غيّب الموت، صباح الإثنين، الموسيقار المصري الكبير هاني شنودة عن عمر ناهز 83 عامًا، في مستشفى القوات المسلحة بالمعادي في القاهرة، بعد صراع قصير وتدهور حاد في حالته الصحية.
وشهدت الأسابيع الماضية معاناة صامتة للراحل مع تقدمه في السن، إذ تعرض لوعكة صحية شديدة استدعت نقله إلى غرفة العناية المركزة قبل نحو أسبوعين.
وفي الأيام الأخيرة، ساءت حالته الطبية بشكل ملحوظ، ودخل في غيبوبة تامة انقطع خلالها عن الكلام والشراب والطعام.
وظل تحت الرعاية الفائقة والأجهزة الطبية حتى تدهورت وظائفه الحيوية بشكل متسارع في الساعات الأولى من صباح اليوم، ليلفظ أنفاسه الأخيرة وسط حزن عميق من أسرته والوسط الفني.
وتحولت كلماته في آخر حواراته الصحفية إلى وصية مؤثرة ومبكية حين قال، عند سؤاله عن الاعتزال، مستشهدًا بأحد الأقوال المأثورة: «سأعزف وأعمل حتى آخر نفس في صدري.. زرعوا فأكلنا، ونزرع ليأكلوا».

مسيرة حافلةبرحيل هاني شنودة، تفقد الموسيقى العربية أحد أبرز مهندسي التحول الموسيقي في النصف الثاني من القرن العشرين، وأحد أوائل الموسيقيين الذين أعادوا صياغة شكل الأغنية المصرية الحديثة، عبر المزج بين التوزيع الموسيقي الغربي والروح الشرقية، في تجربة تركت أثرًا واضحًا في أجيال متعاقبة من الفنانين.وُلد شنودة في مدينة طنطا عام 1943، ودرس الموسيقى أكاديميًا، فتخرج في كلية التربية الموسيقية عام 1966، ثم واصل دراسته في المعهد العالي للموسيقى «الكونسرفتوار»، قبل أن يبدأ رحلة طويلة في التأليف الموسيقي والتوزيع والعزف، قادته إلى أن يصبح أحد أبرز المجددين في الساحة الفنية المصرية.بدأ مشواره الفني مع فرقة “لي بيتي شاه” الموسيقية التي أسسها وجدي فرانسيس سنة 1967، وضمت نخبة من أهم رموز الموسيقى، ومنهم الراحل عزت أبو عوف، والمطرب الراحل صادق قليني، والفنان صبحي بدير، وعازف البيانو العالمي عمر خيرت، وحققت الفرقة نجاحاً مدوياً.وشكل عام 1977 محطة مفصلية في مسيرته مع تأسيس فرقة «المصريين»، التي أحدثت نقلة نوعية في الأغنية العربية، بعدما قدمت لونًا موسيقيًا مختلفًا اعتمد على الجيتار، والأورغ، والآلات الغربية، إلى جانب توزيع حديث وأغانٍ قصيرة الإيقاع، في وقت كانت الأغنية التقليدية الطويلة لا تزال تهيمن على المشهد الفني.ولم يقتصر تأثيره على التجديد الموسيقي، بل امتد إلى صناعة النجوم، إذ ارتبط اسمه بالبدايات الفنية لعدد من أبرز المطربين، وفي مقدمتهم محمد منير، الذي وضع معه ملامح مشروعه الغنائي الأول من خلال ألبومي «علموني عينيكي» و«بنتولد»، كما لعب دورًا محوريًا في انطلاقة عمرو دياب، عندما شجعه على الانتقال إلى القاهرة، وصاغ أولى خطواته الفنية عبر ألبوم «يا طريق».
وفي عام 1977، أسس شنودة فرقة “المصريين”، وقدمت العديد من الأغاني الشهيرة التي شكلت وعي جيل كامل، ومنها “ما تحسبوش يا بنات”، و”مسألة السن”.
وقدم الراحل للساحة الفنية مجموعة من أهم نجوم الغناء وفي مقدمتهم محمد منير وعمرو دياب، كما غنت من ألحانه القيثارة نجاة، ونجم الأغنية الشعبية أحمد عدوية.
كما وضع الموسيقار الراحل الموسيقى التصويرية لمجموعة من أهم وأبرز الأفلام في تاريخ السينما المصرية، منها: “المشبوه”، “ولا عزاء للسيدات”، “المولد”، “الأفوكاتو”، “عصابة حمادة وتوتو”، “شمس الزناتي”، و”امرأة واحدة لا تكفي”.
وعلى امتداد أكثر من خمسة عقود، تعاون مع كبار نجوم الغناء، من بينهم نجاة الصغيرة، ومحمد منير، وعمرو دياب، وأحمد عدوية، وأسهم في تقديم أعمال أصبحت علامات في تاريخ الأغنية المصرية، بينما ظل مؤمنًا بأن التجديد ضرورة لاستمرار الفن، وأن الموسيقى لغة تتطور مع الزمن من دون أن تفقد هويتها.ولم يكن شنودة مجرد ملحن أو موزع موسيقي، بل كان صاحب مشروع فني متكامل غيّر الذائقة الموسيقية لدى الجمهور، وفتح الباب أمام موجة جديدة من الأغنية الشبابية الحديثة، ما جعله أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في تطور الموسيقى المصرية والعربية خلال العقود الأخيرة.
محمد منير وعمرو دياب منطقة سحرية في قلب هاني شنودة

في قلب الموسيقار الراحل هاني شنودة، كانت هناك منطقة سحرية خصصها ـ على حد قوله ـ لكل من محمد منير وعمرو دياب؛ إذ كانت تلمع عيناه بمنتهى السعادة كلما جاء الحديث عن أحدهما، ويبدأ بالكشف عن ذكرياته الممتدة معهما.
وفي حديث سابق تحدث الموسيقار الراحل عن كواليس تعاونه مع محمد منير قائلاً: “أنا أيضاً استفدت من التعاون مع محمد منير؛ حيث طلبت عندما بدأنا العمل معاً أن أذهب إلى النوبة للتعرف على منابع فنونها، حتى تكون تجربتنا متناغمة”.
وأضاف: “بالفعل ذهبت وهناك انبهرت بإيقاع نوبي له تصفيق معين ويسمى (كومبنكش)، وعندما عدنا قدمنا به أغنية (الرزق على الله)، واستخدمته أيضاً مع فرقة المصريين في أغنية (ما تحسبوش يا بنات)”.
قصة “بعشق البحر” والمطربة نجاة
أغنية “بعشق البحر” كانت من المحطات التي شهدت تخوفاً من جانب هاني شنودة في البداية قبل أن يقدمها محمد منير بعد الفنانة الكبيرة نجاة الصغير. وعن كواليسها قال شنودة: “كنت أخشى عدم تقبل الجمهور لها من محمد منير بعد أن غنتها نجاة، ولكنه أثبت العكس ونجح في تقديمها بشخصية مختلفة تماماً”.

وفجّر شنودة مفاجأة تُكشف للمرة الأولى قائلًا: “عندما كنت أقوم بإعداد لحن الأغنية للفنانة نجاة، كان الفنان محمد منير يغنيها لي في جلساتنا حتى أتعايش معها مسموعة، وطوال تلك السنوات ظل محتفظاً بالأغنية بداخله، حتى عاد وتحدث معي بعد سنوات طويلة عن رغبته في غنائها، وقد كان”.
سر “حاضر يا زهر”
تحدث الموسيقار الراحل أيضاً عن سر التشابه بين لحن أغنية محمد منير “حاضر يا زهر” وأغنية المطرب الشعبي الراحل كتكوت الأمير “لفيت كتير”، موضحاً: “الأغنيتان من ألحاني وكلمات الشاعر الكبير عبد الرحيم منصور، وفي البداية قدمها كتكوت الأمير”.
تكريم هاني شنودة
ونال الموسيقار الراحل هاني شنودة جائزة الدولة التقديرية للفنون، كما حظي بتكريم استثنائي في احتفالية ضخمة أقامتها الهيئة العامة للترفيه بالمملكة العربية السعودية، تقديراً لمسيرته الفنية الطويلة وعطائه الموسيقي الذي أثرى الفن العربي.
أقرأ التالي
2026-01-21
مركب بلا ربّان
2026-03-03
قضية مكتب الضبط: هل ينجح العميد في اقناع عبير موسي بالتخلي عن خيار المقاطعة؟
2026-01-22
في هرم الدّولة والسّلطان، وشيخوخة النّظام قبل الأوان
2026-02-16
مشروع خط الغاز نيجيريا ـ الجزائر، هل يرى النور؟
2026-01-24
السواحل التونسية على كفّ عفريت
زر الذهاب إلى الأعلى