ترامب يغدق بالثناء
بدا التناغم جليّاً منذ اللحظة التي بدأ فيها الرجلان حديثهما مع الصحافة.
وبعد لقاءٍ خاص، وقف ممداني على يمين ترامب مُصافحاً يديه، بينما كان الرئيس يجلس خلف مكتبه.
كانت لغة جسدهما مُريحة، وخاصة من جانب ترامب.
لم يكتفِ ترامب بالامتناع عن مهاجمة ممداني، بل أشاد به أكثر من مرة.
وأعرب الرئيس عن أمله في أن يكون ممداني “عمدة عظيماً”.
وأضاف ترامب بعد ذلك أنه “واثق من قدرته على القيام بعملٍ ممتاز”.
تجاهل الأسئلة حول الجهاد والفاشية

صدر الصورة،GETTY IMAGES
يشترك ممداني وترامب في شيء واحد: كلاهما من سكان نيويورك، وكلاهما اتخذ من كوينز موطناً له.
يقع منزل طفولة ترامب في حي جامايكا إستيتس، بينما يقيم ممداني حالياً في أستوريا.
قال ممداني إنهما كانا يتشاركان حب المدينة.
ورغم أن ترامب أصبح في الفترة الأخيرة نادراً ما يقضي وقتاً في ناطحة سحاب مانهاتن التي تحمل اسمه، إلا أنه تحدث بحنين عن مسقط رأسه طوال المؤتمر الصحفي.
وقال ترامب: “قد تكون هذه المدينة مذهلة – لو استطاع أن يحقق نجاحاً باهراً فسأكون سعيداً جداً”.
وفي لحظة ما، أشار الرئيس إلى أنه لو كان في حياة سياسية مختلفة، لكان يتمنى أن يصبح عمدة نيويورك بنفسه.
ربما كان أحد أسباب التوافق بين الرجلين الجمعة، هو تركيزهما المشترك على قضايا غلاء المعيشة.
أُعيد انتخاب ترامب العام الماضي بعد أن هاجم بشدة قضية ارتفاع التضخم التي أثارت استياء الناخبين في عام 2024. ومع تزايد قلق المستهلكين بشأن تكلفة المواد الغذائية والسكن وغيرها من الضروريات، حاول ترامب إيصال رسالة استقرار اقتصادي.
وخلال حملته الانتخابية في مدينة نيويورك، ركز ممداني بشدة على نقص المساكن ذات الأسعار المعقولة، واقترح تجميد زيادات الإيجار على بعض الشقق ذات الإيجار الثابت، من بين مبادرات أخرى.
وقال ممداني إنه وترامب ناقشا كيفية “توفير القدرة على تحمل التكاليف لسكان نيويورك”.
وكلما طُرح عليه سؤال حول اختلاف وجهات نظرهما، أعاد العمدة المنتخب الحديث إلى هذا الموضوع.
وفي رده على سؤال حول اختلاف وجهات نظرهما حول تحقيق السلام في الشرق الأوسط، أجاب ممداني أن ناخبي ترامب أعربوا له عن رغبتهم في “إنهاء الحروب الدائمة” وأن يعالج قادتهم “أزمة غلاء المعيشة”.
وفيما يتعلق بإنفاذ القانون والهجرة، بدا أنهما وجدا أرضية مشتركة. وقال ممداني إنه وترامب ناقشا عمليات إنفاذ قوانين الهجرة الفيدرالية في نيويورك، ونقل إليه مخاوف السكان بشأن كيفية إجرائها.
لكن ترامب قال إنهما ناقشا الجريمة أكثر من الهجرة.
وقال الرئيس: “هو لا يريد أن يرى جريمة، وأنا لا أريد أن أرى جريمة”.
وأضاف ترامب أنه ليس لديه أدنى شك بأنهما سيتفقان في هذه القضية، بل قال أيضاً أنه سيشعر بالأمان في نيويورك بقيادة ممداني.
هل الأمر تعقيد لاستراتيجية الجمهوريين؟
قد تجعل العلاقة الودية التي ظهرت الجمعة، استخدام السياسي الذي يصف نفسه بالاشتراكي الديمقراطي كفزّاعة في انتخابات منتصف عام 2026 أمراً صعباً على الجمهوريين، وهي الانتخابات التي ستحدد من سيسيطر على الكونغرس الأمريكي.
وفي الانتخابات التي جرت في وقت سابق من هذا الشهر، عانى الجمهوريون، بينما فاز الديمقراطيون في سباقاتٍ رئيسية. من غير الواضح ما إذا كان هذا التوجه سيستمر.
وكان لدى الجمهوريين خطط لجعل ممداني واجهة للحزب الديمقراطي، وفقاً لموقع أكسيوس الأمريكي.
وشملت هذه الخطط تصويره على أنه مناهضٌ للشرطة، ومناهضٌ للرأسمالية، ومناهضٌ لإسرائيل، في محاولةٍ لمنح الجمهوريين أفضلية في السباقات الرئيسية.
لكن صداقة المكتب البيضاوي قد تُقوّض هذه الاستراتيجية.
وأشاد الرئيس الأمريكي بممداني، وقال إنه يعتقد أن العمدة الجديد “سيُفاجئ بعض المحافظين”.
تحوّل لقاء كان يُفترض أن يكون حلبة صراع بين الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وعمدة نيويورك المنتخب زهران ممداني، الاشتراكي الديمقراطي، إلى جلسة إطراء متبادل في المكتب البيضاوي يوم الجمعة، وفق تقرير لصحيفة “التايمز” البريطانية.
وبعد اللقاء “الودّي”، كان السؤال الأكثر تداولاً على الإنترنت هو: “هل أصبح ممداني جمهورياً”؟ إذ قبل أسابيع فقط، كان ترامب يصف عمدة نيويورك بـ”الشيوعي”، بينما كان الأخير يتباهى بأنه سيكون “أسوأ كابوس” للرئيس.
لكن في المكتب البيضاوي اختفى كل ذلك، إذ قال ترامب: “اتفقنا على أكثر بكثير مما كنت أتوقع”، مضيفاً أنه سيمنح ممداني “مساعدة كبيرة” وليس أذى، وأنه يعتقد أن العمدة الجديد “قادر على القيام بأمور ستكون رائعة حقاً”. بل ذهب ترامب إلى حد القول إنه سيشعر بالراحة في العيش في نيويورك تحت قيادة ممداني، وهو الذي كان يهدد قبل أشهر بأن المدينة ستُدمَّر.
سؤال مباغت عن “فاشية ترامب” يُربك ممداني.. كيف أجاب؟ (فيديو)
وحتى عندما سُئل عن وصف حليفته إليز ستيفانيك لممداني بـ”الجهادي”، رد ترامب ببساطة: “هو شخص عاقل”، كما دافع عن ممداني حين هاجمه صحفي بسبب ركوبه الطائرة بدلاً من القطار، وهي تهمة بيئية كان الجمهوريون يستخدمونها ضد اليسار عادة.
سر الدفء “المفاجئ”
وفق تقرير “التايمز”، فإن السر وراء هذا الدفء المفاجئ هو أن ترامب يُعجب دائماً بالفائزين، مهما كانت إيديولوجيتهم، إذ قال حرفياً إن ممداني يحظى باهتمام إعلامي أكبر من معظم قادة العالم الذين زاروا مكتبه.
لكن كثيرين في اليسار الأمريكي يرون في هذا اللقاء “فخّاً ذكياً”، بإسباغ ترامب كل هذا الثناء على ممداني، ووضعه في موقف حرج أمام قاعدته التقدمية التي قضت الحملة بأكملها في وصْف الرئيس الأمريكي بـ”الفاشي”.
وممداني نفسه بدا منزعجاً أحياناً، وحين سأله صحفي مباشرة “هل ترامب فاشي؟”، ابتسم قبل أن يتدخل ترامب مازحاً: “قل نعم فقط”.
في الجانب الآخر، يُسبب هذا التقارب صداعاً للجمهوريين المتشددين، فبعض قادة “ماغا” يرون في ممداني “بعبعاً شيوعياً” مثالياً لتعبئة الناخبين في الانتخابات النصفية، كما يخشون أن يُضعف ترامب هذا السلاح بتحويله إلى “صديق محتمل”.
وتعتقد “التايمز” أن هذا اللقاء الدافئ قد يكون “أذكى ضربة سياسية لترامب منذ عودته” إلى البيت الأبيض، فإما أن يُحرج ممداني أمام التقدميين ويُشكك في “نقائه” الأيديولوجي، أو يُثبت نظرية الشعبوية المشتركة التي تجمع يمين ترامب بيسار ممداني، مما يُربك التقسيم التقليدي بين الحزبين.