عودة البصر وذهاب البصيرة

كرامة إلهية في ديوان أف أم

أحرّ التهاني للعم ساسي الذي قيل إنه استردّ بصره أمام الكعبة، مع التحفظ الشديد على اعتبار ما حدث «كرامة إلهية» كما روّجت لذلك صفحات الفايسبوك وبعض المحطات الإذاعية، ولئن كانت مواقع التواصل الاجتماعي مجالا خصبا للإثارة، فإن الإذاعة (أي إذاعة) مطلوب منها من منطلق «المسؤولية المجتمعية» أن تتحرى كثيرا قبل أن تنخرط في السباحة ضد التيار! وينبغي أن تقدم إلى جانب شهادات الناس العفوية رأي الطب والعلم في مثل هذه الظواهر.

بصرف النظر عن «كرامة» العم ساسي، يعرف القاصي والداني أن الكثير من الأمراض التي يصاب بها الإنسان يمكن أن يكون وراءها سبب نفسي لا عضوي، وهكذا وجد «العمى الهستيري» الذي لا يستطيع طبيب العيون مداواته لأن كل الأعضاء المتدخلة في عملية الإبصار سليمة، وفي هذه الحالات يشفى المريض بمجرد تعرضه إلى صدمة أو اجتيازه حالة اهتياج عاطفي (كما يحدث في الأفلام القديمة). ولذلك كان من الضروري أن نعرف كيف أصيب هذا الرجل بالعمى منذ عشر سنوات؟ وكيف شخّص الأطباء حالته؟ وماذا فعل طيلة هذه السنوات لاسترداد بصره؟

هذه المعلومات أكثر من ضرورية لوضع الخبر في إطاره الصحيح، فحضور طبيب عند إذاعة خبر كهذا أفضل بكثير من الترويج المقنع لوكالة الأسفار التي نظمت العمرة (!)، فيهمنا أن نعرف على وجه الدقة كيف شخص الطب حالة العم ساسي، فإن كانت حالته غير عضوية لا يستبعد الطب النفسي إطلاقا أن يكون الانفعال بالوقوف أمام الكعبة سببا مساعدا على تجاوزها، وهذا ما يجعل عبارة «كرامة» مبالغة لفظية، أما إذا أثبتت الإذاعة أن العم ساسي عاد إليه بصره وهو مصاب عضويا في الشبكية أو القرنية أو أن شرايين عينيه تالفة وعادت إلى الحياة عند الطواف، فنحن إذن أمام «معجزة» إلهية ومن الخطأ تسميتها «كرامة»!

سليم عمار 1927-1997
سليم عمار
1927-1997

مشهود بالريادة في هذا الباب للدكتور سليم عمار أحد أعمدة الطب النفسي في تونس. وفي زمن مضى عندما كانت وسائل الإعلام في بلادنا معنية بالتنوير ورفع الجهل والجهالة عن عقول الناس فسّر الدكتور سليم عمار في مقابلة تلفزيونية مع الإعلامي الكبير خالد التلاتلي لماذا لم يكن يعترض على ممارسة مرضاه كل الطقوس التي يعتقدون أنها تشفيهم، بل كان يحرضهم على زيارة الأضرحة والزوايا، عندما يدرك أنهم بحكم مستواهم الثقافي والاجتماعي يعتقدون شديد الاعتقاد في السحر والجن والعلاج الروحاني، وكان يطلب منهم في الأثناء (كما لو كان في الأمر مقايضة بين العلم والسحر) ألا يهملوا الدواء الذي يصفه لهم. وتكشف وثيقة محفوظة في مقام «سيدي عامر» موقعة من الدكتور سليم عمار مشاهدته «النتيجة الحسنة التي تحصل في مثل هذه الحالات بفضل الطريقة التقليدية المستعملة»، وهكذا وظف العلم الحديث معتقدات الناس ولم ينكرها عليهم!

واليوم في زمن «المفرقعات» الإعلامية، كان يمكن فعليا أن تكون عودة البصر إلى العم ساسي أمام الكعبة قصة مثيرة وجذابة دون أن يتعارض ذلك مع كونها مناسبة لتوعية الناس خاصة البسطاء منهم بأهمية العوامل النفسية في الكثير من الأمراض الجسدية. يتوقف الأمر هنا على مدى التزام وسائل الإعلام العمومية والخاصة بالمسؤولية المجتمعية، ومدى إدراكها خطورة الرسالة التي تبثها في المجتمع عندما تتخلى عن أولوية العلم والتنوير لتتحدث عن «كرامة إلهية» في نفس الوقت الذي يعلن فيه ترامب هيمنته على العالم، فبماذا ستنتفع الأمة إذا ما عاد إلى العم ساسي بصره وفقد مجتمعنا عقله وبصيرته؟!

زر الذهاب إلى الأعلى