الولايات المتحدة الأمريكية وإيران

كيف قضت أمريكا على الديمقراطية في إيران

منذ العام 2000 أصبح من الممكن الاطلاع على وثائقَ صنفت فيما مضى بالغةَ السرية، فقد نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» في تلك السنة تقريرا مفصلا حول الدور الذي لعبته الولايات المتحدة الأمريكية عبر وكالة الاستخبارات المركزية في انقلاب 1953 بإيران، الانقلاب الذي يُعتبر فاصلة مهمة في تاريخ هذا البلد والذي يرى بعض المؤرخين أنه المسمارُ الأول في نعش الدولة العلمانية والذي لولاه لكان وضع العالم الحالي أفضل قليلا..

في البدء كانت وكالة الاستخبارات الأمريكية:

عندما أُنشئت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية المعروفة باسم CIA سنة 1947 كانت تحتاج عملية إثبات وجود ضخمة تختبر بها الولايات المتحدة الأمريكية فاعلية جهازها هذا الذي لم يكن رجال السياسة في البداية كما تشير بعض المصادر ينكرون صلتهم المباشرة به مثلما صار يحدث فيما بعد.

في تلك الفترة من تاريخ العالم الحديث لم تكن القطعُ على رقعة الشطرنج مختلفةً كثيرا عما هي عليه الآن: مصالحُ أمريكية تستهدف النفط في منطقة الشرق الأوسط وتحتاج حكومات “معتدلة” أو “أكثر تفهما” لضمان التوازنات الاستراتيجية الكبرى وإيجاد وضع مستقر يسمح في الآن نفسه لدول العالم الثالث بالنموّ ومقاومة التخلف وإنشاء كياناتها المستقلّة في رعاية قطبي الحرب الباردة وبمباركتهما.

في تلك الفترة من تاريخ القرن العشرين كان شبح القنبلتين الذريتين اللتين أُلقيتا في اليابان يخيّم على ضمير العالم، فقد نفضت الولايات المتحدة الأمريكية يديها من غبار الحرب العالمية الثانية ووضعت علامةَ النهاية على مرحلة كانت فيها الحروب التقليديةُ غيرَ فتاكة بالمعنى الذي فرضه العصر النووي، وبدأ عصرٌ جديد ستتخذ فيه الحروب شكلا آخر «استباقيا» لنزع فتائل المعارك قبل وقوعها وهو ما سيجعلُ العمل الاستخباراتي «نشاطا ساميا ونبيلا» لأنه في الحقيقة ومن وجهة نظر أمريكية «سعي لإنقاذ العالم من خطر نووي محتمل في صورة نشوب حرب أخرى» ” وستظلّ الولايات المتحدة الأمريكية تستخدم هذه الذريعة حتى بعد انهيار الخصم السوفياتي اللّدود وتفتت الإمبراطورية الشيوعية، فقد كان يكفيها فقط إيجادُ البديل وهو ما وجدته بسهولة في القوى الدينية المتشدّدة التي جعلت من معاداة الولايات المتحدة الأمريكية خلفيةً إيديولوجية لتغذية الشعور العام بأن هذا العالم فاسدٌ وفي حاجةٌ إلى تغيير، وهذه القوى تحتاجُ أيضا عدوًّا واضحَ الملامح لاستمرار وجودها خصوصا بعد تخلّي الحكومات الوطنية الجديدة عن الإرث التيوقراطي وتبنيها النهج العلماني.

محمد مصدق الخطر القادم على مهل

كيف قضت أمريكا على الديمقراطية في إيران
محمد مصدق، إيران

سنة 1951 نجح محمد مصدق الحائز على الدكتوراه من إحدى الجامعات السويسرية في إقناع البرلمان الإيراني بتأميم النفط بعد مساع استمرت أكثر من ست سنوات وكان مصدق قد عاد سنة 1944 إلى الحياة السياسة من واجهة البرلمان بعد فترة إبعاد، وجعل قرارُ التأميم شعبيتَه تتجاوز كل الحدود إذ اعتُبر ذلك تتويجا لقوّة سياسية شعبية هائلة بنيت على أساس قومي يُدرك خطورة سلاح النفط في المعارك القادمة. وكان قرارُ التأميم  الذي نفذته حكومة مصدق بنجاح الخطوةَ التي لم تكن تنتظرها الولايات المتحدة الأمريكية والتي دفعتها بسرعة إلى تغيير سياستها في المنطقة وإعطاء الاستخبارات زمام المبادرة خصوصا بعد تولّي أيزنهاور الحكم، وفي جويلية 1953 اتفقت بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية على تنفيذ عملية “تباجكس” « TPAJAX »   تحت قيادة كيريميت روزفلت (حفيد روزفلت) وهي العملية الأولى الناجحة في تاريخ وكالة الاستخبارات المركزية للتدخل في شؤون بلد آخر والإطاحة بحكومة وطنية لتنصيب أخرى موالية ترعى المصالح الأمريكية، ويُرجّحُ بعضُ الملاحظين أن يكون هذا هو الدافع الأساس لكتابة تقرير مفصل حول العملية أصبح فيما بعد وثيقةً بالغةَ السرية حتى إذا ما نُشرت أصبحت الدليلَ الدامغَ على دور أمريكا في الإطاحة بواحدة من أهم التجارب الديمقراطية في الشرق ممهدة السبـيل لقيام نظام سري استخباراتي سفّاك إلى الحدّ الذي جعل منظمة العفو الدولية تعتبر إيران سنة 1976 أكثر بلاد العالم قمعا ، ثلاث سنوات فقط قبل عودة آية الله الخميني وقيام الجمهورية الإسلامية الحالية.

كيف قضت أمريكا على الديمقراطية في إيران

عند تصفحنا تقرير “تاباجكس” خصوصا في قسمه الأول الذي يصف المراحل التحضيرية للانقلاب على الشرعية، نستطيع أنشاه إيران محمد رضا بهلوي نستخلص اليوم في ضوء التاريخ، الطابع الأسلوبي المميز للسياسة الأمريكية البريطانية في المنطقة، إذ تبدو بعض العناوينِ الواردة في المخطط الأول الذي صاغه استخباراتيون أمريكان وبريطانيون في قبرص قد تكرّرت لاحقا في مناطق أخرى من العالم بصيغ وأشكال مختلفة، فالسيناريو يبدأ أولا بتقديم دعم مالي للمعارضة ومحاولة اختراق المؤسسة العسكرية ثمّ محاولة الحصول على دعم من داخل الدولة القائمة وفي نموذج الحال دعا المخطط إلى الاستحواذ على دعامة الشاه وتوجيهها وفق غايات الخطة النهائية.

تبدأ الخطة حسب الوثيقة بزيارة يؤديها السفير هندرسون للشاه قصد إعلامه بأن بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية تدعمانه هو شخصيا ولا تقدمان أي دعم لمحمد مصدق، وأن الغايةَ الأساس من الخطة التي سيقترحانها عليه تهدف إلى ضمان استقلال إيران وإبعادها عن الخطر السوفياتي، أما قضية النفط فهي مسألة ثانوية سيقع التفاوض بشأنها لاحقا مع الحكومة الجديدة، و ينُصُّ البند الخامس بشكل صريح على أن محمد مصدق ينبغي أن يرحل، إذ ستطلب  الولايات المتحدة وبريطانيا من شاه إيران إبعادَ محمد مصدق عن السلطة بتسويق مزاعم تربط بين بقائه على رأس الحكومة وانقسام الدولة وتفككها وإقناعه بأن هذا المصير سيقوّض العرش الباهلاوي، كما توصي الوثيقة بمحاولة جعل الشاه يقترح من تلقاء نفسه فضل الله زهيدي العضو السابق في حكومة مصدق والذي عُرِف عنه حبُّه للولايات المتحدة الأمريكية وقد ضمنت الاستخبارات ولاءه واندفاعه في مغامرة الانقلاب بقرض مالي هام.

فضل الله زهيدي
فضل الله زهيدي

بقليل من التعثر الناجم عن مفاجآت غير متوقعة خصوصا في مستوى ولاء المعارضة الإيرانية، نجحت الخطة الأمريكية البريطانية في الإطاحة بالزعيم الشعبي محمد مصدق. بدأت الأيام العصيبة في إيران عندما توجه نورمان شوارزكوف (والد قائد القوات الأمريكية في حرب الخليج) إلى قصر الشاه للحصول على توقيعه على فرمانات تقضي بفصل مصدق وتعيين زهيدي وضمان ولاء الجيش للشاه. وأمام تردّد الشاه وتزايد حدّة الحرب النفسية وانقسام الشارع الإيراني بدأت أعمال الشغب والفوضى ونزل الجيش إلى الساحات العامة وحدث ما يحدث عادة عند انخرام الأمن، حتى تمكنت القوات الموالية للشاه من السيطرة على الوضع بدعم مباشر من العملاء البريطانيين والأمريكان وقادت زهيدي على ظهر دبابة إلى مقر الإذاعة ليبث رسالته الأولى بينما كان أنصاره يقوضون منزل رئيس الوزراء المخلوع محمد مصدق.

أمريكا الكتاب الأسود

بيتر سكاون الصحفي الأمريكي الذي خصص الفصل الثامن من كتابه “أمريكا الكتاب الأسود” والذي أفـــدْنا منه في عرض حيثيات الانقلاب الشهير في إيران، نَقَـل وصفًا لأجواء الفرح والابتهاج في وكالة الاستخبارات المركزية بعد نجاحها في الإطاحة بمحمد مصدق وقول أحد المحتفلين: “كان يوما يجب أن لا ينتهي لأنه حمل معه الإحساس بالإثارة والرضا والابتهاج وأشك في أننا سنعيش يوما آخر مثله”. أشار أيضا إلى أن حياة إيران السياسية منذ 1953 كانت من ابتكار الحكومة الأمريكية وليس من إبداع الشعب الإيراني وهو ما يبرّر العداء الصريح والمباشر لأمريكا في مرحلة ما بعد الشاه وكيف أصبحت الجمهورية الإسلامية ردّة فعل طبيعية إزاء تحريف المسار الديمقراطي والاعتداء الأهوج على منطق حق الشعوب في تقرير مصيرها وهو الأمر الذي اعترفت به الولايات المتحدة الأمريكية لاحقا وصاغته مادلين ألبرايت بقولها: اعتقدت إدارة آيزنهاور أن أفعالها برّرتها أسباب استراتيجية، إلا أن الانقلاب كان على ما يبدو نكسة على تطور إيران السياسي.
عامر بوعزة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى