يعدّ التصريح الصادم والصادر اليوم عن أحد نواب الشعب، والذي جمع بين التقليل من شأن جريمة الاغتصاب والتعبير عن مضامين ذات طابع عنصري، حادثة بالغة الخطورة لا يمكن التعامل معها كزلة لسان معزولة أو خطاب عابر. فهي تعكس انزلاقًا خطيرًا في مستوى الخطاب العام، وتُسهم في ترسيخ تصورات مغلوطة تمسّ من كرامة الإنسان، وتضرب في العمق مبادئ المساواة وعدم التمييز.
تكمن خطورة هذا الخطاب في كونه يُعيد إنتاج ثنائية مرفوضة تقوم على التفاضل العرقي من جهة، وعلى تبرير ضمني للعنف الجنسي من جهة أخرى، وهو ما يفتح الباب أمام تطبيع خطير مع العنف الرمزي والمادي على حد سواء. كما أن الربط بين الجريمة ومعايير الجمال أو الانتماء الجغرافي لا يُسيء فقط للنساء، بل يُقوّض أسس العدالة ويشكّك في مصداقية الضحايا، خاصة من الفئات الأكثر هشاشة.
ولا يمكن النظر إلى ما صدر عن النائب بمعزل عن سياق أوسع، إذ لا يمثّل هذا التصريح حالة معزولة بقدر ما يعكس استبطانًا لخطاب أصبح، للأسف، أكثر شيوعًا في السنوات الأخيرة، رغم كونه مرفوضًا قانونًا ومجتمعيًا ومخالفًا للقيم والأعراف الراسخة. فهذا النوع من الخطاب يجد صداه في مناخات مشحونة تُغذّيها المخاوف والهواجس المرتبطة بقضايا الهجرة والهوية، ويتم توظيفه، بشكل مباشر أو ضمني، في إطار خطاب انتخابي شعبوي يسعى إلى استمالة بعض الفئات عبر تبسيط القضايا المعقّدة وتحويلها إلى ثنائيات حادّة تقوم على الإقصاء والتمييز. وهو ما يفرض ضرورة مضاعفة اليقظة، ليس فقط على المستوى القانوني، بل أيضًا على مستوى الخطاب العام، حتى لا يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، ولا يصبح المرفوض أمرًا مألوفًا تحت ضغط التكرار والتوظيف السياسي.
ولا تقف تداعيات مثل هذه التصريحات عند حدود الداخل، بل يمكن ايضا ان تمتد إلى المجال الدبلوماسي، حيث يمكن أن تُفهم كانعكاس لمناخً عامً متسامحً مع العنصرية، بما قد يؤثر سلبًا على صورة البلاد وعلاقاتها مع محيطها الإفريقي.
وفي سياق إقليمي ودولي حساس، تصبح مثل هذه الخطابات عاملًا إضافيًا في تأجيج التوترات وتحويل قضية الهجرة من جنوب الصحراء—باعتبارها مسألة إنسانية وتنموية معقّدة—إلى موضوع مشحون بالخوف والرفض، أي إلى ما يشبه “فوبيا” جماعية تُغذّيها الأحكام المسبقة بدل المعالجة الرصينة متعددة الأبعاد.
من جهة أخرى، يطرح هذا الحدث بإلحاح مسألة دور المؤسسة البرلمانية، بوصفها فضاءً يفترض أن يُجسّد أعلى درجات المسؤولية في الخطاب والممارسة. فمجلس نواب الشعب لا يقتصر دوره على سنّ القوانين، بل يشمل أيضًا حماية القيم التي يقوم عليها النظام الديمقراطي، وعلى رأسها احترام الكرامة الإنسانية والمساواة.
إن التعامل الجاد مع هذه الواقعة يقتضي من البرلمان اتخاذ موقف واضح وصريح من خلال التنديد الرسمي بمثل هذه التصريحات، وتفعيل آليات المساءلة الداخلية، بما يضمن عدم تكرارها. كما يُستحسن مراجعة طرق نشر وتداول مداولات الجلسات العامة، بحيث لا تُترك العبارات الصادمة دون تأطير أو توضيح، تفاديًا لإعادة إنتاجها أو توظيفها بشكل يُسيء لصورة المؤسسة.
فالمؤسسات لا تُقاس فقط بنصوصها القانونية، بل أيضًا بقدرتها على ضبط الخطاب داخلها، وعلى رسم حدود واضحة لما هو مقبول وما هو مرفوض. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التأكيد على أن الفضاء البرلماني يجب أن يظلّ فضاءً يحترم الإنسان في كرامته، بعيدًا عن كل أشكال التمييز أو التنميط أو التبرير الضمني للعنف.