التملّق بوصفه أقدم مهنة في التاريخ
قراءة في لوحة سومرية
مع العودة القوية للتملّق بوصفه الرياضة الشعبية الأولى في تونس، نستحضر نصا عمره أكثر من أربعة آلاف عام يمثل وثيقة سومرية أصلية تثبت أن هذا السلوك قديم قدم الإنسان.

هي مقالة تصف «أيام الدراسة» في شكل موضوع إنشائي يبدأ بسؤال موجه الى طالب يدعوه إلى وصف نشاطه اليومي بالمدرسة، ويقول فيها الطالب: «كنت أستظهر لوحي، وآكل طعام غدائي وأهيئ لوحي الجديد لأكتبه وأكمله، ثم يعينون لي درسي الشفهي. وفي العصر يخصصون لي درسي المكتوب. وعندما تنصرف المدرسة أعود الى بيتي فأدخل الدار، وأجد أبى جالسا هناك فأطلع أبي على درسي المكتوب ثم أستظهر له لوحي. فيُسرّ أبي لذلك، وعندما أستيقظ في الصباح الباكر أواجه أمي وأقول لها: اعطيني طعام غذائي لأنني أريد الذهاب الى المدرسة فتزودني أمي برغيفين وعندئذ أشرع بالمسير إلى المدرسة. وفي المدرسة قال لي العريف: «لم أنت متأخر؟» ثم دخلت وأنا وجل خافق القلب في حضرة مدرسي، وحييته باحترام».
ويسترسل الكاتب في وصف يومه ذاك بالمدرسة وكيف تلقى الضرب بالعصا من أكثر من شخص واحد من أعضاء هيئة التدريس من أجل ما ارتكبه من هفوات، كالتكلم والقيام في الصف والخروج من باب المدرسة، وقد قال له المعلم: «إن خط يدك في الاستنساخ رديء غير مرض»، وضربه بالعصا من أجل ذلك إلى أن نفد صبر الصبي وأشار إلى أبيه بأن خير ما يفعله في هذا الشأن أن يدعو المدرس الى بيته ويسترضيه ببعض الهدايا، وهذه كما يؤكد علماء الآثار السومرية والحضارات القديمة أول حالة مُدونةٍ عن «التملّق» في تاريخ الإنسان.

تستمر القطعة الانشائية في وصف ما حدث بعد ذلك على هذا النحو: «لقد استمع الأب الى نصيحة ابنه التلميذ وجاء المدرس من المدرسة، وبعد أن دخل البيت أجلسه في أشرف مكان، وقام التلميذ على خدمته، وأخذ يستعيد أمام أبيه كل ما تعلمه من فن كتابة الألواح. ثم إن الأب قدم الخمر للمدرس وقدم له الطعام وكساه بحلة جديدة وأهداه هدية ووضع خاتما في إصبعه. وطابت نفس المعلم من هذا الاكرام وحسن الضيافة فأخذ يطمئن ذلك الناشئ الطامح بتعلم فن الكتابة، وقال له في لغة شعرية: «أيها الشاب، لأنك لم تهمل قولي ولم تنبذ إرشادي، عساك أن تبلغ القمة في فن الكاتب، وعسى أن تتقنه غاية الإتقان. ولعلك تكون القائد بين إخوتك وأن تصبح رئيسا على جميع أصدقائك، وليتك تبلغ أعلى الرتب بين طلاب المدرسة، حقا لقد أحسنت في إنجاز أعمال المدرسة كل الإحسان وأصبحت رجل علم!»
اكتشفت وثيقة «أيام الدراسة» التي تؤرخ لأول عملية تملق مدونة في تاريخ الإنسانية في إحدى الجامعات الأمريكية لأول مرة، وتوجد منها الآن نحو عشرين نسخة متفاوتة في حالاتها من حيث الكمال والحفظ، ثلاث عشرة نسخة في متحف الجامعة بفيلادلفيا، وسبع نسخ في متحف الشرق القديم بإسطنبول، ونسخة بمتحف «اللوفر» في باريس وقد نشرت في كتاب “من ألواح سومر” الذي ألفه عالم الآثار الأمريكي صامويل نوح والذي يُعد مصدراً هاماً لفهم أصول الحضارات ومساهمات السومريين في مختلف مجالات الحياة الإنسانية، وقد ترجمه إلى العربية طه باقر
