أنا لا أحترم القانون…!

بفلم صلاح البرقاوي

رغم دراستي للقانون واشتغالي به لمدة فاقت اليوم الأربعين عاما، فإنني كلما تقدمت في العمر كلما زاد احتقاري له كمادة تدرّس وكسيف تسلطه كل قوة غاشمة على رقاب الناس لإخضاعهم لمشيئتها وترهيب مناوئيها، تستوي في ذلك القوى العالمية والقوى الوطنية.
فبالقانون توزعت افريقيا وآسيا بين قوى الاستعمار،
وبالقانون تم تقسيم فلسطين،
وبالقانون اجتاحت أمريكا العراق ومزقته…
وبالقانون يسجن المعارضون لكل سلطة، وتمنع الأحزاب والجمعيات.
وبالقانون تنظم رخص ممارسة الجنس وتسند رخص بيع الخمر للبعض وتمنع عن البعض الآخر.
وبالقانون تفرض أشكال التدين وترسم جرائم الكفر.
وبالقانون يشرّع الاستغلال والسرقة والظلم…
ورغم كل هذا قد ينجح القانون في إنقاذ قشرة الاحترام والحفاظ على نزر من ماء الوجه حين يتعالى على الغرائز ولا يميز، في الظاهر والشكل على الأقل، بين محكوم وحاكم، ولا بين مساند ومناوئ ولا بين قريب وغريب…
لكن كيف أذعن له وأحترمه وأنا أراه يفقد كل يوم سنده الأخلاقي، ويتحول إلى مجرد هراوة بلطجي أو سكين، يشهره واضعه ويضرب به كل من يبدي اعتراضا على أسلوب الحكم أو محتج على الظلم.
بالأمس سمعت عن صدور قرار بالاحتفاظ بالسيد سيف الدين العرفاوي بسبب ما هتف به في مظاهرة “نفس” يوم 20 أوت، فأعادني ذلك إلى خصومتي مع القانون.
كنت سألتزم الصمت حيال القرار وأذعن للأمر (لأنه كان في إمكان السيد العرفاوي هو أيضا، إذا كان المقصود بهتافه رئيس الدولة، أن يعبر عما يريد من دون حاجة إلى التجريح الذي يضعه في مرمى التتبع، كأن يطالب مثلا بحق المحكوم في الاطلاع على الحالة الصحية لحاكمه) لو أن السلطة ربتنا وأعطتنا المثال دائما على أن القانون هو الفيصل بينها وبيننا.
كيف أذعن وأنا أعاين أن ما هتف به الرجل في المظاهرة لا يمثل على عنفه شيئا مقارنة بدعوات إرهابية علنية متكررة تحرض على قتل بعض مواطنينا، لم نسمع أن السلطة تتبعت أصحابها أو آخذتهم. ثم فيم يختلف هتاف الرجل عما تبثه حناجر السلطة وأبواقها يوميا من طعون وسحل في حق المعارضين.
كنت سأذعن لو أن صاحب السلطة احترم قوانينها عند إلغائه دستورا أقسم على احترامه بالقرآن ومنحنا دستورا جديدا من عنده.
كنت سأذعن لو أنني لم أر كيف وقع ليّ رقبة الفصل 80 من دستور 2014 بما يخالف نصه ومقصده لفرض أمر واقع جديد.
كنت سأذعن لو أن رئيس السلطة لم يصل في الاستهانة بترتيب القوانين إلى حد إعلاء الأوامر على الدساتير. فاللعنة عليك يا “كلسن”(*) يا من أفسدت رؤوسنا بأفكارك!
كنت سأذعن لو أن السلطة احترمت قوانينها في عزلها لبعض القضاة وأذعنت للأحكام الصادرة عن محاكمها بإرجاعهم إلى وظائفهم.
كنت سأذعن لو أنها امتنعت عن تغيير قواعد مراقبة الانتخابات الرئاسية وهي جارية، والتزمت بدستورها في ما يتعلق بتركيبة وعمل هيئة الانتخابات.
كنت سأذعن لو أن رئيس الدولة امتنع عن الطعن علانية في شرف قاضية اتهمها بالزنا رغم أن المحاكم برأتها بعد ذلك من التهمة.
كنت سأذعن لو أن السلطة احترمت قوانينها فأعادت المجلس الأعلى للقضاء إلى سالف دوره حتى لا تظل وضعية القاضي المهنية رهينة هوى السلطة.
كنت سأذعن لو أن السلطة ركزت المحكمة الدستورية في الآجال التي تعهدت بها رغم أن تركيزها لا يحتاج جهدا بعد أن حدد الدستور تركيبتها وصلاحياتها منذ أكثر من أربع سنوات.
وكنت… وكنت…
لكن كيف يمكنني أن أحترم القانون في ظل كل ما ذكرت وما لم أذكر…! أخافه. نعم، مثل الكثير منكم. لكنني لا أحترمه. وكيف أفعل وقد صار، ولعله كان دائما، وجها آخر للفوضى… فوضى منظمة. وها هي تضطرم اليوم بداخلي. تستفزني وتدفعني إلى ضم صوتي إلى أصوات من يطالبون بالإفراج عن السيد سيف الدين العرفاوي…!
__________________________________
(*) هانز كلسن. فيلسوف ومحامي أمريكي (1881- 1973). وضع القوانين على هيئة هرم، قمته الدستور، باعتباره القاعدة القانونية الأسمى في الدولة، والتي تمنح الشرعية لجميع القوانين الأخرى.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى