الفاهم بوكدوس:كرة القدم،حين يصبح اللاعب أكبر من اللعبة

ونحن في قلب متابعة المونديال الامريكي، ما الذي نعرفه عن كرة القدم اليوم؟ نعرف دوري أبطال أوروبا، وصفقات الانتقالات التي تُقاس بمئات الملايين، والرعاة، وحقوق البث، والعنف في بعض المدرجات، والجدل التحكيمي الذي لا ينتهي. نعرف كيف تحولت اللعبة الأكثر شعبية في العالم إلى صناعة عملاقة، وأحد أكثر أشكال الترفيه ربحًا وتأثيرًا.
كل ذلك صحيح. 
لكن هناك كرة قدم أخرى، أقل ضجيجًا وأكثر إنسانية؛ كرة قدم لا تُقاس بعدد الأهداف، بل بوزن المواقف.
تلك هي الكرة التي أراد إريك كانتونا النصير القوي للقضية الفلسطينية أن يستعيدها عندما قدّم سلسلة “أحرار الملاعب” على شبكة الجزيرة الوثاءقية قائلاً: “سأتحدث عن القيم الحقيقية… وعن الرجال.”
ففي عالم تُختزل فيه قيمة اللاعب اليوم في سعره السوقي، تذكرنا هذه السلسلة بأن بعض اللاعبين جعلوا من شهرتهم أداة للدفاع عن الحرية والعدالة، لا مجرد وسيلة للإعلانات والعقود.
يبقى اسم سقراطيس من أبرز تلك النماذج.
لم يكن طبيبًا ولاعبًا استثنائيًا فحسب، بل كان مثقفًا يؤمن بأن الديمقراطية ليست شأنًا سياسيًا يخص النخب، وإنما ممارسة يومية تبدأ حتى من غرفة الملابس. في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وفي وقت كانت البرازيل ترزح تحت حكم عسكري استبدادي، شارك في تأسيس تجربة عُرفت باسم “ديمقراطية كورينثيانز” داخل نادي كورينثيانز، حيث أصبحت قرارات الفريق تُتخذ بالتصويت: من مواعيد التدريبات إلى المعسكرات، في رسالة رمزية تقول إن الديمقراطية ممكنة حتى في أكثر المؤسسات انضباطًا. ثم تحولت تلك التجربة إلى منصة لدعم عودة الحكم المدني، حتى إنه دخل المباريات مرتديًا قمصانًا تحمل شعارات تدعو الجماهير إلى المشاركة في الانتخابات، متحديًا النظام العسكري في وقت كان كثيرون يفضلون الصمت.
أما كارلوس كاسيلي، فقد وجد نفسه في مواجهة ديكتاتورية أوغستو بينوشيه بعد انقلاب عام 1973. بينما سارع كثيرون إلى إعلان الولاء للنظام الجديد أو التزموا الحياد خوفًا من البطش، رفض كاسيلي أن يمنح الديكتاتور شرعية رمزية؛ فعندما صافح بينوشيه المنتخب الوطني، امتنع عن مصافحته أمام عدسات العالم، في موقف أصبح من أشهر صور التحدي المدني في تاريخ الرياضة. ولم يكن الثمن بسيطًا؛ فقد تعرضت والدته للاعتقال والتعذيب، وعاش سنوات من الضغوط والمراقبة، لكنه لم يتراجع عن موقفه، وظل من الأصوات التي دعمت إنهاء الحكم العسكري وعودة الديمقراطية إلى تشيلي.

 

ما يجمع سقراطيس وكاسيلي ليس الانتماء السياسي ولا الجنسية، بل قناعة واحدة: أن اللاعب ليس آلة لإحراز الأهداف، بل مواطن يمتلك ضميرًا ومسؤولية. لقد رفضا الفكرة التي تريد من الرياضي أن يصمت بدعوى أن “السياسة لا مكان لها في الرياضة”. أدركا أن الصمت، في أزمنة الاستبداد، ليس حيادًا دائمًا، بل قد يكون انحيازًا غير معلن إلى القوة.
لهذا تبدو مشاهدة مثل هذه السلسلة اليوم تجربة مختلفة. فهي تذكّرنا، وسط ضجيج كأس العالم، وجدل التنظيم، والتسويق المفرط، وهيمنة المال على تفاصيل اللعبة، بأن تاريخ كرة القدم لا يُكتب فقط بأسماء الهدافين والكؤوس، وإنما أيضًا بأسماء لاعبين خاطروا بشهرتهم ومستقبلهم دفاعًا عن قيم إنسانية تتجاوز المستطيل الأخضر.
وربما تكمن المفارقة هنا: فاللعبة التي وصفها كثيرون بأنها “أفيون الشعوب” كانت، في لحظات تاريخية حاسمة، منبرًا لإيقاظ الشعوب أيضًا. فقد خرج منها لاعبون لم يكتفوا بإمتاع الجماهير، بل منحوا الناس مثالًا نادرًا على أن الشهرة يمكن أن تكون موقفًا، وأن البطولة لا تُقاس فقط بما ترفعه من كؤوس، بل أيضًا بما تتحمله من كلفة في سبيل الحرية والكرامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى