«واشنطن بوست» تسرح 300 صحفي دفعة واحدة: الديمقراطية تموت في الظلام

بدأت صحيفة «واشنطن بوست» المملوكة للملياردير جيف بيزوس الأربعاء صرف مئات من صحفييها، في ما وصفه أحد العاملين السابقين في الصحيفة المتعثرة منذ سنوات بأنه «يوم أسود» لهذه المؤسسة الإعلامية الأمريكية العريقة.

وتأتي عمليات التسريح الجماعي التي طالت مختلف أقسام الصحيفة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

ولم يُكشف عن عدد الوظائف التي سيتم الاستغناء عن أصحابها، غير أن صحيفة «نيويورك تايمز» ذكرت أن عمليات الصرف ستطال نحو 300 صحفي من أصل 800.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

وتشمل عملية إعادة الهيكلة هذه «تخفيضات كبيرة في عدد الموظفين» في الصحيفة وتهدف إلى «تأمين» مستقبلها، وفق ما أوضح المدير التنفيذي لواشنطن بوست مات موراي الذي أقرّ بأن هذه الخطوة «صعبة لكنها ضرورية».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط، وفق ما أفاد أحدهم لوكالة فرانس برس، ومن بين هؤلاء، قالت ليزي جونسون: إنها طُردت أثناء تغطيتها للأحداث من الخطوط الأمامية في أوكرانيا، وكتبت على منصة إكس «أنا محطمة».

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.

ونددت نقابة «بوست غيلد» التي تمثل موظفي الصحيفة بهذه العملية، قائلة: «لا يمكن تجريد غرفة الأخبار من جوهرها من دون عواقب على صدقيتها وتأثيرها ومستقبلها».

وعبّر رئيس تحرير الصحيفة السابق مارتن بارون، وهو من الأسماء البارزة في الصحافة الأمريكية، عن أسفه لعمليات الصرف الجماعي. وكتب عبر فيسبوك «هذا أحد أحلك أيام تاريخ الصحيفة».

وانتقد بشدة «محاولات جيف بيزوس المقيتة» لكسب ودّ دونالد ترامب، معتبراً إياها «مثالاً واضحاً» على «التدمير الذاتي شبه الفوري لعلامة تجارية».

تعاني صحيفة «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ عام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية دونالد ترامب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيداً نسبياً بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترامب، على الرغم من أنها أيدت المرشحين الديمقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترامب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حالياً بـ245 مليار دولار وفقاً لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

4 نقاط تشرح “الزلزال”

تواجه صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية واحدة من أحلك المراحل في تاريخها الممتد لنحو 150 عاما، حيث أعلنت عن جولة تسريحات واسعة شملت ثلث قوتها العاملة، في خطوة وصفتها الأوساط الإعلامية بـ”الزلزال” الذي طال جوهر المؤسسة العريقة.

يأتي هذا القرار في ظل ضائقة مالية حادة وفشل إستراتيجيات التحول الرقمي في تحقيق الربحية المنشودة، مما وضع الصحيفة في مفارقة حادة مع منافسيها التقليديين.

1- هيكلة قاسية وتصريحات عاصفة

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز وموقعا أكسيوس وسيمافور إبلاغ رئيس التحرير التنفيذي لواشنطن بوست مات موراي الموظفين الأربعاء عبر اتصال مرئي، ببدء “إعادة ضبط إستراتيجية شاملة” تتضمن الاستغناء عن نحو 30% من إجمالي العاملين، من بينهم أكثر من 300 صحفي من أصل 800 في صالة التحرير.

وأوضح موراي أن هذه التقليصات ستؤدي إلى إغلاق القسم الرياضي وقسم الكتب، وتعليق بودكاست (Post Reports) اليومي، وتقليص البصمة الدولية للصحيفة بشكل كبير، لا سيما في الشرق الأوسط والهند وأستراليا.

وبرر موراي هذه الإجراءات القاسية بقوله إن المؤسسة خسرت مبالغ طائلة لفترة طويلة جدا ولم تعد تلبي احتياجات القراء، مؤكدا أن الهدف هو جعل الصحيفة “أكثر مرونة” وقدرة على الازدهار مجددا في مشهد إعلامي يزداد تعقيدا.

من جانبه، كان الناشر والرئيس التنفيذي ويل لويس قد حذّر في وقت سابق من أن الصحيفة فقدت نصف جمهورها في السنوات الأخيرة، مشددا على ضرورة تغيير التوجه الإستراتيجي لمواجهة خسائر بلغت نحو 177 مليون دولار خلال عامين.

تصميم عن فضيحة وترت غييت مع صورة الرئيس ريتشارد نيكسون - الموسوعة
تصميم عن فضيحة “ووترت غيت” مع صورة الرئيس ريتشارد نيكسون (الجزيرة)

2- تاريخ عريق وموقع ريادي مهدد

تأسست “واشنطن بوست” عام 1877، واكتسبت شهرة عالمية كصوت رقابي رائد، لا سيما بعد كشفها “فضيحة ووترغيت” في السبعينيات التي أطاحت بالرئيس ريتشارد نيكسون، ومشاركتها في نشر “أوراق البنتاغون“.

ومنذ أن اشتراها الملياردير جيف بيزوس عام 2013 مقابل 250 مليون دولار، شهدت الصحيفة عقدا من النمو المتسارع، حيث ضاعفت صالة تحريرها واستثمرت بكثافة في التقنيات الرقمية، مما جعلها تنافس “نيويورك تايمز” و”وول ستريت جورنال” على صدارة المشهد الصحفي الأمريكي.

إلا أن هذه المكانة باتت مهددة اليوم، فبينما كانت الصحيفة تُعرف بشعارها “الديمقراطية تموت في الظلام”، يرى مراقبون أن قرارات الإدارة الأخيرة، ومنها قرار بيزوس عدم تأييد أي مرشح في الانتخابات الرئاسية 2024، قد أضرت بعلامتها التجارية وأدت إلى نزيف في الاشتراكات والمواهب الصحفية.

نقابة الصحفيين انتقدت جيف بيزوس وقالت إن واشنطن بوست تستحق وصيا آخر غيره (رويترز)

3- فجوة منافسة تتسع

تضع هذه الأزمة “واشنطن بوست” في مقارنة صعبة مع منافستها التقليدية “نيويورك تايمز”، التي نجحت في بناء نموذج اشتراكات رقمي ضخم تجاوز 11 مليون مشترك، وهي في طريقها لتحقيق هدفها بالوصول إلى 15 مليون مشترك بحلول عام 2027.

وعلى عكس “البوست” التي تعاني من ثبات قاعدة مشتركيها عند 2.5 مليون، شهدت “نيويورك تايمز” و”وول ستريت جورنال” ازدهارا بفضل تنويع مصادر الدخل والمنتجات غير الإخبارية.

ويرى خبراء الإعلام، وفقا لأكسيوس، أن “واشنطن بوست” وقعت في فخ العصر الرقمي؛ وهو الحالة التي تجد فيها المؤسسة الصحفية نفسها تبذل جهدا مضاعفا للوصول إلى جمهور أكبر، بينما تتناقص أرباحها وقدرتها على التحكم في وصول محتواها للناس.

وأضاف الخبراء أن المشتركين في الصحف والمواقع الصحفية في العصر الرقمي يميلون للدفع لمنصة واحدة شاملة، وهو ما تفوقت فيه “نيويورك تايمز” و”وول ستريت جورنال” عبر تقديم محتوى متخصص وخدمات متنوعة، بينما بقيت “البوست” تعتمد بشكل كبير على الأخبار السياسية التي تراجع الاهتمام بها بعد رحيل إدارة ترامب الأولى، وتأثرت سلبا بتغييرات خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي التوليدي.

4- ردود الفعل: يوم مأساوي للصحافة

ووصفت نقابة صحفيي “واشنطن بوست” عمليات التسريح بأنها “مذبحة” ستحرم الجمهور من تقارير ميدانية قائمة على الحقائق في وقت تشتد فيه الحاجة إليها.

ووجهت النقابة انتقادات لبيزوس قائلة إنه “إذا لم يعد راغبا في الاستثمار في المهمة التي حددت هوية هذه الصحيفة لأجيال، وخدمة الملايين الذين يعتمدون على صحافتها، فإنها تستحق وصيا آخر يلتزم بذلك”.

وقال جيف شتاين، كبير مراسلي الشؤون الاقتصادية، إن هذا اليوم يمثل “نقطة انخفاض مؤلمة” في تاريخ الصحافة الأمريكية، معتبرا أن الصحفيين يدفعون ثمن أخطاء إدارية لم يرتكبوها.

ومن جانبه، اعتبر رئيس التحرير السابق، مارتي بارون، أن طموحات الصحيفة ستتضاءل بشكل حاد، مما يضعف قدرتها على أداء دورها الرقابي والمهني.

أخيرا، تظل “واشنطن بوست” اليوم أمام اختبار وجودي؛ فإما أن تنجح في “إعادة الضبط” والتحول إلى مؤسسة رشيقة قادرة على المنافسة في عصر الخوارزميات، أو أن تفقد هويتها كواحدة من أعظم المؤسسات الإخبارية في العالم، وسط تساؤلات حول مدى التزام مالكها جيف بيزوس بمهمة الصحيفة في ظل استمرار الخسائر المالية وتراجع التأثير.

زر الذهاب إلى الأعلى