على بُعد أمتار من المؤتمر، اتحاد بثلاثة عقول

على بُعد ساعات من موعد مؤتمر مارس 2026، لا يبدو أنّ الاتحاد العام التونسي للشغل يقف فقط أمام استحقاق تنظيمي جديد، بل أمام لحظة كثيفة تختزل سنوات من التراكمات، والاختلالات، والصراعات المؤجّلة. فالمسافة الزمنية القصيرة التي تفصل عن المؤتمر تقابلها مسافة واسعة في المواقف، حتى داخل نفس الفضاء النقابي، حيث لم يعد الخلاف مجرّد تباين في التقدير، بل تحوّل إلى اختلاف عميق في فهم طبيعة الأزمة، وفي تحديد سبل الخروج منها، بل وحتى في تعريف ما يُعتبر “حلاً” في حدّ ذاته.
في هذا السياق، يمكن تمييز ثلاثة اتجاهات كبرى تتقاطع أحيانًا وتتباعد في العمق، لكنها جميعًا تعكس حالة التمزّق التي يعيشها الاتحاد، وتكشف في الآن نفسه عن حيويّة نقاشه الداخلي، مهما بلغ من حدّة.
الاتجاه الأول
يتمسّك، رغم كل شيء، بمنطق المؤسسات. فهو يرى أنّ المؤتمر، بما هو آلية ديمقراطية تقليدية داخل المنظمة، يظلّ الإطار الممكن—وربما الوحيد—لإعادة ترتيب البيت الداخلي.
هذا الموقف لا ينطلق من إنكار حجم الأزمة، بل على العكس، من تقدير خطورتها، ومن الخشية من أن يؤدّي أي تعطيل إضافي إلى دفع المنظمة نحو مزيد من التآكل. لذلك، يُنظر إلى المؤتمر كـ”لحظة إنقاذ”، لا بالمعنى الرومانسي، بل باعتباره أداة لتقليص الخسائر، واستعادة حدّ أدنى من الشرعية، وفتح إمكانية—ولو محدودة—لتجديد القيادة والخطاب.
هذا التصوّر يتقاطع، في جانب منه، مع القراءة التي ترى في بعض الخيارات القيادية تعبيرًا عن منطق إدارة الأزمة لا حلّها جذريًا.
أي أنّ الرهان هنا ليس على القطيعة، بل على تفادي الأسوأ، في ظلّ ميزان قوى مختلّ، وبدائل غير جاهزة، وسياق وطني ضاغط.
وهي مقاربة قد تُنتقد أخلاقيًا أو سياسيًا، لكنها تشتغل ضمن حساب الكلفة والمآلات، لا ضمن منطق النوايا.
في المقابل، يتشكّل اتجاه ثانٍ أكثر حدّة في موقفه، يرفض هذا المنطق من أساسه، ويطعن في شرعية المؤتمر ذاته.
بالنسبة لهذا التيار، لا يمكن لمؤتمر وُلد من مسار يعتبره “منحرفًا” عن القانون الأساسي—وخاصة ما يتعلّق بالفصل 20—أن يكون مدخلًا للحل.
فالأزمة، في نظره، ليست فقط أزمة خيارات أو توازنات، بل أزمة شرعية تمّ حسمها بشكل قسري عبر خرق القواعد الديمقراطية الداخلية.
هذا الموقف لا يُختزل في ردّ فعل ظرفي، بل هو امتداد لمسار طويل من المعارضة النقابية، التي راكمت نقدًا لأداء القيادة، واتهمتها بإفراغ الهياكل من مضمونها، وتهميش الأصوات المخالفة، وتحويل الآليات التنظيمية إلى أدوات ضبط بدل أن تكون فضاءات نقاش وقرار.
ومن هذا المنطلق، فإنّ أي مخرج لا يمرّ عبر استعادة الشرعية القانونية والتنظيمية يُعتبر، في أحسن الأحوال، تأجيلًا للأزمة، وفي أسوئها تكريسًا لها.

 

أما الاتجاه الثالث،
فيبدو—للوهلة الأولى—متقاطعًا مع هذا الرفض، لكنه في العمق يختلف عنه جذريًا.
فهو لا ينطلق من الدفاع عن الديمقراطية النقابية بقدر ما يستبطن موقفًا سياسيًا أوسع تجاه الأجسام الوسيطة عمومًا.
في هذا التصوّر، لا تُفهم أزمة الاتحاد كاختلال قابل للإصلاح، بل كدليل على فشل نموذج كامل، يقوم على الوساطة بين الدولة والمجتمع.
وبهذا المعنى، يصبح استمرار الأزمة، أو حتى تعمّقها، عنصرًا “مفيدًا” لإثبات هذا الطرح.
إذ يُنظر إلى تفكّك الاتحاد، أو على الأقل إضعافه، كخطوة في اتجاه إعادة تشكيل المجال العام على أسس مختلفة، حيث تتراجع الأجسام المنظمة لصالح علاقة مباشرة—أو شبه مباشرة—بين السلطة والمجتمع. وهو ما يجعل هذا الموقف، رغم تقاطعه الظاهري مع النقد النقابي، أقرب في نتائجه إلى منطق تفكيكي لا إصلاحي.
بين هذه الاتجاهات الثلاثة، يتوزّع النقاش، وتُعاد صياغة الأسئلة القديمة بأدوات جديدة: هل يمكن إصلاح منظمة من داخل مؤسسات يُطعن في شرعيتها؟ وهل يُعدّ التمسك بهذه المؤسسات واقعية سياسية أم قبولًا بالأمر الواقع؟ وهل البدائل الممكنة موجودة فعلًا، أم أنّها ما تزال في طور التشكّل؟ ثم، إلى أي حدّ يمكن فصل الأزمة النقابية عن السياق السياسي العام، الذي يشهد بدوره تحوّلات عميقة في موقع ودور الفاعلين الوسيطين؟
في قلب هذه الأسئلة، يبرز عنصر مشترك بين مختلف القراءات، وإن اختلفت زوايا النظر إليه: الإقرار بأنّ الاتحاد يمرّ بأزمة حقيقية، ليست فقط أزمة قيادة أو ظرف، بل أزمة نموذج اشتغال. أزمة تتعلّق بكيفية إدارة الاختلاف، وبحدود الديمقراطية الداخلية، وبالعلاقة بين الاجتماعي والسياسي، وبقدرة المنظمة على التكيّف مع تحوّلات سوق الشغل وتغيّر أشكال العمل.
غير أنّ هذا الإقرار المشترك لا يقود إلى نفس الاستنتاجات. فبين من يرى في المؤتمر فرصة لإعادة تشغيل الآلة، ولو بإصلاحات جزئية، ومن يعتبره محطة فاقدة للشرعية يجب مقاطعتها، ومن يتعامل مع الأزمة كدليل على ضرورة تجاوز الإطار النقابي نفسه،
تتّسع الفجوة، ويصبح الصراع ليس فقط حول “ماذا نفعل؟” بل حول “أي اتحاد نريد؟ وهل نريده أصلًا بالشكل الذي نعرفه؟”.
وربما تكمن مفارقة اللحظة في أنّ هذه الانقسامات، على حدّتها، تعكس في الآن نفسه استمرار الرهان على الاتحاد، سواء من خلال السعي إلى إنقاذه، أو إلى استعادته، أو حتى إلى تجاوزه.
فالأزمة، في النهاية، ليست علامة على غياب الأهمية، بل على العكس، دليل على أنّ هذه المنظمة ما تزال تحتلّ موقعًا مركزيًا في التوازنات الاجتماعية والسياسية، وأنّ مستقبلها لا يعني فقط منخرطيها، بل يمتدّ أثره إلى مجمل المشهد الوطني.
لذلك، فإنّ مؤتمر مارس 2026، أيًّا كانت مخرجاته، لن يكون مجرّد محطة عابرة. بل سيكون، على الأرجح، لحظة كاشفة: إمّا أن ينجح في إعادة إنتاج حدّ أدنى من التماسك يسمح بمواصلة الصراع داخل الأطر، أو يكشف حدود هذا الخيار ويفتح الباب أمام مسارات أكثر حدّة، سواء في اتجاه القطيعة أو في اتجاه إعادة التشكل.
وفي الحالتين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتحوّل هذا الاختلاف إلى مصدر تفكّك، أم إلى لحظة وعي تُعيد طرح الأسس التي قام عليها الاتحاد، وتدفع نحو تجديدها؟ الإجابة لن يقدّمها نصّ أو موقف، بل ستُصاغ—كما في كلّ المحطات السابقة—داخل موازين القوى، وداخل قدرة الفاعلين على تحويل الأزمة من عبء إلى إمكانية

*الفاهم بوكدوس
المقال منشور على صفحته الفيسبوكية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى