مائة عام من التلفزيون
الجهاز الذي غير العالم


1888-1946
يوم 26 جانفي 1926 قدم المخترع الاسكتلندي John Logie Baird في لندن أول عرض علني موثَّق لجهاز تلفزة، ، لم يكن الجهاز كهربائيا بل ميكانيكيا لكنه ما لبث أن تطور على مر السنين ليصبح في ظرف مائة عام الجهاز الأكثر تأثيرا في الثقافة والمجتمع على صعيد انساني
26 جانفي 1926: لحظة التأسيس العلمي للتلفزة
قبل عشرينيات القرن العشرين، كانت فكرة «نقل الصورة عن بُعد» أقرب إلى الخيال العلمي. غير أنّ التطور المتسارع في الكهرباء والبصريات والاتصالات مهّد لولادة اختراع سيغيّر علاقة الإنسان بالصورة والمعرفة: التلفزة. ففي 26 جانفي 1926، قدّم جون لوغي بيرد عرضًا حيًا أمام أعضاء من الهيئة الملكية وعدد من الصحفيين، نقل فيه صورة متحركة لوجه إنساني عبر جهاز يعتمد على قرص دوّار مثقوب (قرص نيبكو). كانت الصورة بدائية، منخفضة الدقة، بلا ألوان، لكنه أثبت بها المبدأ الفيزيائي للتلفزة: تحليل الصورة، إرسالها، ثم إعادة تركيبها ضوئيًا في مكان آخر. ولذلك تعتبر تلك اللحظة الولادة التقنية للتلفزيون.
من التلفزة الميكانيكية إلى التلفزة الإلكترونية

إلى غاية العام 1935 اعتمد نقل الصورة من مكان إلى آخر على أنظمة ميكانيكية محدودة الإمكانات، وهشة تقنيًا، وغير قابلة للتوسّع التجاري وحدث التحول الكبير مع التلفزة الإلكترونية، التي ارتبط ظهورها بالمخترعين Philo Farnsworth و Vladimir Zworykin اللذين توجت أعمالهما بظهور الأنبوب الكاتودي والذي صارت معه الصورة أكثر استقرارًا، وارتفعت دقتها، ما مكن من الانتقال إلى البث المنتظم. وهكذا بدأت في الثلاثينيات أولى الخدمات التلفزية العمومية في بريطانيا، ثم في الولايات المتحدة وأوروبا.
التلفزة وسيلة إعلام جماهيرية
بعد الحرب العالمية الثانية، تحولت التلفزة من اختراع تقني إلى مؤسسة اجتماعية فقد دخلت كل البيوت في الدول الصناعية وأصبحت المصدر الأول للأخبار، والترفيه، والتعليم غير النظامي وأسهمت في خلق ما يسمى «الزمن الاجتماعي» الموحد عبر برامج تُشاهَد في التوقيت نفسه وفي هذه المرحلة لعبت التلفزة دورًا حاسمًا في تشكيل الرأي العام وترسيخ الثقافة الوطنية ونقل الأحداث الكبرى مباشرة (الحروب، الانتخابات، الهبوط على القمر…الخ)
التلفزة والثقافة
للتلفزة أثر إيجابي في تطور المجتمع الإنساني فقد لعبت دورا حاسما وأساسيا في تحقيق ديمقراطية الوصول إلى المعلومة عبر نشر الثقافة والمعرفة خارج النخب وتوثيق التاريخ بالصوت والصورة ودعم اللغات الوطنية والفنون الشعبية، لكن رافقت هذا التطور عدة مظاهر إشكالية منها على سبيل المثال: القضاء على الخصوصية، وتوحيد الذوق الثقافي، وهيمنة الصورة على التحليل، مع قابلية عالية للتوظيف السياسي والدعائي تزامنت مع تراجع القراءة لصالح الاستهلاك البصري. فالتلفزة لم تكن محايدة، بل أداة قوية تتحدد قيمتها بسياق استخدامها.
من الشاشة الواحدة إلى الشاشات المتعددة
مع نهاية القرن العشرين، دخل التلفزيون مرحلة جديدة فنحن نعيش الآن عصر التلفزة الرقمية والأقمار الصناعية والقنوات الإخبارية المتواصلة ثم مع اندماج التلفزيون مع الانترنت عبر الأجهزة الذكية أصبح البث يعتمد على التدفق الرقمي (Streaming) وهو ما جعل المشاهدة تتحرر من ضغط المبرمج وانتهت عادة المشاهدة الجماعية.
اليوم، فقدت التلفزة موقعها المحوري الذي كان في حياة الناس قبل ثلاثين عاما لكن منطقها (السرد البصري، البث الحي، صناعة الحدث) ما يزال يسيطر على المنصات الرقمية. لقد تغيرت التلفزة من الناحية التكنولوجية بما جعل دورها في تشكيل الوعي الجمعي والسلوك حاسما إلى يومنا هذا
بدأت في غرفة صغيرة بلندن سنة 1926، وما تزال آثارها فاعلة حتى اليوم، التلفزة ليست مجرد شاشة، بل لحظة مفصلية في علاقة الإنسان بالصورة،
