الفاهم بوكدوس:هل تُحل أزمة الكهرباء بالتحقيقات الجزائية أم بمراجعة السياسات العمومية؟

أُعلن عن إذن النيابة العمومية بفتح أبحاث عدلية، وبصفة استعجالية، بخصوص ملابسات الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي في عدد من مناطق البلاد. ومن الطبيعي أن تتدخل السلطة القضائية إذا وجدت شبهة تقصير جسيم أو إهمال أو فساد أو عمل متعمد ألحق الضرر بالمواطنين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل جوهر أزمة الكهرباء في تونس قضية جزائية أم أنها في الأصل نتيجة تراكمات وسياسات عمومية امتدت لسنوات؟
يكتسي هذا السؤال أهمية خاصة لأنه يحدد طبيعة الحل. فإذا اعتبرنا أن المشكلة مجرد ملف جزائي، فإن البحث سينتهي إلى تحديد مسؤوليات أفراد. أما إذا كانت الأزمة تعكس اختلالاً في التخطيط والاستثمار والحوكمة، فإن الحل لن يكون في المحاكم وحدها، بل في مراجعة الخيارات العمومية.
إن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن الأزمة أعمق من مجرد حادث عرضي. فمنذ سنة 2019 لم تدخل أي محطة كبرى جديدة لإنتاج الكهرباء حيز الاستغلال، رغم أن الدراسات كانت تؤكد الحاجة إلى إضافة قدرات إنتاج جديدة بشكل دوري لمواكبة النمو الطبيعي في الاستهلاك. وفي المقابل خرجت محطات قديمة من الخدمة بعد انتهاء عمرها الفني، وهو ما أدى إلى تقلص القدرة الإنتاجية المحلية في وقت ارتفع فيه الطلب على الكهرباء سنة بعد أخرى.
كما أن إنتاج الكهرباء في تونس يعتمد بصورة شبه كلية على الغاز الطبيعي، بينما يعتمد جزء كبير من هذا الغاز على التزود من الجزائر، سواء عبر العقود طويلة الأمد أو عبر عمليات شراء استعجالية تكون أكثر كلفة وأكثر ارتباطاً بتقلبات السوق والظروف الإقليمية. وقد زادت الحرب الروسية الأوكرانية من تعقيد هذا الوضع، مع ارتفاع الطلب الأوروبي على الغاز الجزائري وتشدد ظروف التزود.
إن هذه ليست معطيات ذات طبيعة جزائية، بل هي مؤشرات على خيارات في التخطيط والاستثمار وأمن الطاقة، أي على سياسات عمومية ينبغي تقييمها ومحاسبة المسؤولين عنها سياسياً وإدارياً قبل أي شيء آخر.
ولذلك يبدو لافتاً أن عدداً من أعضاء مجلس نواب الشعب اختاروا المسار الذي يرسمه الدستور، فتقدموا بطلب عقد جلسة عامة عاجلة لمساءلة وزير الصناعة والمناجم والطاقة بالنيابة. فالعريضة لم تطالب بالبحث عن “فاعل مجهول”، بل طرحت أسئلة جوهرية: لماذا تتكرر الانقطاعات؟ هل أصبحت منظومة الإنتاج والنقل والتوزيع عاجزة عن مجابهة ذروة الاستهلاك؟ أين وصلت الاستثمارات الخاصة بتحديث الشبكات؟ وما هي الإجراءات العاجلة لتجنب تكرار الأزمة؟
إن هذه هي الأسئلة التي ينتظر المواطنون إجابات واضحة عنها، لأنها تتعلق بمستقبل قطاع حيوي يمس كل بيت وكل مؤسسة اقتصادية.
وفي خضم الغضب الشعبي المشروع الذي خلفته الانقطاعات المتكررة، يبرز خطر آخر لا يقل أهمية، وهو تحويل حالة الاحتقان إلى حملة شيطنة تستهدف أعوان وإطارات ومسؤولي الشركة التونسية للكهرباء والغاز. فحين يغيب التفسير الرسمي، وتضعف الشفافية، ويتسع مجال الإشاعات، يصبح من السهل اختزال أزمة معقدة في أشخاص بعينهم، وتحميلهم مسؤولية خيارات وسياسات لم يكونوا هم من رسمها. وهذا من شأنه أن يخلق مناخاً من التحريض والكراهية قد يعرض سلامتهم الجسدية والمعنوية للخطر، ويزيد من حدة التوتر الاجتماعي، وهو أمر ينبغي التنبه إليه والتصدي له.
إن من حق المواطنين أن يغضبوا وأن يطالبوا بالمحاسبة، لكن من واجب الدولة أيضاً أن تمنع توجيه الغضب نحو الحلقة الأقرب للمواطن، بينما تظل الأسباب الحقيقية للأزمة بعيدة عن النقاش. فالمساءلة لا تكون عبر البحث عن “كبش فداء”، وإنما عبر تحديد المسؤوليات على مختلف مستويات القرار، من التخطيط والاستثمار إلى التنفيذ والمتابعة.
ولهذا، من المهم أيضاً عدم الانزلاق إلى تحميل أعوان وإطارات الشركة التونسية للكهرباء والغاز مسؤولية أزمة تتجاوزهم. فحتى النواب الذين طالبوا بمساءلة الوزير شددوا على دعمهم لأعوان المؤسسة ورفضهم تحميلهم نتائج اختلالات تعود أساساً إلى السياسات العمومية ومستوى الاستثمار والحوكمة في القطاع.
إن تحويل كل أزمة إلى ملف قضائي قد يحقق رغبة آنية في البحث عن مسؤول مباشر، لكنه لا يعوض النقاش العمومي حول الخيارات الاقتصادية والاستثمارية. فالقضاء يحدد المسؤوليات القانونية، أما البرلمان والحكومة والرأي العام فعليهم أن يناقشوا المسؤوليات السياسية والاستراتيجية، لأن الأزمات الهيكلية لا تُعالج بالأحكام القضائية وحدها، بل بإصلاح السياسات التي أنتجتها.
إن تونس تحتاج اليوم إلى قدر كبير من الشفافية. ويحتاج المواطن إلى معرفة حقيقة وضع منظومة إنتاج الكهرباء، وحجم الاستثمارات المؤجلة، وأسباب تعطل مشاريع إنتاج الغاز والطاقة، وخطة الدولة لتأمين الأمن الطاقي خلال السنوات القادمة.
فالتحقيقات القضائية قد تحدد، إن وجدت، مخالفات أو تجاوزات، لكنها لن تبني محطة كهرباء جديدة، ولن تطور شبكة النقل، ولن تؤمن مصادر الطاقة، ولن تضع استراتيجية وطنية تقلل من هشاشة القطاع.
لذلك، فإن جوهر الأزمة ليس فقط: من أخطأ؟ بل أساساً: كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ وما الذي يجب تغييره حتى لا تتكرر؟
هذا هو النقاش الذي يستحقه التونسيون، لأنه يتعلق بسياسة عمومية تمس أمنهم الاقتصادي والاجتماعي، ولا يمكن اختزالها في مجرد ملف جزائي، مهما كانت أهمية المساءلة القانونية عند الاقتضاء. كما أن حماية المرفق العمومي لا تكون فقط بحماية تجهيزاته، وإنما أيضاً بحماية العاملين فيه من التحريض والتشهير وتحويلهم إلى ضحايا لغضب سببه الحقيقي اختلالات تراكمت على مستوى السياسات والقرارات، لا على مستوى من يسهرون يومياً على إبقاء الشبكة الكهربائية في الخدمة رغم الإمكانيات المحدودة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى