لم يكن ما تحقق في تونس بعد الثورة في مجال حرية الصحافة والتعبير صلبًا كما بدا في لحظته الأولى، بل كان أقرب إلى توازن هشّ، صنعته لحظة سياسية استثنائية أكثر مما كرّسته مؤسسات راسخة. ذلك أن كثيرًا من الفاعلين، داخل القطاع وخارجه، تعاملوا مع تلك المكاسب بوصفها منجزًا نهائيًا غير قابل للارتداد، لا كمسار يحتاج إلى حماية دائمة ويقظة مستمرة.
في تلك اللحظة، طغت سردية الانتصار، وغلب التفاؤل التاريخي على حساب الحذر، فتمّ التغاضي عن هشاشة البنية القانونية، وضعف الضمانات المؤسساتية، وقابلية المنظومة الإعلامية للاختراق السياسي والاقتصادي.
اليوم، تكشف التحولات المتسارعة أن ما اعتُبر “مكتسبًا” لم يكن سوى مرحلة انتقالية لم تكتمل شروط ترسيخها.
فمع أولى الرجات السياسية والاقتصادية، بدأت تلك المكاسب تتآكل تدريجيًا، ليس فقط بفعل قرارات مباشرة، بل أيضًا نتيجة غياب منظومة حماية متماسكة قادرة على الصمود.
لقد عادت السلطة، بأدوات متعددة، إلى إعادة تشكيل المجال الإعلامي، ليس عبر القمع الصريح وحده، بل كذلك من خلال التحكم الناعم: تشريعات فضفاضة، وتضييق إداري، وإضعاف الهيئات المستقلة، وصناعة مناخ عام يدفع نحو الرقابة الذاتية ويُفرغ الحرية من مضمونها الفعلي.
غير أن هذا المسار لا يمكن فهمه بمعزل عن صعود سياق شعبوي أعاد تعريف العلاقة بين السلطة والمجال العام، ففي ظل خطاب يقوم على ثنائية “الشعب” مقابل “النخب”، وُضعت الصحافة في موقع الاتهام، باعتبارها جزءً من منظومة يُنظر إليها بريبة أو عداء،
ولم تعد تُقدَّم كوسيط ضروري لتنظيم النقاش العام، بل كجسم مشكوك في شرعيته، أو كأداة يجب إخضاعها لإرادة عامة تُختزل في صوت واحد، وبهذا المعنى، لم يعد استهداف الصحافة يمر فقط عبر القوانين أو المؤسسات، بل عبر نزع مشروعيتها الرمزية داخل المجتمع نفسه.
ضمن هذا الإطار، برزت بوضوح سياسة “نسف الوسائط”، حيث تُقدَّم كل الأجسام الوسيطة—ومن بينها الإعلام—بوصفها عوائق أمام التعبير المباشر عن الإرادة الشعبية، ويترتب عن هذا المنطق تهميش متدرج لهذه الوسائط أو إعادة تشكيلها لتؤدي وظائف مختلفة عن دورها الأصلي.
وهكذا، تُدفع الصحافة إما إلى الانخراط في خطاب أحادي يعكس الرواية الرسمية، أو إلى الهامش إن تمسكت بدورها النقدي، وفي الحالتين، يتم تقليص وظيفتها الأساسية كفاعل مستقل يساهم في التوازن والمساءلة.
غير أن التعبير عن أزمة حرية الصحافة لا يجب أن ينزلق إلى خطاب لطمي أو بكائيات تكتفي بتسجيل الخسارة، بل يفترض تفكيرًا عميقًا وتشاركيًا يُشخّص جذور الأزمة ويقترح مسارات الفعلل، فالمسألة ليست مجرد تراجع، بل اختبار لقدرة الفاعلين على إعادة بناء شروط الحرية ضمن سياق متحوّل ومعقّد.
والحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن جزءً معتبرًا من المسؤولية، واقعًا وحاضرًا، يقع أيضًا على عاتق الصحفيين أنفسهم بوصفهم صُنّاعًا للرأي العام، فالصحافة ليست مهنة نقل الأفكار فقط، بل ممارسة تتأسس على الدفاع عن القيم الكبرى: الحقيقة والاستقلالية وحق المجتمع في المعرفة، وهي، بهذا المعنى، تقتضي استعدادًا دائمًا لتحمل الكلفة، لا التكيف السهل مع اتجاهات الأنظمة والقوى المهيمنة أو تبرير سياساتها.
إن الانزلاق نحو البراغماتية المفرطة، أو الارتهان لمنطق السوق والسلطة، لا يُضعف فقط موقع الصحفي الفرد، بل يقوّض الثقة في المهنة ككل، ويفتح الباب أمام مزيد من التشكيك في مشروعيتها.
لذلك، فإن معركة حرية الصحافة تبدأ أيضًا من داخلها: من إعادة ترسيخ أخلاقيات المهنة، وتعزيز التضامن المهني، ورفض تحويل الإعلام إلى أداة تكيّف بدل أن يكون فضاء مساءلة.
ان الأخطر أن هذا التحول يتقاطع مع هشاشة داخلية للقطاع نفسه، فالإعلام الذي لم يُحصّن اقتصاديًا ظلّ رهينة موارد متقلّبة وضغوط سوقية، ما جعله أكثر قابلية للتأثر بالتوازنات السياسية، والصحفي الذي لم تُضمن حقوقه المهنية والاجتماعية، وجد نفسه في موقع ضعف بنيوي، يقلّص من قدرته على المقاومة والاستقلالية.
وفي هذا السياق المركب، لم يعد تراجع حرية الصحافة مجرد سلسلة من الانتهاكات المعزولة أو الممنهجة، بل أصبح تعبيرًا عن إعادة هندسة شاملة للمجال العام، حيث يُعاد ترتيب الأدوار والحدود بما يفضي إلى تقليص التعددية وإضعاف النقاش العمومي، فالحرية لا تُلغى بالضرورة، بل تُحاصر وتُفرغ من شروطها، فيتحول وجودها إلى شكل بلا مضمون.
كما أن تزامن هذا المسار مع التحولات الرقمية يضاعف من خطورته، إذ أضعفت المنصات الجديدة بدورها دور الوساطة التقليدية، وفتحت المجال أمام انتشار الخطابات المباشرة وغير المُحققة، بما في ذلك الخطاب الشعبوي ذاته. وفي غياب إعلام مهني قوي ومستقل، تصبح الساحة مفتوحة أمام الأخبار الزائفة والتلاعب بالرأي العام، وهو ما لا يهدد الصحافة فقط، بل يضرب في العمق شروط النقاش الديمقراطي.
إن أحد أعمق أسباب هذا الانحدار يكمن في الوهم الذي ساد بعد الثورة: وهم أن الحرية تُكتسب مرة واحدة وإلى الأبد، وهذا الوهم جعل الفاعلين يركنون إلى ما تحقق بدل تحصينه، ويغفلون عن أن الديمقراطية تُبنى في التفاصيل اليومية للمؤسسات والقوانين والتوازنات، وعندما تغيّر السياق، لم تكن هناك أرضية صلبة تقاوم، بل مكاسب غير مكتملة سرعان ما بدأت في التآكل.
ما تعيشه الصحافة التونسية اليوم ليس مجرد أزمة قطاع، بل لحظة كشف تاريخي: كشف لحدود انتقال ديمقراطي لم يُستكمل، ولخطورة سياق شعبوي يسعى إلى تقويض الوسائط التي يقوم عليها المجال العام، وهو ما يفرض إعادة التفكير جذريًا، لا فقط في سبل الدفاع عن حرية الصحافة، بل في شروط وجودها واستمرارها، باعتبارها وظيفة ديمقراطية لا يمكن أن تعيش في بيئة تضيق بالتعدد، ولا في مناخ يُعاد فيه تعريف “الشعب” بطريقة تُقصي كل صوت مختلف.
إن المعركة لم تعد معركة استرجاع ما ضاع فقط، بل معركة وعي أيضًا: وعي بأن الحرية ليست لحظة انتصار، بل مسار دائم؛ وأن أخطر ما يهددها ليس فقط القمع، بل أيضًا الخطابات التي تُقنع المجتمع بأن الوساطة عبء، وأن التعدد ضعف، وأن الصوت الواحد يمكن أن يُغني عن الجميع
الفاهم بوكدوس