في ذكرى حرب اكتوبر 1973: حكايات الغريب
"و أقر على مسئوليتي أن السائق عبدالرحمن أو اي كان إسمه قد منحنا شرفاً أرجو أن نستحقه"

.
حكايات الغريب من إنتاج عام 1992، التأليف للأديب الكبير الراحل جمال الغيطاني، سيناريو وحوار محمد حلمي هلال، ومن إخراج إنعام محمد علي
في بطولة الفيلم لم يستعن صُنَّاعه بنجوم شباك وإيرادات، وإنما قدموا فنانين ذوي إجادة وحضور وتمكن، فالبطولة هنا كانت من نصيب محمود الجندي (في دور عبد الرحمن أو الغريب)، شريف منير، المطرب محمد منير، الفنان الكبير مدحت مرسي وغيرهم من النجوم

جمال الغيطاني الأديب الكبير، والذي كانت له تجربة صحفية مؤثرة وإنسانية كبيرة، حيث عمل كمراسل حربي على جبهات القتال منذ عام 1969 وحتى 1974. حيث عاصر فترات الاستنزاف والنصر وما بينهم.
كان شاهد على وقائع وحكايات كتير في هذه الأجواء، وبلورها في عديد من أعماله، لكن يظل حكايات الغريب ومعادله الفني البصري (الفيلم) هو أفضل ما صنع.
حكايات الغريب ببساطة بيحكي قصة الإنسان المصري، وتحديدًا جيل الشباب الذي عاصر تحولات ثورة يوليو 1952 وما تلاها من نكسة 1967، وأثر ذلك عليه، ثم نصر أكتوبر 1973 وتغير البنية النفسية والاجتماعية للمصريين، باختلاف فئاتهم وطوائفهم، طموحاتهم وأحلامهم، حاضرهم ومستقبلهم .. كل ده من خلال أبطال العمل الذين كانوا شهودًا على كل الأحداث!!

عبد الرحمن (محمود الجندي) .. سائق يعمل في إحدى المؤسسات الصحفية القومية، ومهمته كانت توصيل الجرائد والكتب لمدينة السويس وقت الحرب، وأثناء قيامه بهذا الدور، يختفي ولا يظهر بعدها!!
على إثر ذلك ترسل المؤسسة الصحفية تلك موظفين لتقصي سبب غياب عبد الرحمن، والعثور على العهدة التي معه (السيارة وما بها من أشياء) .. ويبدأ البحث من أول بيته الذي يسكن فيه بالقاهرة، وحتى السويس!
يشترك معهم في البحث أصدقاء عبد الرحمن نفسه، وينقلنا الفيلم إلى أجواء السويس ما بعد الحرب، تفاصيل الأماكن، والهدم الذي طال المدينة جراء الحرب والحصار (أكتوبر 1973)
كانت المفاجأة أن كل الناس كانت تعرف عبد الرحمن (الغريب) عندما تشاهد صورته، لكن باسم مختلف، عديد من الأسماء، وعديد من الأدوار، يذكرون بطولاته وأمجاده، ودوره في مقاومة المحتل، ومساعدة المحتاج، ونصرة الضعيف! حتى أضحى “الغريب” مجرد رمز أو أسطورة للإنسان المصري الصلب الخير، الذي يقاوم ويكافح ويقف في وجه الشدائد ويواجهها!
في خط درامي آخر نجد أن بعثة التقصي من المؤسسة والتي ذهبت لتبحث عن الموظف والعهدة التي معه، وهمها الرئيس هو السيارة والعهدة، قد بدأت تتأثر وتدرك أن الموضوع أكبر من مجرد سائق ذهب ولم يعد، وإن هو رمز لبطل شعبي يمثل معدن شعب بأكمله .. نموذج لهذه الإرادة الكبيرة في العيش والمقاومة!
عبد الرحمن أو الغريب أو زخاري (كما ناشدوا في نهاية الفيلم) .. أيًا كان اسمه .. ومعه رفاقه هم عبارة عن جيل الشباب المصري الذي انكسر مع النكسة، واستفاق بعدها ليحدث النصر، مقاومًا المحتل الخارجي بكل بسالة، لكنه بعد ذلك، يجد نفسه مرة أخرى يقاوم محتلاً آخر .. محتل داخلي إن جاز التعبير!!
محتل داخلي متمثل في الفساد والبيروقراطية المستشرية، والتي تحتاج إلى كل “غريب” كي تقاومه بنفس المعدن الأصيل الذي يظهر وقت الشدائد!
في الفيلم ظهر المحتل الداخلي مجسدًا في شخصية شفيق (حسين الإمام)، رمز الفساد، والتغول على قوت المستضعفين والغلابة!
إنعام محمد علي مخرجة متمكنة، صاحب أداء واقعي متوازن، لا نجد بهرجة أو أفورة فيما تقدمه، ولا نقلات في الكادرات أو السيناريو تخل بالسياق أو تُحدث مفاجآت، فقط سرد واقعي جميل، بتحكي حدوتة اجتماعية واقعية بها الكثير من الشجن والأمل واللمحات .. وعديد من الرمزيات البسيطة .. كل ده في بصمة إخراجية شجية ورسالة كبيرة يشوبها الأمل!
موسيقى ياسر عبد الرحمن في العمل عاملة جو بديع، حالة تغلف أجواء الإنكسار والفقد والمقاومة .. والبحث عن أمل فيما هو آت!
أجمل ما في العمل نهايته .. حيث أنه وبنهاية التقصي من بعثة الـ 2 موظفين، أحدهما يقول أننا انهينا البحث ولم نعثر على السيارة أو العهدة!
أما الموظف الآخر طايل المصري (وخد بالك من رمزية الاسم) وقام بدوره الفنان الكبير مدحت مرسي، فقد ذهب إلى ما وراء البحث عن عهدة أو سيارة، ذهب إلى البحث عن الإنسان المصري نفسه، البحث عن عبد الرحمن أو الغريب .. وأنهى تقريره بجملة في منتهى البدع والجمال كانت هي كادر الختام:
“وأقرر على مسؤوليتي أن السائق عبد الرحمن أو أيًّ كان اسمه، قد منحنا شرفًا أرجو أن نستحقه”
فيلم عظيم .. من درر الفن المصري، وروائع إنتاجات التليفزيون المصري الرائد، في عهد المنتج الفني الكبير الراحل ممدوح الليثي
رابط الفيلم
