علياء البحيري
بقلم عامر بوعزة

سيظل اسم علياء البحيري (رحمها الله) شوكة تخز ضمائرنا ووصمة عار أخرى على جبين الدولة، وتهمة تلاحق كل مسؤوليها، فقليل من الضوء نسلطه على الوقائع وما وراءها يكفي لتوجيه أصابع الإدانة نحو منصة السلطة لا تشفيا فيها أو إمعانا في معارضتها، بل لأن السلطة مسؤولية، ولأن (المجني عليها) مواطنة كاملة الحقوق، بذل العناية لإنقاذها كان ينبغي أن يعتبر واجبا لا منة من أحد.
سيقول اللحّاسة المختصون في التبرير والتفسير مرة أخرى: إن الموت قضاء وقدر، وإن ساعة الفقيدة قد حانت ولا رادّ لقضاء الله. سيقولون: تعددت الأسباب والموت واحد، بل إن بعضهم ألقى بدم بارد اللوم كله على والد (المجني عليها)، وحمّله مسؤولية موت فلذة كبده لأنه لم يجدّد دفتر العلاج في الإبان، فهل رأيتم موالاة أشدّ عهرا من هذه الموالاة العمياء التي يتملكها الرعب من أي مساءلة نقدية؟
نتجاوز هنا مسألة اهتراء البنية التحتية في مرافق الصحة العمومية بولايات الداخل، وضعف الإمكانيات الموضوعة على ذمتها، فهذا هو الجزء الظاهر من جبل الجليد والذي ستهتم به كثيرا الجمعيات والمنظمات والأحزاب وهي تصدر بياناتها عن القضية. ونهتم بجانب واحد فقط، ففي قسم الاستعجالي بالمستشفى يوجد موظف بسيط من عامة الشعب، لكنه في موقعه ذاك يمثل الإدارة ويتقمّص روح السلطة، هذا الموظف هو الأنموذج السائد في الإدارة العمومية اليوم، وهو ليس موظفا نزيها كما قد يتبادر إلى أذهان البعض، بل موظف خوّاف
إن الامتناع عن قبول مريضة بدفتر منتهي الصلاحية لا يعني أبدا أننا نعيش في مدينة فاضلة لا أحد فيها يتجاوز القانون، بل يعني أن الإدارة التونسية تحت طائلة الخوف أصبحت بلا قلب! ففي ظل ما يوجه إليه من اتهامات بالفساد والخيانة والاندساس وانعدام الكفاءة تخلى الموظف العمومي عن قيم التضامن ورفع شعار (اخطى راسي واضرب)، فهذا الموظف يعرف جيدا أنه لن يسائله أحد لو ماتت البنت خارج المستشفى، لكنه سيساءل لو سمح لها بالصعود إلى غرفة الكشف ودفترها خارج الآجال القانونية.
علياء البحيري ليست فقط ضحية الخوف الذي يهيمن بجناحيه على البلد بأكمله ويشل كل حركة فيه وكل مبادرة، بل ضحية التخلف، ففكرة دفتر العلاج في حد ذاتها فكرة عفا عنها الزمن في عدة دول، تكفل حق مواطنيها في التغطية الصحية بمجرد تسجيل أسمائهم وأرقام هوياتهم في قاعدة بيانات ويجدد حق الانتفاع بهذا المرفق دوريا باستخدام التقنيات الحديثة، فضلا عن تخصيص مكاتب في المستشفيات تعمل على مدار الساعة لحل أي مشكل إداري طارئ.
هناك فرق كبير بين إدارة تعتبر الإنسان محور اهتمامها وإدارة أخرى تعتبر الفصول القانونية مركز الكون. فالسلطة عندنا مسؤولة عن موت علياء البحيري وعن موتنا جميعا بهذا الدم البارد الذي تعالج به كل قضايانا، فالخطاب السياسي في أعلى مستويات الدولة يعتقد أننا في حاجة إلى المزيد من النصوص بينما نحن في حاجة إلى بصيص من الأمل وقليل من الإنسانية فهل هذا كثير علينا؟
*علياء البحيري، فتاة 21 ربيعا التي ماتت في قفصة في ظروف تلفها شبهات الاهمال وتعنت الادارة في ظل قوانين بلا قلب لا ترى في المواطن سوى دافع ضرائب وفي الدولة مكّاسا




