السيارة الشعبوية
بقلم عامر بوعزة

في السنوات الأولى من التسعينات، بدأت حكومة حامد القروي في تنفيذ مراجعات اقتصادية وجبائية عميقة تمهيداً لدخول تونس في اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي. الاتفاقية التي التزمت بمقتضاها بلادنا بالإلغاء التدريجي والكامل للرسوم الجمركية على وارداتها من المنتجات الصناعية الأوروبية، في مقابل نفاذ الصادرات التونسية إلى السوق الأوروبية.
تسببت الإعفاءات الجمركية في كثير من القطاعات ومنها قطاع السيارات في انخفاض الموارد الجبائية، لكن العقل السياسي -وقد كان يعمل في تلك الفترة على تكريس الاستقرار الاجتماعي – وظّف تلك الخسائر المفروضة عليه بدهاء، فأعلن في سنة الانتخابات الرئاسية (1994) عن مشروع «السيارة الشعبية» التي فتحت الطريق أمام التونسيين لامتلاك عربة من فئة الأربعة خيول لم يكن سعرها آنذاك يتجاوز العشرة آلاف دينار بقروض ميسّرة تسترجعها البنوك والصناديق الاجتماعية في سبع سنوات.
كانت تلك «بحبوحة التسعينات» أو «الزمن الجميل». حيث لم يكن ممكنا مناقشة الشراكة غير المتكافئة مع الاتحاد الأوروبي وتأثيرها على الصناعات المحلية، كما لم يكن ممكنا مناقشة وضع الحريات أيضا في ظل مكاسب ملموسة تتجه مباشرة إلى المواطن الذي يضع حياته اليومية وقفته وطموحاته الفردية الضيقة فوق كل اعتبار، فمقابل الحرية كانت هناك «مكينة السعادة»، حيث يرتبط الرفاه بالاستهلاك، فيما تتطلع الفئات الضعيفة في «مناطق الظل» إلى مداخيل الصندوق الوطني للتضامن.
اليوم ومن بعد ثلاثة عقود كاملة وبعد أن اضمحلّت الطبقة الوسطى يحاول مجلس نواب الشعب خلال مناقشته قانون المالية للسنة الجديدة أن يعيد اختراع «السيارة الشعبية». تكررت المحاولات بأكثر من صيغة دون أن تكلل بالنجاح، لتمسّك الحكومة بالموارد الجبائية المتأتية من توريد السيارات، وحتى الصيغة التي صادق المجلس عليها فلا شيء يدل على أنها قابلة للتنفيذ، تؤكد ذلك الشروط التعجيزية اللازمة للانتفاع به، وتبسّم وزيرة المالية في وجه النواب (إرضاء لهم أو سخرية منهم)، ووصفها الفصل المقترح بأنه «جميل»!
إن المقارنة بين سيارة التسعينات وسيارة مجلس النواب اليوم تؤكد أن الفعل التشريعي رغم التدخلات «الثورية» التي لفتت الانتباه يمارس الشعبوية في أبهى مظاهرها، فهو يقترح حلولا معزولة عن سياقها، ويفرح بقوانين يستحيل تنفيذها. إنه ينطلق من تشخيص خاطئ ومضلل، ففكرة «سيارة لكل عائلة»، وإن كانت تبدو لبعض السذج «فكرة من خارج الصندوق»، هي مستخرجة من «صناديق أرشيف بن علي»، من غير أن تستند إلى تصور مدروس لواقع النقل الفردي المختلف جدا عن التسعينات في تونس وفي العالم. إنها تنطلق من الفكرة الرائجة عن قطاع السيارات الذي تتحكم فيه مراكز قوى وعائلات قليلة متنفذة ينبغي التصدي لها وقضم نصيب من الكعكة الهائلة التي تحتكرها.
بعد أن قضت الشعبوية نهائيا على «الانتقال الديمقراطي» ها هي تتّجه «بلا عقل» كمن يسير نائما إلى القضاء على «الدولة» لو لا يقظة بعض أعضاء الحكومة. فالسؤال الذي أجابت به وزيرة المالية النواب في قضية الحال: «كيفاش بش يجيبوها السيارة؟» يدل على أن الاقتصاد الموازي هو المنتفع الأول من هذا المشروع لو تمّ إقراره، وذلك رغم ما يحف به من شعارات عن تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية ومقاومة الريع والانحياز للزواولة.
وهكذا تتعطّل لغة الحوار في أكثر من موضع لا بين الوظيفة التنفيذية والتشريعية فحسب، بل داخل الوظيفة التنفيذية ذاتها، فاللقاء شبه اليومي بين رئيس الجمهورية ورئيسة الحكومة يتخبط أيضا في نفس الأفكار «الجميلة» التي لا تنفذ ولا تتغير، دون أن يتقدم المجتمع ولو قليلا إلى الأمام، أو ينال الشعب شيئا ولو هزيلا مقابل تنازله الطوعي عن الحرية. ذلك الشعب الذي استجاب له القدر يوما ما.(ويظهرلي ندم*)
*تعليق من المشرف على الموقع ، مع الاعتذار لكاتب المقال الصحافي الكبير عامر بوعزة




