نصف الليبيين توانسة

عند احتلال فرنسا لتونس سنة 1881، وقع حدث تاريخي غير مسبوق: هجرة جماعية ضخمة للتونسيين نحو ليبيا، وبالأخص إلى طرابلس، زليطن وخمس، هربًا من القمع الفرنسي والفقر الاقتصادي والسياسي الذي خلفه الاحتلال. الوثائق الرسمية العثمانية، وعلى رأسها الوثيقة رقم I. SD 74/4380 LEF 2 الصادرة عن مجلس شورى الدولة بتاريخ 24 فيفري 1885، تؤكد هذه الهجرة بشكل دقيق، حيث سجّلت أكثر من 250 ألف تونسي فقط ممن وصلوا خلال السنوات الأولى. وبالطبع، هذا الرقم هو الموثّق رسميًا فقط، ومن المنطقي جدًا أن يكون الرقم الفعلي للمهاجرين أكبر بكثير، ربما يصل إلى نصف مليون أو أكثر، نظرًا للعبور غير الرسمي واللجوء البعيد عن المراقبة الرسمية في وقت نفس المصادر تشير الى أن تعداد الليبيين كان تقريبا 800 ألف مواطن ما يجعل التونسيين هم تقريبا نصف المواطنيين في ليبيا
قبل هذه الهجرة، كان المجتمع الليبي مختلفًا تمامًا عن تونس من ناحية التحضر والتنظيم الحضري. معظم مدن ليبيا كانت مجرد قرى صغيرة، والبقية كانوا رحلًا متنقلين في الصحراء، وكانت المدن التي يمكن عدّها بأصابع اليد الواحدة. لا وجود لمفهوم المدن الكبرى أو التجمعات الحضرية المتقدمة كما هو موجود في تونس في تلك الفترة، حيث كانت مئات المدن الكبرى، الأسواق، الموانئ، والقصبات المتمدنة تهيمن على النسيج العمراني والثقافي.
عندما وصل التونسيون إلى ليبيا، لم يجلبوا معهم فقط أعدادهم البشرية، بل جلبوا معهم مفهوم التمدن والتحضر. التجمعات الحضرية في طرابلس وزليطن وخمس بدأت تأخذ شكلها المعاصر بفضل المهاجرين التونسيين الذين نقلوا أساليب العيش، الأسواق، البناء، الإدارة المحلية، وحتى طرق التجارة والتنظيم الاجتماعي، وهو أمر طبيعي جدًا إذا عرفنا أن تونس في تلك الفترة كانت دولة حضارية مقارنةً بمساحات ليبيا الشاسعة التي معظمها صحراء قاحلة ومدنها متباعدة جدًا.
الهجرة التونسية لم تؤثر فقط على التحضر العمراني، بل شكلت العمود الفقري الثقافي للمجتمع الليبي الحديث خاصة في الغرب والي فيه العاصمة طرابلس. الأطباق الليبية التقليدية، مثل الكسكسي، الهريسة، الدقوس، والمرق، هي أساسا أطباق تونسية واضحة. الفلكلور، الرقصات الشعبية، الأغاني، وحتى القفطان والبرنوس الليبي التقليدي، كلها انتقلت من تونس مع المهاجرين واندمجت في المجتمع الليبي. يعني أي تشابه بين ماهو ليبي وتونسي اليوم هو أمر طبيعي بحكم أن الاصل واحد وهو تونسي
الواقع اليوم يؤكد هذا التاريخ ، إذا نظرنا إلى المجتمع الليبي ، يمكن القول بدون مبالغة أن نصف السكان تقريبًا هم من أصول تونسية وأحفاد المهاجرين التونسيين الذين استقروا هنا قبل أكثر من 140 سنة. هذه الحقيقة واضحة في التركيبة العائلية
القبائل، والعادات اليومية، وحتى اللهجات في بعض المناطق.
ليبيا الحديثة، خاصة غربها، لم تشكّل نفسها بمعزل عن تونس، بل هي امتداد تاريخي وثقافي للتجربة التونسية، سواء في التحضر أو الثقافة الشعبية أو حتى في الأكل والفلكلور.
والليبي الي يدخل معك في نقاش هو وبنسبة كبيرة ممكن يكون أصله تونسي
المصادر التاريخية تؤكد هذا الواقع:
الوثيقة العثمانية الرسمية رقم I. SD 74/4380 LEF 2، مجلس شورى الدولة، 1885 (turkpress.co)
دراسة مجلة هيرودوت حول الهجرة التونسية إلى ليبيا 1881–1915 (asjp.cerist.dz)
تقديرات سكانية تاريخية لليبيا قبل الاحتلال الإيطالي (journals.ekb.eg)
باختصار، يمكن القول بشكل مباشر وحاد: ليبيا الغربية الحديثة، مع ثقافتها وحضارتها وأكلها وفلكلورها، ما هي إلا انعكاس مباشر للوجود التونسي الكبير فيها.
نصف الليبيين اليوم تقريبًا هم توانسة وأحفاد توانسة، والمجتمع الليبي الحديث لم يكن ليكون على هذا الشكل دون الهجرة التونسية بعد 1881.




