يا وجع السودان… في رحيل مزن النيل

بقلم الفاهم بوكدوس

رحلت تاركةً خلفها سؤالًا موجعًا أكثر من الفقد ذاته: كيف يمكن لقلبٍ بهذا القدر من الشجاعة أن يحتمل كل هذا الألم؟
لم تكن مزن  النيل مجرد باحثة أو كاتبة، بل كانت ضميرًا حيًا في زمنٍ يثقل بالصمت، وصوتًا واضحًا في لحظةٍ يغشاها الالتباس. عاشت منحازة بالكامل للناس البسطاء، لأولئك الذين لا تُكتب أسماؤهم في الأخبار، لكنهم يدفعون الكلفة كاملة من دمهم وبيوتهم وأحلامهم. كانت ترى فيهم مركز الحكاية، لا هامشها، وتكتب عنهم لا بوصفهم ضحايا، بل بوصفهم فاعلين في صنع مستقبلهم.
في زمن الحرب، حيث تتشظى المعاني وتضيع البوصلة، تمسكت مزن بما هو أصعب: أن تظل وفية لفكرة العدالة، لا كشعار، بل كطريقٍ طويل ومكلف. كانت تدرك أن الثورة ليست لحظةً عابرة، بل مسارًا ممتدًا، مليئًا بالتعقيد والتراجع والانكسار، لكنها لم تفقد إيمانها بأن التنظيم الشعبي، وبالأخص لجان المقاومة، يحمل إمكانية حقيقية لبناء بديلٍ مختلف، نابع من القاعدة، من الناس أنفسهم.

قرأت مزن الثورة السودانية بوصفها تجربة تراكمية، لا حدثًا معزولًا. رأت جذورها في تاريخ طويل من النضال، من انتفاضات 1964 و1985، وصولًا إلى ديسمبر 2018. لكنها، في الوقت ذاته، كانت شديدة النقد لمساراتها، خاصة حين انحرفت عن مطالب الناس، أو حين أُعيد إنتاج السلطة في يد النخب، العسكرية منها أو المدنية. لم تكن تخشى تسمية الأشياء بأسمائها: رأت في الحرب امتدادًا لقمع الثورة، لا قطيعة معها، واعتبرتها محاولة لإقصاء الشعب من معادلة القرار، وإعادة حصر السياسة في صراع النخب المسلحة.
تميّز تفكيرها بفرادة واضحة في انحيازها للطبقات المسحوقة، ليس فقط أخلاقيًا، بل تحليليًا أيضًا. كانت ترى أن أي مشروع للتغيير لا ينطلق من مصالح هؤلاء، ولا يُبنى على تنظيمهم الذاتي، سيظل هشًا وقابلًا للانهيار. لذلك أولت أهمية كبرى لتجارب مثل غرف الطوارئ والمطابخ الجماعية، معتبرةً إياها نواةً حقيقية لإمكانية بناء شكل جديد من الحكم الشعبي، يتجاوز الدولة التقليدية ونخبها.
كانت مزن أيضًا واعية بعمق لدور العوامل الخارجية في إضعاف الثورة، من دعم الأنظمة الإقليمية للنخب العسكرية، إلى سياسات المؤسسات الدولية التي عمّقت الأزمة الاقتصادية. لكنها، رغم ذلك، لم تقع في فخ التبرير أو الاستسلام، بل أصرت على أن غياب التنظيم السياسي الثوري القادر على مراكمة الخبرات كان أحد أبرز ثغرات التجربة.
رحيلها في هذه اللحظة تحديدًا ليس خسارة عاطفية فحسب، بل خسارة فكرية وسياسية فادحة. السودان يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم، حيث تتآكل إمكانيات الفعل الشعبي تحت وطأة الحرب، وتتقدم قوى العنف والتنظيم المسلح على حساب السياسة. في مثل هذا السياق، كان وجود عقلٍ مثل عقل مزن، قادر على الربط بين التحليل العميق والانحياز الأخلاقي الواضح، ضرورة لا ترفًا.
غيابها يترك فراغًا صعبًا: فراغ الصوت الذي لا يساوم، والعين التي ترى ما وراء الضجيج، والإيمان العنيد بأن الناس، رغم كل شيء، قادرون على إعادة بناء عالمهم.
وداعًا مزن…
وداعًا لمن كانت ترى في الحلم مشروعًا، وفي الألم دافعًا، وفي الناس أملًا لا ينطفئ.
الرحمة لروحك،والعهد أن يبقى الطريق مفتوحًا… ولو كان مثقلًا بكل هذا الوجع.
زر الذهاب إلى الأعلى