زهران ممداني يفوز برئاسة بلدية عاصمة العالم

لو كان تونسيا لكان في المرناقية

بعد  وصول زهران ممداني لقيادة مدينة نيويورك الأكبر في الولايات المتحدة الأمريكية من حيث عدد السكان بفوز كاسح فجر الأوساط العالمية، برزت عدة تساؤلات حول صلاحيات عمدة المدينة ومدى تأثيره داخليا وخارجيا وخاصة بعد الهجوم العنيف الذي تعرض له من المعسكر الجمهوري بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وبفوز كاسح تغلب ممداني، البالغ من العمر 34 عامًا، على المرشح الجمهوري كورتيس سليوا والمرشح المستقل أندرو كومو، موجّهًا ضربة قوية لمسيرة كومو السياسية التي امتدت لعقود في نيويورك، ليكون بذلك أول مسلم يقود المدينة، مُرسّخًا الصعود الصاروخي لهذا الاشتراكي الديمقراطي في قلب الرأسمالية العالمية.

وفي السياق، تساءل الكاتب الأمريكي الشهير روس باركان قبل أيام عما سيحدث في نيويورك حال فوز ممداني، مرجحا أن يفتح ذلك آفاقا جديدة لحكم التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي وأن يمثل اختبارا صعبا لليسار الأمريكي.

وتوقع باركان -في مقال بصحيفة نيويورك تايمز- أن ممداني سيكون، بلا شك، أقوى سياسي يساري في أمريكا إذا فاز بمنصب عمدة نيويورك، إذ سيكون مسؤولا عن أكبر قوة شرطة في أميركا، وعن أكبر منظومة تعليمية في البلاد، وعن ميزانية بلدية تجاوزت 110 مليارات دولار.

منصب مربك
وبحسب الكاتب، سيكون ممداني المسؤول الأول في أكبر مدينة أمريكية، وهي في غاية التنوع عرقيا ودينيا وإثنيا واجتماعيا وسياسيا، وهو أمر أربك العديد ممن تولوا منصب العمدة في مدينة شهدت قبل أقل من عام تحولًا ملحوظًا نحو التصويت للرئيس الجمهوري.

وعمدة نيويورك هو رئيس السلطة التنفيذية للحكومة في المدينة، حيث يدير هذا المكتب جميع خدمات المدينة من الممتلكات العامة والشرطة والحماية المدنية، ومعظم المؤسسات العامة في هذه المدينة، ويفرض كل قوانين المدينة والولاية والحكومة الاتحادية في مدينة نيويورك.

الميزانية التي يشرف عليها مكتب رئيس البلدية هي أكبر ميزانية بلدية في الولايات المتحدة، حيث توظف هذه المدينة 325,000 من الناس، وتنفق نحو 21 مليار دولار لتثقيف أكثر من 1.1 مليون طالب وطالبة (أكبر نظام المدارس العامة في الولايات المتحدة)، تجني أكثر من 27 مليار دولار من الضرائب، وتتلقى 14 مليار دولار من حكومات الولايات والحكومة الفدرالية.

يقع مكتب رئيس البلدية في قاعة مدينة نيويورك؛ ولها ولاية قضائية على جميع الأقسام الإدارية الخمسة لمدينة نيويورك: مانهاتن وبروكلين وبرونكس وجزيرة ستاتن وكوينز.

رئيس البلدية يعين عددًا كبيرًا من المسؤولين، بمن فيهم أعضاء اللجنة الذين يترأسون إدارات المدينة، ونائب رئيس بلدية. للبلدية قانون يسيرها يتكون من 43 بندًا وهو القانون الأساسي لمدينة نيويورك.

يشار إلى أن عمدة المدينة السابق هو الديمقراطي إريك آدامز وتم انتخابه ليشغل المنصب في الثاني من نوفمبر 2021.

النواب
ويحق لعمدة نيويورك تعيين العديد من نواب رؤساء البلديات للمساعدة في الإشراف على المكاتب الرئيسية داخل الفرع التنفيذي لحكومة المدينة، حيث لم يتم تحديد الصلاحيات والواجبات، وحتى عدد نواب رؤساء البلديات، في ميثاق المدينة.

تم إنشاء هذا المنصب بوساطة Fiorello La Guardia (الذي عين Grover Whalen نائبًا لرئيس البلدية) للتعامل مع الأحداث الاحتفالية التي كان رئيس البلدية مشغولًا جدًا بحضورها. ومنذ ذلك الحين، تم تعيين نواب رؤساء البلديات مع تحديد مجالات مسؤوليتهم من قبل رئيس البلدية المعين. يوجد حاليًا خمسة نواب رؤساء بلديات، وجميعهم يتبعون رئيس البلدية مباشرة.

غالبية مفوضي الوكالات ورؤساء الأقسام يتبعون أحد نواب العمدة، ما يمنح الدور قدرًا كبيرًا من السلطة داخل إدارة البلدية.

ولا يحق لنواب رؤساء البلديات تولي منصب رئاسة البلدية في حال خلو المنصب أو عدم أهليته. (ترتيب الخلافة هو المحامي العام لمدينة نيويورك، ثم المراقب المالي لمدينة نيويورك).

زهران ممداني.. المرشح الذي أشعل انتخابات نيويورك!

فاجأ زهران ممداني المشهد السياسي الأميركي بفوزه في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لبلدية نيويورك، متفوِقا على الحاكم السابق أندرو كومو، بعد حصوله على نسبة قاربت 56% من الأصوات.

لم يكن هذا الفوز مجرد انتصار انتخابي عابر، بل تحول إلى لحظة رمزية تعبر عن توق سكان المدينة إلى تغيير ملموس في حياتهم اليومية، بعد سنوات من التفاوت الاقتصادي وضغط المعيشة وغلاء السكن.

ومع حلول الانتخابات العامة المقررة في 4 نوفمبر يتحول ممداني إلى اختبار حقيقي: هل يستطيع مرشح من أصول مهاجرة أن يعيد صياغة العلاقة بين السلطة المحلية والمجتمع في أكبر مدن أميركا؟

تقدَم ممداني بخطة إنقاذ اجتماعي شاملة، تشمل تجميد الإيجارات في المساكن المستقرة، وتوسيع النقل العام المجاني عبر الحافلات، وإنشاء متاجر بلدية تبيع بأسعار الجملة للحد من الغلاء، إضافة إلى رعاية مجانية للأطفال حتى سن الخامسة

يحمل ممداني دلالات إنسانية وثقافية متعددة؛ فهو مسلم من أصول أوغندية-هندية مهاجرة، يمثل صورة المدينة متعددة الأعراق والهويات. لكنه في الوقت ذاته أصبح هدفا لهجمات إعلامية من خصومه المحافظين، الذين يرونه تهديدا للمنظومة التقليدية التي حكمت نيويورك لعقود. غير أن التحدي الأكبر أمامه لا يأتي من الخارج فقط، بل من الواقع الاجتماعي الداخلي للمدينة ذاتها.

فنيويورك، التي توصف بأنها «عاصمة العالم»، تخفي وراء أبراجها الزجاجية أحياء فقيرة تمتد في برونكس وبروكلين وكوينز، حيث تعيش مئات الآلاف من العائلات في مساكن ضيقة، وتكافح لتأمين الحد الأدنى من المعيشة.

وفي الوقت الذي تزدحم فيه مانهاتن بالثروات الفلكية والمكاتب الفارهة، تتكدس في أطراف المدينة فئات أنهكها الإيجار والضرائب وغلاء الخدمات.

هذا التفاوت الصارخ بين القلة الثرية والأغلبية المثقلة بأعباء الحياة هو ما يفسر تحول النقاش العام في نيويورك من السياسة إلى المعيشة، ومن الأيديولوجيا إلى الكرامة اليومية؛ فعدد الأثرياء تضاعف خلال العقد الأخير، بينما تقلصت الطبقة المتوسطة، وتراجع الأمن السكني لمئات الآلاف.. وباتت العدالة الاجتماعية مطلبا واقعيا لا شعارا سياسيا.

إعلان
في هذا السياق، تقدَم ممداني بخطة إنقاذ اجتماعي شاملة، تشمل تجميد الإيجارات في المساكن المستقرة، وتوسيع النقل العام المجاني عبر الحافلات، وإنشاء متاجر بلدية تبيع بأسعار الجملة للحد من الغلاء، إضافة إلى رعاية مجانية للأطفال حتى سن الخامسة.

هذه المقترحات ليست صدى لأيديولوجيا اشتراكية، بل هي رد طبيعي على أزمة معيشية مزمنة؛ فهي تعبر عن حاجة سكان المدينة إلى حلول عاجلة تحفظ كرامتهم في مواجهة اقتصاد لا يرحم، ومدينة تتسع للفنادق الفخمة أكثر مما تتسع للأسر محدودة الدخل.

في حال إقدام الرئيس ترامب فعلا على استخدام الجيش للتدخل في العملية الانتخابية أو لإلغاء نتائجها، فسيكون ذلك إعلانا فعليا لانتهاء العصر الديمقراطي الأميركي الذي امتد قرنين من الزمن

لكن هذا الخطاب المعيشي الواقعي اصطدم بجبهات أخرى؛ فداخل الجالية اليهودية- وهي الكبرى في العالم خارج إسرائيل- تفجَر انقسام حاد حول مواقفه من الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي؛ إذ يتهمه التيار المحافظ بعداء إسرائيل؛ بسبب دعمه لحركة المقاطعة (BDS)، بينما يرى فيه الجيل اليهودي الشاب نموذجا أخلاقيا لسياسي يدعو إلى العدالة في الداخل والخارج على حد سواء.

هذا الانقسام جعل حملته محك اختبار نادر بين القيم المدنية والمواقف الدولية في مدينة ذات حساسية دينية وثقافية عالية.

وفي الوقت نفسه، دخل البيت الأبيض على الخط؛ فقد صعَد الرئيس دونالد ترامب هجومه عليه منذ جويلية  الماضي، وهدد علنا بقطع التمويل الفدرالي عن نيويورك إن فاز ممداني، ثم تطور التوتر في أواخر أكتوبر/  عندما لوحت الإدارة الفدرالية بإمكانية نشر الحرس الوطني في المدينة بذريعة «الحفاظ على الأمن الانتخابي».

ورد مجلس مدينة نيويورك على ذلك ببيان اعتبر الخطوة تهديدا للسيادة المحلية، مؤكدا أن وجود القوات الاتحادية غير مقبول داخل المدينة.

وهكذا تحول السباق البلدي إلى مواجهة سياسية غير مسبوقة بين سلطة المدينة والسلطة الفدرالية، ما قد يخلق أزمة دستورية مصغرة إذا مضت واشنطن في هذا الاتجاه.

وفي حال إقدام الرئيس ترامب فعلا على استخدام الجيش للتدخل في العملية الانتخابية أو لإلغاء نتائجها، فسيكون ذلك إعلانا فعليا لانتهاء العصر الديمقراطي الأميركي الذي امتد قرنين من الزمن.

مثل هذا السيناريو لن يقرأ كحادث محلي، بل كتحول بنيوي ينذر بانفراط عقد النظام الفدرالي، إذ لن تقبل الولايات الكبرى ككاليفورنيا ونيويورك بتسلط عسكري مركزي. والأقرب- إن حدث ذلك- أن تدخل البلاد مرحلة فوضى سياسية واجتماعية تهدد بتفكك الاتحاد نفسه، لتطوي الإمبراطورية الأميركية بذلك آخر فصولها التاريخية.

انتشرت في الجامعات الأميركية موجة احتجاجات واعتصامات تطالب بوقف الحرب وقطع الإمدادات العسكرية، وقد تبنى ممداني هذا الموقف الأخلاقي في حملته، مؤكدا أن «العدالة لا تتجزأ، ومن يطالب بها في نيويورك لا يمكن أن يتجاهلها في غزة»

المستجدات الأخيرة تظهر أن السباق يزداد اشتعالا؛ فقد أعلنت جمعية United Bodegas of America، التي تمثل آلاف المحلات الصغيرة في المدينة، دعمها المفاجئ لزهران ممداني بعد سنوات من معارضته، في خطوة وصفت بأنها «تحول في المزاج التجاري للطبقة العاملة».

وفي المقابل، نشر موقعا Fox 5 NY وBloomberg استطلاعات رأي جديدة تظهر تراجع تقدم ممداني قليلا أمام أندرو كومو، مع احتفاظه بالمركز الأول بفارق محدود.

كما كشفت صحيفة New York Post عن إحالة رسمية إلى وزارة العدل الأميركية تتعلق باتهامات بتلقي حملته تبرعات أجنبية غير قانونية، وهو تطور قد يستغل سياسيا في اللحظات الأخيرة من السباق، حتى لو لم تثبت التهمة.. هذه العناصر الجديدة تعيد رسم المشهد الانتخابي وتزيد من ضبابية الأيام الأخيرة قبل الاقتراع.

وفي خلفية هذا المشهد المحلي المضطرب، تتفاعل الحرب على غزة بوصفها قضية أخلاقية تهز الوعي الأميركي، خصوصا لدى الجيل الشاب.

فمنذ اندلاع الحرب في أكتوبر  2023، انقسم الرأي العام الأميركي بحدة، لكن استطلاعات الرأي أظهرت أن أكثر من نصف الشباب دون الثلاثين يعتبرون أن إسرائيل تستخدم قوة مفرطة في غزة، وأن دعم واشنطن غير المشروط لها لم يعد مبرَرا.

انتشرت في الجامعات الأميركية موجة احتجاجات واعتصامات تطالب بوقف الحرب وقطع الإمدادات العسكرية، وقد تبنى ممداني هذا الموقف الأخلاقي في حملته، مؤكدا أن «العدالة لا تتجزأ، ومن يطالب بها في نيويورك لا يمكن أن يتجاهلها في غزة». هذا التصريح لاقى صدى واسعا بين الشباب، لكنه أثار في المقابل غضب التيارات الموالية لإسرائيل، ما أضفى بعدا دوليا على حملته المحلية.

وفي حال دخلت الولايات المتحدة في دوامة كهذه، فلن يقتصر أثرها على الداخل الأميركي وحده، بل سيهز بنية النظام الدولي بأكمله. فواشنطن هي العمود الفقري المالي والعسكري للعالم الغربي، وأي انهيار في تماسكها الداخلي سيؤدي إلى تراجع الثقة بالدولار، وإلى فراغ في مراكز القرار العالمية، وسيفتح الباب أمام قوى صاعدة مثل الصين، وروسيا، والهند لإعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية والسياسية على مستوى الكوكب، إيذانا بنهاية مرحلة الهيمنة الأميركية التي بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

مهما تكن النتيجة، فستبقى نيويورك اليوم مرآة صافية لما تعيشه الولايات المتحدة: انقسام اجتماعي متفاقم، وضغط معيشي خانق، وحنين عميق إلى العدالة والإنصاف في زمن يشهد تنازع القيم والمال

إن زهران ممداني طوفان سياسي أعاد تشكيل النمط الأميركي المغلق، وجعل الانتخابات الأميركية للمرة الأولى تخرج عن كونها حكرا على البيض.

ومن ناحية أخرى، غير طوفان الأقصى بعمق وجهة الوعي العالمي تجاه القضية الفلسطينية. ومع هذين الطوفانين اهتزت أسس النظام القديم من الداخل والخارج معا.

عامر بوعزة: لو كان زهران  تونسيا  لكان في المرناقية أو في برج الرومي..

الصحافي التونسي عامر بوعزة نشر تدوينة معبرة قال فيها ” العجب كل العجب من هذا الشعب الذي يصفق ويبتهج لديمقراطية الآخرين، وعندما تحدثه عن ضرورة إحداث تغيير سياسي ما في مجتمعه يقول لك:

ياخي شكون بش يشدها؟!

واضاف “لو كان زهران تونسيا لكان سجينا في المرناقية او برج الرومي”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى