أزمة انقطاع الكهرباء في تونس: هل تُصبح الطاقة للمحظوظين فقط؟ 

أيام طويلة ومرهقة وحزينة تعيشها تونس منذ الأسبوع الثاني من جويلية الجاري، ما بين موجات الحرّ المنهكة وأزمات توزيع الماء الصالح للشراب وزحف الحرائق على جبال وغابات الشمال، والانقطاعات المطولة للكهرباء في أغلب مناطق البلاد.
تحتلّ انقطاعات الكهرباء الحيّز الأكبر من الهموم الحالية للتونسيين وغضبهم ومخاوفهم من المستقبل، فهي لا تُضعف فقط قدرتهم على مجابهة ارتفاع درجات الحرارة، بل تعطّل أيضا نشاطهم الاقتصاديّ وتقيّد حركتهم وتهدّد حتى صحة وحياة عدد منهم. فالانقطاعات لم تقتصر على المساكن، إذ شملت المؤسسات الاقتصادية على اختلاف اختصاصاتها وأحجامها وكذلك المؤسسات الصحية والمراكز الطبية والمخابز والصيدليات.
وفيما تتكاثر مظاهر التأزم، هناك شح ممنهج في الخطابات الرسمية مقابل ازدهار الخطابات التفسيرية والتبريرية والمؤامرَاتية لأنصار السلطة، في حين تتبنّى المؤسسة العمومية المسؤولة على إنتاج وتوزيع الكهرباء خطابا تقنويّا، وينتهز “خبراء” ليبراليون فرصة الأزمة للترويج للحلول القائمة على الخصخصة والخلاص الفردي. 
الخلاص تقني، وفردي وطبقي
منذ بداية تواتر انقطاعات التيار الكهربائي في تونس، انطلاقا من الأسبوع الثاني من شهر جويلية الجاري، لم تُكلّف السلطة السياسية نفسها عناء التوجّه بخطاب صريح إلى المواطنين، يُوضّح حجم الأزمة وأسبابها ويبرر الإجراءات المتخذة ويحدّد مدتها، ويضع الحلول العاجلة والآجلة لضمان تخفيف آثارها وعدم تكرارها بنفس الحدّة.
لم يتوجه الرئيس سعيّد مباشرة إلى الشعب ولم تفعل كذلك رئيسة الحكومة، ولا حتى وزير الصناعة والمناجم والطاقة. هذا الأخير غير موجود، فالمَنصب شاغر منذ 27 أفريل 2026 تاريخ إقالة الوزيرة السابقة، فاطمة ثابت شيبوب، وتكليف وزير التجهيز والإسكان بتسيير الوزارة مؤقتا. 
وفي ظل غياب الخطاب السياسي الرسمي، توَجّهَت الأنظار نحو الشركة التونسية للكهرباء والغاز “الستاغ STEG” التي قامَ كبار المسؤولين فيها بتوزيع تصريحات على بعض وسائل الإعلام كان أغلبها “تقنيا” تعويميا يُركّز على العوامل المناخية و”إسراف” التونسيين في استعمال الطاقة الكهربائية بشكل يفوق قدرات الشركة، مع المراوحة بين التحذير من إمكانية الانهيار الكلي لمنظومة الإنتاج والتوزيع وطمأنة التونسيين بأن الانقطاعات ستكون قصيرة الأمد ولن يتمّ اللجوء إليها إلا عند الضرورة.
التطمينات كذَّبَها الواقع في ظل استمرار القطع يوميا ولعدة مرات وساعات من دون أن تُكلّف إدارة الشركة نفسها توضيح معايير القطع والمدة القصوى ونصيب كل منطقة في البلاد من هذه الانقطاعات.
وحتى البلاغات المتكررة التي تنشرها الشركة لتوضيح المناطق التي سينقطع فيها الكهرباء ومدة الانقطاع لم تحظَ بمصداقية لدى أغلب المواطنين الذين سرعان ما لاحظوا عدم التزام الشركة بالحدود الجغرافية والزمنية للانقطاعات المعلنة. 
وفي ظلّ غياب الموقف السياسيّ الرّسمي، تحوّلت الضغوطات والمسؤوليّة نحو المسؤولين في “الستاغ” الذين حاولوا امتصاص الغضب وتخفيف الضغط عبر بلاغ نُشِرَ على الصفحة الرسمية للشركة في 22 جويلية أعلنوا من خلاله أنه وفي “في ظلّ الارتفاع الاستثنائي لدرجات الحرارة والضغط الكبير على الشبكة الكهربائية الوطنية وفي إطار التشجيع على الاستثمار في الطاقات المتجددة، تعلم الشركة التونسية للكهرباء والغاز حرفاءها كافة من القطاع السكني أنه بات بإمكانهم رسمياً تركيب بطاريات تخزين الطاقة الكهروضوئية (Batteries de stockage) المرتبطة بمحولات هجينة (Onduleurs hybrides)”، بعد أن كان الحرفاء مجبرين على الاستهلاك الفوري للطاقة المنتجة ذاتيا وبَيع الفائض كليّا وحصريّا للسْتَاغ. قرار اعتبره البعض -خاصة من المساندين لفكرة خصخصة الموارد الطبيعية والمرافق العمومية- حَلاًّ سحريّا لأزمة انقطاع الكهرباء، لكن عدة مؤشرات تُظهر محدودية هذا “الحل”، فضلا عن خطورة دلالاته. 
أزمة انقطاع الكهرباء في تونس: هل تُصبح الطاقة للمحظوظين فقط؟ 
انطلق العَمل رسميا بنظام الإنتاج الذاتيّ للكهرباء في الجهد المنخفض في تونس منذ سنة 2009 في إطار القانون عدد 7 لسنة 2009 المتعلّق بالتحكّم في الطاقة، وتَمّ التنصيص عليه وتنظيمه في القانون عدد 12 لسنة 2015 المتعلق بإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجدّدة والأمر عدد 1123 لسنة 2016.
وأقرّت الدولة عدة برامج لتحفيز المواطنين على الاستثمار في تركيز الألواح الفولطاضوئية “panneaux “photovoltaïques في منازلهم، وَوَضعت آليات تمويل وتجهيز بالشراكة مع بنوك وقائمة من الشركات المختصّة في تسويق وتركيب هذه التجهيزات، مثل برنامج Prosol Elec الذي  يُتيِح لحُرفاء الشركة من القطاع السكني إمكانية الحصول على منحة قدرها 500 دينار (تذهب للشركة المكلّفة بتركيب الألواح) وقرض تتراوح قيمته ما بين 3 و10 آلاف دينار يَتمّ سدَاده على سبع سنوات بنسبة فائدة تُعادل نسبة الفائدة المديرية زائد 1،4 %، وكذلك برنامج Prosol Elec Economique للمساكن الأقل استهلاكا الذي يمنَح الحرفاء إمكانية الحصول على منحة بقيمة 1500 دينار وقرض بقيمة 2000 أو 3000 دينار يُسَدّد على عشر سنوات بنسبة فائدة متدنية قدرها 3%. 
وعلى الرغم من هذه “التحفيزات” فإن الإقبال بقي محدود نسبيّا، إذ لم يتجاوز عدد المساكن المجهّزة بالألواح الفولطاضوئية 200 ألف مسكن من جملة حوالي 4 ملايين مسكن، أي حوالي 5%.
كما أن مُنتجي الكهرباء من الطاقات البديلة في القطاع السكني لم يكن يحق لهم تخزين الطاقة المُنتَجَة واستعمالها للاستهلاك الذاتي عند انقطاع الكهرباء الذي توفره الشبكة العمومية.
إتاحة إمكانية التخزين التي يسوق لها بعض “الخبراء” باعتبارها حلاّ ثوريا وناجِعا قد يخفّف أزمة الكهرباء في تونس، لا تَمسّ حاليا إلا حوالي 5% من المساكن في تونس، وحتى إن لجأ كل الذين ركزوا ألواح فولطاضوئية فوق أسطح بيوتهم إلى خيار التخزين، فإنه من المستحيل أن تكون للجميع القدرة المادية على اشتراء بطاريات التخزين والمحوّلاَت الهجينة التي تتراوح تكلفتها ما بين 5000 و10000 دينار، وهذا إن وُجِدَت الكميات المطلوبة في السوق (وهي سلع مستوردة بالأساس مما يعني ضغطا إضافيا على احتياطي العملة الصعبة).
أما المُقبِلون الجدد على إنتاج الكهرباء ذاتيا وتخزينها، فسيتوجِب عليهم أولا الانتظار لمدة أشهر حتى تتحصل مطالبهم على الموافقة من “الستاغ” فضلا عن التكلفة المادية التي ستتراوح بين 20 و30 ألف دينار (سعر الألواح ومصاريف تركيبها زائد سعر البطاريات والمحوّلات الهجينة)، دون أن ننسى أن ملكيّة المسكن وتسجيل عدّاد الكهرباء باسم المنتفع شرط ضروري للموافَقَة على المطلب.
حتى وإن ارتفَعَ عدد المساكن المُجَهّزَة بالألواح الفولطاضوئية بضعة آلاف في الأشهر القادمة، فإن الإنتاج سيبقى محدودا. كما أنّنَا في مواسم الصيف المقبلة ومع أول موجة قد نجد أنفسنا في وضعية غير مسبوقة: أحياء أغلب مساكنها غارقة في الظلام وتُجاوِرها “بقع ضوء” تمتلكها فئة من المحظوظين.
وكما أنّ واقع تقسيم الثروة والموارد في العالم فَرضَ واقعا قوامه أن الدول الأكثر ثراء (وأغلبها من أصحاب المسؤولية التاريخية في التلوث الصناعي واستنزاف الموارد الطبيعية) لديها القدرة المادية والتقنية الكبرى في مجابهة التغير المناخي و”التأقلم” مع آثاره، فإن الإنتاج الذاتي هو “تَرف” متاح لأقلية من المواطنين (وهم عادة من كبار المستهلكين للكهرباء) وليس في متناول معظم الطبقات الوسطى، فما بالك بالطّبَقات الأفقر.
ألم يكن من الأجدر تشجيع القطاع الصناعي والمِهنيين عموما على استعمال آليات وتجهيزات التخزين، من جهة للحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي، ومن جهة أخرى كاستثمَار مُربح يُقلّص نفقاتهم الطاقية ويخفّف العبء على “الستاغ”؟
ثم لماذا لم يتمّ تقنين تخزين الكهرباء في القطاع السكني منذ سنوات إذا كان بمثل هذه النجاعة؟ هناك معطى آخر يغيب عن خطاب المتحمسين لترويج البطاريات، وهو كمية الطاقة المخزنة التي لا يمكن لأغلبها أن تُؤَمّن أكثر من بضع ساعات من الاستهلاك، في حين أن مدة الانقطاعات تتجاوز العشر ساعات في بعض المناطق.

الأغلب على الظنّ أن بلاغ “الستاغ” جاء لمحاولة تهدئة الساخطين على الانقطاعات ومَنحهم “الأمل” في وجود حل تقني كفيل بإنهاء معاناتهم. وقد يكون المستفيد الأكبر من هذه “الهديّة” أصحاب المؤسسات العاملة في صناعة وتوريد تجهيزات الإنتاج والتخزين. ولعلّ أخطر ما في هذا الترويج للحلول الفردية هو “تخفيف الأحمال” الاجتماعية للدولة وإلقاؤها على كواهل مواطنين طَحنَتهم الأزمات الاقتصادية وموجات الغلاء والتضخم والحَرّ. وقد تكون خطوة أولى في مسار مشابه لمسارات أخرى سلَكَتها الدولة للاستقالة تدريجيا من دورها الاجتماعي وواجباتها. 
من المفيد أن نُذكّر هنا بما حصَلَ في قطاعات حيوية عدة تَقلّصَ دور الدولة فيها تدريجيا حتى تم فيها نقل جزء كبير من “الأعباء” إلى المواطنين.
مثلا دَفعَ تردي أحوال المدرسة العمومية على مختلف الأصعدة وفي مختلف المستويات منذ تسعينيات القرن الفائت إلى ازدهار كبير للمؤسسات التعليمية الخاصة، فارتفع عدد منتسبي الجامعات الخاصة من قرابة 4000 طالب في السنة الدراسية 2006-2007 إلى أكثر من 51000 طالب في موسم 2024– 2025، وارتفع عدد مؤسسات التعليم العالي الخاص خلال نفس الفترة من 21 إلى 82 مؤسسة، أما مؤسسات التعليم الإعدادي والثانوي الخاص فقد زاد عددها من 299 مؤسسة في السنة الدراسية 2012– 2013 (حوالي 63000 تلميذ وتلميذة) إلى 598 مؤسسة في 2025 – 2026 (أكثر من 126000 تلميذ وتلميذة)، وارتفع عدد المدارس الابتدائية الخاصة من 155 مؤسسة في السنة الدراسية 2012– 2013 يرتادها 33000 ألف تلميذ إلى 708 مؤسسة في موسم 2025- 2026 يرتادها أكثر من 136000 تلميذ وتلميذة. 
وقطاع المياه هو الآخر شهد تقلصا كبيرا في واجبات ومسؤوليّات الدولة في تطوير البُنَى التحتية وتحسين جودة المياه الموزعة، ممّا خلق مثلا إقبالا متزايدا على المياه المُعلّبَة، فزاد حجم الإنتاج والاستهلاك من قرابة 123 مليون لتر في سنة 1995 إلى قرابة 3 مليار لتر في سنة 2025، دون الحديث عن ازدهار قطاع بيع وتركيب الأجهزة المنزلية والصناعية المستعملَة في تصفية المياه وتقليل نسب ملوحتها ونسب الترسّبَات الكلسية. ويمكن أن نلحظ نفس المنحى في قطاعات النقل العمومي والصحة العمومية وغيرهما. 
فن التشخيص الخاطئ وتحويل وجهة النقاش 
كان يُفترَض أن تكون أزمة انقطاعات الكهرباء فرصة لنقاش مسألة الانتقال الطاقي بشكل عقلاني واستراتيجي وسريع أيضا، فالعجز الطاقي الذي أصبحت نسبته تناهز ال 70% له فاتورة ماليّة واجتماعية وسياديّة فادحة. كما أن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بحجم الإنتاج، فحتى لو كان لتونس فائض إنتاج لمَا استطاعت استغلاله وتفادي الانقطاعات.
هناك مشاكل كبيرة على مستوى البنية التحتية للستاغ وأوضاعها المالية. لا تسمح الإمكانيات التقنية الحالية للشركة بقدرة استيعاب وتوزيع تتجاوز 4800 ميغاواط، والحال أن الاحتياجات الحقيقية للحرفاء صارت تتجاوز 5500 ميغاواط في ذروة الصيف، وهي مُرشَّحَة للارتفاع بقوة وسرعة في السنوات القادمة. 
تتجاوز ديون الشركة 7600 مليون دينار وتشكو من تقادم جزء كبير من بناها التحتية، في حين أن الاستثمارات الكبرى في توسعة الشبكة وتطويرها شبه متوقفة منذ 2019– 2020.
والطّلَب على الطاقة الكهربائية يتزايد بسرعة. حتى الإجراءات التي يقترحها البعض مثل سحب امتياز استهلاك كمية من الطاقة مجانا من موظفي وعمال الشركة والتسريع في تركيز عدادات ذكية لن تَحلّ إلا جزء بسيط جدّا من أزمة شبكة الكهرباء العمومية التي أصبحت هيكلية ومستعجلة، وتتطلّب تحمّل السلطة السياسية مسؤوليتها في الإنفاق العمومي ووضع استراتيجية حقيقية لتطوير الشبكة بشكل يُمكّنها من التأقلم مع الطلب المتزايد على الطاقة. ويجب أن يكون تطوير الشبكة متزامنا مع زيادة إنتاج الكهرباء وتنويع مصادره. 
تراهن الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي “الطموحة” التي وضعتها وزارة الصناعة والمناجم والطاقة في 2013 إلى رفع مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء إلى 35% في أفق سنة 2030، ثم 50% في سنة 2035، و80% مع حلول سنة 2050، في حين لا تتجاوز نسبة المساهمة الحالية 9% حسب تقرير “الظرف الاقتصادي (ماي 2026)” الصادر عن المرصد الوطني للطاقة والمناجم.
ولا تكمُن المشكلة فقط في ضعف الاستثمار العمومي في تطوير شبكة الكهرباء والتباطؤ في زيادة حجم مساهمة الطاقات البديلة، بل تشمل أيضا الرؤية الرسمية لمسألة الانتقال الطاقي، إذ صارت تُركّز أكثر على “الأمن الطاقي” بدلا من “السيادة الطاقية” (نفس المنظور تقريبا في مسألة الغذاء). فهناك تعويل كبير على الاستثمارات والخبرات الأجنبية وانجذاب كبير إلى فكرة تصدير الطاقة مستقبلا نحو أوروبا، حتى أن هناك مشاريع هائلة تمّ ضمها بشكل متأخر إلى الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي فقط تلبية لاحتياجات أوروبية مثل مشاريع إنتاج وتصدير “الهيدروجين الأخضر” التي انتقلت فجأة إلى أعلى سُلّم الأولويات الطاقية لتونس.
وإذا استمرَّ الأمر على هذا الحال، فقد يتحوّل الانتقال الطاقي إلى قاطرة تجرّها أوروبا ومصالحها. 
يجب أن تتوقف محاولات “تخفيف أحمال” العجز الطاقي عبر إلقائه على كاهل المواطنين الأكثر هشاشة اقتصاديا، وبدلا من إطلاق النار على “سيارة الإسعاف” أي الشركة التونسية للكهرباء والغاز وشيطنة العاملين بها -مقابل تجاهل المسؤول الأول عن السياسات العمومية أي السلطة السياسية- يجب التفكير جديا في إنقاذها وتهيئتها للتأقلم مع الأوضاع الطاقية والمناخية ولعب دور مركزي وفعّال في انتقال طاقي أخضر وعادل ومستدام وسيادي. 
محمد رامي عبد المولى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى