّواب المتروك في ملامح المسار الإحلالي للدّيمقراطيّة القاعديّة بدل الدّيمقراطيّة التّمثيليّة: يتمثّل الخطأ الشّائع والمغالطة الكبرى في ترويج البناء القاعدي على أنّه الدّيمقراطيّة المباشرة، وكلّ ما في الأمر أنّ البناء القاعدي أقحم عنصر التّمثيل المباشر ليحلّ – على مستوى الاستبطان السياسي العام – محلّ الدّيمقراطيّة المباشرة، وتمّ الترويج له على هذا الأساس، رغم أنّهما مسألتين مختلفتين تماما. ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يكون البناء القاعدي أو التّمثيل المباشر (على مستوى الدّوائر الصّغرى) هو الدّيمقراطيّة المباشرة.
فالبناء القاعدي يعتمد نوعا من التمثيل المباشر المحدود ويساهم في بناء ديمقراطيّة تمثيليّة متدرّجة Graduelle، أي أنّها تتدرّج من تمثيل فئات وجماعات صغرى إلى تمثيل جماعات في دوائر أوسع، ثمّ تمثيل شعبي جزئي على مستوى الأقاليم، وتنتهي بتمثيل الشعب.
وهذا تصوّر لا يمتّ إلى الدّيمقراطيّة المباشرة بصلة، بل هو صيغة من صيغ التّمثيل المباشر الذي ينتهي – وطنيّا – إلى إعادة إرساء الدّيمقراطيّة التمثيليّة عن طريق الهيئات النيابيّة (مجلس نواب الشعب، ومجلس الأقاليم والجهات).
وبدءا بضرورة كشف هذا التحيّل المفاهيمي على معنى الدّيمقراطيّة المباشرة وتقديمها إلى الحشود بشكل أبتر ومشوّه، ينبغي أن نتنبّه إلى أنّ فشل التّجربة في تطبيق الدّيمقراطيّة التّمثيليّة لا يعني أنّ الدّيمقراطيّة هي الفاشلة، وبالتالي فإن فشل المجتمع التّونسي في بناء تجربة ديمقراطيّة على أساس النّظام التّمثيلي لا يعني أنّ هذا النّظام غير صالح، بقدر أنّ توظيفه من قبل المجتمع لم يكن على أحسن وجه أو لم يكن بالطّريقة التي تجعل منه نظاما صالحا. ولذلك فقد فسحت التجربة الفاشلة للدّيمقراطيّة التّمثيليّة في تونس المجال لشعبويّة قيس سعيّد التي تهدف إلى “التّأسيس الجديد” على قاعدة “إعادة السّيادة لصاحبها” (الشّعب) وتأصيل مضمون الدّيمقراطيّة الاجتماعيّة أو من خلال تجذيرها اجتماعيّا، وهذا ما يسمّيه بالدّيمقراطيّة القاعديّة.
ولمزيد التّوضيح فإنّ فشل التّجربة هو الذي استدعى الشّعبويّة وليس فشل الدّيمقراطيّة ذاتها، لأنّه لا يمكن أن تكون الدّيمقراطيّة فاشلة ويكون البديل الشّعبوي بالعودة إلى أدوات الدّيمقراطيّة وشروطها الأساسيّة ناجحا.
أين يمكن أن نقرأ فكرة البناء القاعدي؟
باستثناء الكرّاس الوحيد الذي نشره النّاشط في الحملة التّفسيريّة لمشروع البناء القاعدي وأحد أعضاء تنسيقيّاتها خليل عبّاس (الدّيمقراطيّة الآن: قراءة في ظاهرة قيس سعيّد، منشورات جمعيّة نشاز ومؤسّسة روزا لكسمبورغ – مكتب شمال إفريقيا بتونس، كلمات عابرة، تونس 2019)، فور صعود قيس سعيّد للسّلطة، لا أمل في العثور على أيّ نصّ منشور بشكل رسمي مهما كان نوعه (مقالا، أو دراسة، أو كتابا، أو بيانا مفصّلا، أو كرّاسا سياسيا) لشرح مبادئ البناء القاعدي.
ومن خلال هذا الكرّاس اليتيم يعتقد الشرّاح والمفسّرون المحيطون بقيس سعيّد أنّ “التأسيس الجديد المجسد لشعار “الشعب يريد” يقتضي أن يكون البناء قاعديا وذلك بإنشاء مجالس محلية في كلّ معتمدية من معتمديات الجمهورية، تتركب من نائب عن كل عمادة يتم اختياره بطريقة الاقتراع على الأفراد بعد أن يكون قد قدّم ترشحه مصحوبا بعدد من التزكيات. ولكن لا يجب أن تكون التزكية مجرد توقيع على مطلب يتقدم به المترشح أو المترشحة بل توقيعا على البرنامج الذي سيعمل على تحقيقه من أعلن عن عزمه في الترشح، ولا يقبل الترشح إلا إذا كانت التزكيات صادرة بالتناصف عن الناخبين الذكور والناخبات الإناث، كما يجب أن تكون صادرة في حدود الربع عمن لم يتجاوز سنهم الخمس وثلاثين سنة كما سيوضح ذلك القانون الانتخابي حال تعديله والأخذ بمثل هذا الاختيار.
كما يجب أن يكون حاملو الإعاقة ممثلين كأعضاء كاملين […] ويتولى هذا المجلس المحلي وضع مشروع النيابة المحلية بناء على مطالب السكان عموما وعلى ما تم الاتفاق عليه بين المترشح من جهة والمزكين له عند تقديمه الترشح من جهة أخرى” (خليل عبّاس، سبق ذكره، ص. 72).
ويعتقد الشراح المفسّرون لتعاليم قيس سعيّد ومتونه أنّ مشروع “التّأسيس الجديد ينطلق من قراءة لهذه المرحلة التّاريخية، لا في تونس فحسب، بل في العالم بأسره. فقد دخلت الإنسانيّة مرحلة جديدة من تاريخها لم يعد بالإمكان تنظيمها بمفاهيم بالية تحوّلت بفعل هذا التطور إلى عقبة أمام فكر سياسي جديد صنعته الشعوب وتجاهله الكثيرون ممن لازالوا يعتقدون أنهم صفوة الصّفوة ونخبة النخبة التي تحدّد بمفردها أقوم المسالك لإدارة شؤون الممالك (…) ومعالم الطريق الجديدة التي شقها الشعب التونسي ليست بالمستعصية على الفهم إلا لمن أراد ألاّ يفهم أصلا أو أراد أن يفهم طبق مصالحه ولم يتخلص من طموحه الشخصي وأطماعه وهواه.
إنّ هذا المشروع هو مرحلة تاريخية ومسار إجباري سيقوم إذا ما انتصب بتغيير شامل للثقافة السّياسية السائدة. هذه الثقافة لا يمكن أن تتغير في ظلّ نفس النظام الذي أنتجها بل من خلال خلق بنية تحتية سياسية وتنموية مغايرة. ولعّل أهم عناصر هذا التغيير الثقافي هو العودة لمفهوم السياسة نفسها التي تمثّل حلبة صراع مفاهيمي لا يقّل أهميّة عن باقي أوجه الصراع” (المرجع نفسه، ص. 72).
يبدو أنّ العنوان الرّئيسي لهذا المشروع الذي يهدف إلى خلق بنية تحتيّة سياسيّة وتنمويّة هو “الديمقراطية القاعدية” بما هي مختلفة عن الدّيمقراطية التشاركية لأنّها لا تغير نظام الحكم بل تحاول تغيير معادلته،
وهي تختلف عن الدّيمقراطية المباشرة أيضا. إنّ مشروع التّأسيس الجديد يطرح – في نظر من يروّجون له ويدافعون عنه – مفهوما مختلفا للسياسة “يعيد السّياسة للمواطنين ويمنح المجالس المحليّة سلطة القرار في مجال السّياسات التّنمويّة لأنّ أهل مكّة أدرى بشعابها. إنّ مشروع البناء الجديد يتبني المفهوم الذي يعتبر أنّ المسألة الأساسيّة للسّياسة تكمن في العدالة، أي أنّ السّياسية هي جملة الإجراءات التي تؤدي إلى تنظيم مجتمع عادل،
كما أنّ الهدف من العمل السياسي ليس الوصول إلى السّلطة بل إعادة السّلطة لأصحابها الحقيقيّين. وهذا يطرح أولوية مسألة العدالة على مسألة السلطة (المرجع نفسه، ص ص. 79- 83).
ليس من العسير على متابعي الحملة التفسيريّة التي روّجت لهذا المشروع ولا على المطّلعين على بعض التّدوينات في فضاء التّواصل الاجتماعي – رغم ندرتها – التي تناولته بالتّفسير قصد الدّعاية والتّرويج أن يستخلصوا كثيرا من الهنات ذات العلاقة بضعف التصوّر وضعف القراءة السّياقيّة للمجتمع التّونسي وخاصّة بناه التّقليديّة والمحليّة وأنماط توزيع النّفوذ والسّلطة داخله في إطار تلك البنى، زيادة على استفحال “الدّولة الموازية” وسيطرتها على أغلب المؤسّسات وأغلب الهيئات المحليّة. وذلك يعني ببساطة أنّ إثبات ضعف النّظرة السّوسيولوجيّة والأنثروبولوجيّة لمشروع التّأسيس الجديد غير مستعصٍ على أحد.

تمّ التّأسيس للبناء القاعدي رسميّا في نصّ الدّستور الممنوح الصّادر بتاريخ 17 أوت 2022، وخصّصت له أحكام القسم الثاني من الباب الثالث، المتعلّق بالوظيفة التشريعية ومجلس الجهات والأقاليم. ولأنّها فكرة منتحلة عن التجربة السويسريّة، فقد أغفلت خصوصيّة هذه التّجربة في بلدها الأصل. لأنّها تجربة فرضتها الحرب الأهليّة التي كادت أن تعصف بكيان الدّولة (دارت من 3 إلى 29 نوفمبر 1847)، إذ ثبت بعدها أنّ بنية المجتمع السّويسري متعدّدة الثقافات وتركيبته المتفرّعة عن ثلاثة أمم تحتاج إلى ما يشبه مجلس الجهات والأقاليم، لأنّ هذا النّوع من المؤسّسات في مثل هذه المجتمعات يلعب دورا إيلافيّا Rôle fédérateur، بالنّظر إلى أنّ الوحدة المجاليّة مهدّدة بالتّفكك جرّاء التنوّع المجتمعي والتّـفريع الثقافي، الأمر الذي يحتاج إلى هذه المؤسّسة النّيابيّة من أجل ضمان الوحدة المجتمعية تجانسا مع الوحدة المجالية، فكان لابدّ من إيجاد مجلس الكانتونات (مجلس الدّول/ الأقاليم) المتكوّن من 46 عضوا ليتمّم الدّور النّيابي لمجلس النواب الذي يضمّ 200 عضوٍ. ويضطلع الأوّل بالدور الإيلافي الذي يؤمّن تلك الوحدة بعيدا عن النّزاعات والصّراعات بين الأقاليم والثقافات الثلاثة، ويضطلع الثاني بتسيير السياسة العامّة للدّولة الاتّحاديّة السويسريّة.
وعلى هذا الأساس تكون هذه المؤسّسة النّيابيّة عامل ضمان الوحدة الوطنية، باعتبار وجود عنصرين أساسيّين معزّزين لذلك الدّور الإيلافي: عنصر التوازن التنموي في كلّ مقاطعات سويسرا، وعنصر الثقافة البروتستانتية، حتّى وإن وكانت أغلبية الشعب كاثوليكيّة نتيجة عامل الهجرة الذي قلّص من الوزن الدّيمغرافي للبروتستانت، لكن المجتمع السويسري الحديث تشكّل تاريخيّا تشكّلا بروتستانتيا يؤمن بالعقلانية والعمل والتنظّيم والقوانين وقيمة الجدارة والاستحقاقيّة.
أمّا الحالة فهي عكسية بالنسبة إلينا، لأنّ المجتمع التّونسي قائم على ثنائية متلازمة منذ قرون (يقدّر بعض المؤرّخين أنّها منذ الدّولة الحفصيّة)، تتمثّل هذه الثنائيّة في الوحدة المجالية للدولة والاندماج المجتمعي الاستثنائي في محيطنا الثقافي والإقليمي ما فوق الوطني، وسيكون لإدخال هذا العنصر (مجلس الجهات والأقاليم) أثر سلبي، خاصّة مع غياب العناصر الأخرى المعزّزة لثقافة الاندماج المجتمعي (ثقافة العمل والتوازن التنموي بين الجهات والعقلانيّة التنظيميّة، واحترام القانون، والجدارة والاستحقاقيّة على أساس احترام القانون).
يضاف إلى كلّ ذلك إمكانية حضور المكبوتات الاجتماعية والانتماءات القطاعية والجزئيّة والفرعية، فهي لم تضمر ولم تضمحل أبدا، بل هي كامنة ويمكن أن تنتعش في كلّ وقت بقدر ما تتوفّر عوامل استحضارها وتنشيطها.
ففي هذه الحالة تكون الوحدة المجاليّة والوحدة المجتمعيّة متآلفتين تآلفا هشّا ولا تحتاجان إلى من يثير التصدّع داخلهما، لاسيّما مع غياب عنصر التّوازن التّنموي الذي يعدّ من أبرز محرّكات تفكّك البناء الوطني.
معلوم أنّ الرّوابط الأوليّة داخل المجالس المحلّية قويّة جدّا، بل تكاد تكون هي الدّوافع الفعليّة لخوض انتخابات الدّخول في هذه المؤسسات القاعديّة لأنّها مجالس تشكلت في دوائر مجاليّة ضيّقة حيث تسود علاقات القرابة العشائريّة، وبالتّالي فهي عبارة عن تأصيل قانوني لروح الجماعة وتأسيس رسمي للبُنى ما قبل المجتمعيّة. أمّا المعتمديّة فإنّها المؤسّسة التي تمثّل سلطة التنظيم الإداري والسّياسي وتجمع بينهما باسم الدّولة المركزيّة وتجسيدا لها على النّطاق المحلّي، وبالتّالي فهي أوّل مؤسّسة سياسيّة يقيم من خلالها المواطن علاقته بالدّولة.
لا يمكن للحالات النّزاعيّة، التي بدأت تبرز في بعض الجهات بين المجالس المحليّة والمعتمديّات، أن تكون بداية تفكيك الاندماج المجتمعي والوحدة الوطنيّة فقط، بل هي أيضا بداية الصّراع بين البُنى الفرعيّة والتّكوينيّة للمجتمع ومؤسّسات الدّولة المركزيّة، وفي الحصيلة الأيضيّة ستؤول إلى تصادم المجتمع والدّولة. لأنّه بمجرّد وضع الهيئات التمثيليّة المحليّة المباشرة (المجالس المحليّة) في تنافس وظيفي وفي نزاع على الصلاحيّات مع الهيئات السّياسيّة الممثلة للدّولة محليّا (المعتمديات)، يصبح المجتمع في مواجهة الدّولة. وفي هذه الحالة لابدّ من ارجاع التّوازن عن طريق استرجاع السّلطة والقوّة. فإذا آل الأمر إلى استرجاع الدّولة قوّتها على حساب المجتمع، واجهنا دولة مستبدّة قد تبطش بالتّكوينات الأهليّة ما قبل المجتمعيّة للمجتمع، وإذا أصبحت البنى التّكوينيّة للمجتمع أقوى ممّا يناظرها محليّا من مؤسّسات الدّولة، سنوجد إزاء دولة فاشلة/ منحلّة، تفتكّ فيها الأطر الأهليّة والبنى المجتمعيّة الفرعيّة السّلطة وتحلّ محلّ الدّولة. وفي صيغة استخلاصيّة تأليفيّة لكلّ ما يمكن أن يحدث على النّطاق المحلّي يمكن أن نوجد أمام خطر تفكّك الرّابطة التّعاقديّة بين الدّولة والمجتمع. فالمجتمع هو أصل الانبثاق التّعاقدي للدّولة، والدّولة هي حصيلة المجتمع وانعكاسه التّأسيسي في حالته التنظيميّة الأرقى.

إنّ ما يحدث الآن يمكن أن ينسف كلّ ذلك (أي الرّابطة التعاقديّة المتينة بين المجتمع والدّولة)، خصوصا وأنّه ثمّة ما يشكّل سندا دستوريّا للمضي في هذا المسار الخطير. يتمثّل هذا السّند في الفقرة 13 من توطئة الدّستور، وهي الفقرة التي تؤسّس لـ”مجتمع القانون”. فلو تمعّنا في الحمولة الدّلاليّة لمعنى مجتمع القانون ونوابضه الإجرائيّة نقف على أنّ خطرا قادما على عجل يتمثّل في الصّدام بين التّكوينات القاعديّة للمجتمع ومؤسّسات الدّولة. تقول الفقرة 13 من التّوطئة: “إنّنـا نؤسّـس إلى تركيـز نظـام دسـتوري جديـد يقـوم لا فقـط عـلى دولــة القانــون، بــل عــلى مجتمــع القانــون حتــى تكــون القواعــد القانونيّـة تعبــيرا صادقــا أمينــا عــن إرادة الشــعب، فيســتطبنها ويحـرص بنفسـه عـلى إنفاذهـا ويتصـدى لـكل مـن يتجاوزهـا أو يحـاول الاعتـداء عليهـا”.
في حدود العقل السياسي البسيط، لا يمكن أن نفهم ما أتاه أعضاء المجالس المحليّة في العلاء (ولاية القيروان) وسبيطلة (ولاية القصرين) والعمران (ولاية تونس) خارج أحكام هذه الفقرة ومبادئها، فهم يعبّرون عن إرادة الشعب الذي انتخبهم مباشرة (بالدّارجة: منّو ليهم طول)، وهم يستبطنون القواعد القانونيّة ويحرصون بأنفسهم على إنفاذها. إنّهم يطبّقون السّياسيّة الإحلاليّة التي جاء بها صاحب البناء القاعدي، في استبدال دولة القانون والمؤسّسات بـــ”مجتمع القانون والمجالس المحليّة والشركات الأهليّة“.




