-
شكّل عام 1994 نقطة تحوّل في مسيرة علي لاريجاني، حين عيّنه علي خامنئي رئيسًا لهيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، وهو منصب عُدّ من أكثر مواقع النفوذ في الدولة، في ظل احتكارها البثّ الإعلامي.يتصدر اسم علي لاريجاني المشهد السياسي في إيران مجددًا، في ظل تقارير تتحدث عن اتساع صلاحياته لتشمل ملفات داخلية وإقليمية حساسة، من إدارة الأزمات الداخلية والتعامل مع الاحتجاجات، إلى الإشراف على مسار التفاوض النووي مع واشنطن، وصولًا إلى احتمال توليه إدارة شؤون البلاد في حال تعرض المرشد الإيراني علي خامنئي لاغتيال أو عجز مفاجئ.
فمن هو لاريجاني؟ وكيف رسّخ موقعه في دائرة الثقة الضيقة المحيطة بالمرشد؟
تكليف في لحظة حساسة
قبل أيام، نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن ستة مصادر مطلعة أن خامنئي أوكل إلى لاريجاني مهمة “حماية الجمهورية الإسلامية” في حال تعرضه لأي مكروه.
وبحسب التقرير، فإن المهمة لا تقتصر على إدارة السلطة في ظل ضربات أميركية أو إسرائيلية محتملة، بل تمتد إلى ضمان استمرارية النظام والحفاظ على ما تعتبره طهران “منجزات الثورة” منذ عام 1979.
يأتي ذلك في مرحلة توصف بأنها من أكثر الفترات حساسية منذ قيام الجمهورية الإسلامية، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية.
النشأة والبدايات
وُلد علي لاريجاني عام 1957 في مدينة النجف العراقية، لأسرة دينية بارزة. فوالده، آية الله ميرزا هاشم آملي، كان من علماء الحوزة المعروفين، وتنحدر العائلة من مدينة لاريجان في محافظة مازندران شمالي إيران.
عاشت الأسرة في النجف حتى عام 1961، قبل أن تعود إلى مدينة قم الإيرانية، في سياق توترات سياسية متصاعدة في العراق آنذاك. وفي قم تلقى لاريجاني تعليمه المدرسي، قبل أن يلتحق عام 1975 بجامعة “أريامهر” للتكنولوجيا (جامعة شريف حاليًا)، حيث درس علوم الحاسوب.
ظل بعيدًا عن النشاط السياسي المباشر خلال دراسته، غير أن ارتباطه العائلي تعزز بزواجه عام 1977 من فريدة مطهري، ابنة رجل الدين مرتضى مطهري، أحد أبرز منظري الثورة الإيرانية والمقرّبين من مؤسسها آية الله روح الله الخميني.
المسار العسكري والإداري
بعد الثورة، انضم لاريجاني عام 1982 إلى الحرس الثوري الإيراني. وبعد انتهاء الحرب العراقية-الإيرانية، رُقي إلى رتبة عميد، وعُيّن نائبًا لرئيس الأركان المشتركة في الحرس، وهو المنصب الذي شغله حتى عام 1992.
شكل عام 1994 نقطة تحول في مسيرته، حين عيّنه خامنئي رئيسًا لهيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، وهو منصب كان يُعد من أكثر المواقع نفوذًا في الدولة نظرًا لاحتكار الدولة البث الإعلامي. ومن خلال هذا الموقع، أصبح عضوًا فاعلًا في اجتماعات المجلس الأعلى للأمن القومي، قبل أن يُعيَّن عام 1995 ممثلًا للمرشد داخل المجلس، ما عزز حضوره في دوائر صنع القرار.
استمر في إدارة الهيئة حتى عام 2004، ثم تولى في اوت 2005 منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي، قبل أن يستقيل في أكتوبر 2007 على خلفية خلافات مع الرئيس آنذاك محمود أحمدي نجاد بشأن إدارة الملف النووي.
من الأمن القومي إلى رئاسة البرلمان
لم تؤدِ استقالته إلى تراجع نفوذه. ففي جوان 2008 انتُخب رئيسًا للبرلمان، وهو المنصب الذي شغله حتى مارس/ 2019. وفي تلك الفترة، كان شقيقه صادق يتولى رئاسة السلطة القضائية، في سابقة شهدت ترؤس شقيقين سلطتين من سلطات الدولة في آن واحد.
خلال رئاسته للبرلمان، لعب لاريجاني دورًا في موازنة سياسات الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، مستخدمًا أدوات الرقابة البرلمانية لمراجعة قرارات الحكومة، خصوصًا في ملفات الميزانية والسياسة الخارجية، وسط توترات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
محطات إقصاء ومحاولات رئاسية
خاض لاريجاني الانتخابات الرئاسية ثلاث مرات من دون أن ينجح في الوصول إلى الرئاسة. كما استُبعد من الترشح عامي 2021 و2024، بما في ذلك الانتخابات التي جرت بعد وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي.
ورغم ذلك، لم يغب اسمه عن المشهد السياسي، إذ ظل حاضرًا في النقاشات الاستراتيجية، خصوصًا مع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل.
عودة إلى موقع التأثير
مع احتدام المواجهة غير المباشرة بين طهران وتل أبيب، والتي بلغت ذروتها في نزاع استمر 12 يومًا في جوان ، عاد لاريجاني إلى الواجهة. وفي 5 اوت، أُعلن تعيينه مجددًا أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي.
ويُعد هذا المنصب من أكثر المواقع تأثيرًا في هيكل السلطة الإيرانية، إذ يشكل حلقة تنفيذ أساسية لسياسات القيادة العليا، ويتقدم في بعض الملفات الحساسة على دور رئيس الجمهورية.
بهذه العودة، يجد لاريجاني نفسه في قلب معادلة داخلية وإقليمية معقدة، تجمع بين تحديات الأمن، وضغوط الاقتصاد، وحسابات الصراع مع الغرب، في مرحلة توصف بأنها مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
فهل سيستطيع، وهو الذي يوصف بأنه “إيراني قومي واضح الهوية”، وشخصية “براغماتية” تمزج بين الحسابات السياسية والواقعية والنزعة القومية أن “يسير بمركب إيران” إلى بر الأمان؟
بهذه العودة، يجد لاريجاني نفسه في قلب معادلة داخلية وإقليمية معقدة، تجمع بين تحديات الأمن، وضغوط الاقتصاد، وحسابات الصراع مع الغرب، في مرحلة توصف بأنها مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
فهل سيستطيع، وهو الذي يوصف بأنه “إيراني قومي واضح الهوية”، وشخصية “براغماتية” تمزج بين الحسابات السياسية والواقعية والنزعة القومية أن “يسير بمركب إيران” إلى بر الأمان؟

تشير التقارير إلى أن نفوذ علي لاريجاني توسّع خلال الأشهر الأخيرة، إذ أشرف على التعامل مع الاحتجاجات، ويعمل حاليًا على احتواء المعارضين.
زعمت صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية أن إيران شهدت في 8 و9 جانفي محاولة تمرّد داخلي هدفت إلى “الإطاحة” بالمرشد الأعلى علي خامنئي، لكنها “انتهت بالفشل”.
ووفقًا لما أوردته الصحيفة، فإن الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني “عقد اجتماعًا ليليًا ضمّ عددًا من المسؤولين السابقين، من بينهم وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف، ورجال دين من مدينة قم، وشخصيات يُعتقد أنها على صلة بالحرس الثوري الإيراني”، في إطار محاولة انقلاب.وأضاف التقرير أن “الخطة” المزعومة انهارت لعدم حصولها على دعم علي لاريجاني، الذي يشغل منذ اوت منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وأن الرئيس مسعود بزشكيان أُبقي خارج دائرة النقاشات.وتابع التقرير أنه بعد “انكشاف الخطة” فرضت الإقامة الجبرية لعدة أيام على روحاني وظريف، إلى “جانب توقيف مؤقت لشخصيات إصلاحية مقربة منهما”.
وفي سياق متصل، نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” أن خامنئي، وسّع في الأشهر الأخيرة مهام لاريجاني، الذي يُقال إنه أجهض ما وُصف بمحاولة تمرد، وأن لاريجاني بات يمارس دورًا مؤثرًا في إدارة الملفات الرئيسية في الداخل والخارج، في ظل تراجع حضور بزشكيان.
ونقلت الصحيفة عن ستة مسؤولين أن خامنئي أوكل إلى الأمين العام للمجلس القومي وعدد من المقربين من الدوائر السياسية والعسكرية مهمة ضمان “بقاء الجمهورية الإسلامية”، ليس فقط في مواجهة أي ضربات أميركية أو إسرائيلية، بل أيضًا في حال وقوع محاولات اغتيال تستهدف القيادة العليا، بما في ذلك المرشد نفسه.
وبحسب التقارير، يشرف لاريجاني على التعامل مع الاحتجاجات التي اندلعت الشهر الماضي، ويعمل حاليًا على احتواء المعارضين. كما يتولى، بحسب المصادر ذاتها، تنسيق العلاقات مع حلفاء إيران مثل روسيا، ودول إقليمية كقطر وسلطنة عُمان، إضافة إلى إشرافه على المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة، مع تقارير تفيد بأنه يضع خطط طوارئ لاحتمال اندلاع مواجهة عسكرية مع واشنطن.
من جهته، قال الباحث في برنامج إيران بمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي والرئيس السابق لقسم إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، داني سيترينوفيتش، إن لاريجاني ليس الشخصية الوحيدة التي تحظى بثقة القيادة، مشيرًا إلى أسماء أخرى مثل علي شمخاني، ما يعني أن توسّع نفوذه لا يجعله صاحب سلطة مطلقة.
وأكد أن التقارير الصادرة من إيران أو المنقولة عنها في وسائل إعلام خارجية ينبغي التعامل معها بحذر، معتبرًا أنه في حال صحتها فإنها تعكس سعي النظام إلى ضمان استمرارية مؤسساته في حال تعرّض المرشد الأعلى لوعكة صحية أو غياب قسري.وأوضح أنه حتى في تلك الحالة، لن تتأثر إيران بغياب المرشد، لأن مبدأ ولاية الفقيه يبقى الركيزة الأساسية للنظام السياسي.
كما رأى أن هذه التطورات تكشف عن ضعف نسبي في موقع بزشكيان، رغم أنه رئيس منتخب رسميًا. ورغم أن المنصب الرئاسي يفترض أن يتمتع بصلاحيات أوسع من منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، فإن الخبرة السياسية التي يتمتع بها لاريجاني، إلى جانب ثقة القيادة به، تمنحه أفضلية في مراكز صنع القرار.

ويُعد لاريجاني من الشخصيات السياسية المخضرمة في إيران، إذ شغل سابقًا منصب مستشار للمرشد الأعلى، وتولى قيادة المفاوضات النووية مع القوى الغربية قبل إقالته او استقالته من منصبه خلال رئاسة محمود أحمدي نجاد بسبب خلافات سياسية.
كما خاض الانتخابات الرئاسية ثلاث مرات دون أن يحقق الفوز، واستُبعد من السباق الانتخابي عامي 2021 و2024 عقب وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي.وفي 5 آ اوت ، جرى تعيينه رسميًا أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، ليعود إلى المنصب الذي شغله بين عامي 2005 و2007. ويُنظر إلى هذا الموقع باعتباره من أبرز مواقع التأثير في الدولة، حيث يُعد حلقة وصل أساسية في تنفيذ سياسات القيادة العليا.
أقرأ التالي
2026-01-21
مركب بلا ربّان
2026-03-03
قضية مكتب الضبط: هل ينجح العميد في اقناع عبير موسي بالتخلي عن خيار المقاطعة؟
2026-01-15
الولايات المتحدة الأمريكية وإيران
2026-01-22
في هرم الدّولة والسّلطان، وشيخوخة النّظام قبل الأوان
2026-01-24
السواحل التونسية على كفّ عفريت
زر الذهاب إلى الأعلى