أفندية الجامعة

بين تبخيس البحث العلمي ومعضلة التّثبيت الوظيفي

 

 

حسب آخر تحيين لمؤشّرات التّعليم العالي والبحث العلمي الذي أصدرته وزارة الإشراف (2018- 2019) يعدّ الجامعيّون الذين يؤمّنون سير دواليب منظومة التّعليم العالي– بحثا وتدريسا – في تونس21823 جامعيّ من كامل الأصناف والرّتب.

وهو من المؤشّرات الدّالة على أهميّة هذا القطاع من حيث وزنه الدّيمغرافي مقارنة ببعض لقطاعات الأخرى التي تصنّف ضمن قطاعات النّخب.

وهو أيضا ما يؤشّر على أهميّة ما يُنتظر من الجامعيّينفي علاقة بمجال فعلهم المباشر وقضايا الشّأن العام عموما.

وبالتّأليف بين أهميّة ما ينبغي أن يضطلعوا به في هذين المجالين معا – كما هو متعارف عليه في أغلب بلدان العالم عموما – فإنّ معشر الجامعيّين التّونسيّين في مواجهة نوعين من التّحدّيات التي تندرج ضمن مسؤوليّتهم المباشرة.

تتّصل أهمّ هذه التحدّياتر  بإنتاجهم العلمي باعتبارهم يحملون صفة مزدوجة تجمع بين وظيفتهم البيداغوجيّة كمدرّسين ووظيفتهم العلميّة كباحثين، وهم بذلك يمثّلون ركيزة “المجتمع العالم” Société savante ومحوره. ويمكن أن نقيّم مستوى مواجهتهملهذا التّحدّي انطلاقا من آخر الأرقام التي أصدرتها وزارة التّعليم العالي حول مؤشّرات البحث العلمي. 

فهي تفيد أنّ منظومة التّعليم العالي التّونسيّة المكوّنة من 13 جامعة بمؤسّساتها البحثيّة والتّعليميّة العالية التي تعدّ 205 مؤسّسة، تضمّ 37 مدرسة دكتوراه و40 مركزا وطنيا للبحث تشتغل تحت متابعة الهيئة الوطنية لتقييم أنشطة البحث العلمي، وتحتكم على 314 مخبر بحث و324 وحدة بحث موزعة على الجامعات ومراكز البحث.

وقد بلغت نسبة تغطية هذه الوحدات والمخابر مجتمعة للطّلبة الباحثين56,91%، وبلغت نسبة تغطيتها للأساتذة الباحثين 48,074%.

وهي نسبة تغطية لا تفي بالغرض لأنّها تعني أنّ حوالي نصف عدد الطّلبة الباحثين (%43,09) وأكثر من نصف عدد الأساتذة الباحثين (%51,926) خارج دائرة الاهتمام البحثي أصلا.

أمّا من حيث الانتاجيّة فالحصيلة هزيلة للغاية مهما غيّرنا زاوية النّظر في قراءة الأرقام. فإذا ما اعتمدنا عدد الأعمال المنشورة (5774) بالنّسبة إلى عدد المنتسبين إلى الهياكل البحثيّة (24913) نجد أنّ كلّ خمسة باحثين تقريبا يشتركون في عمل واحد، أو أنّ كلّ باحث ينتج 0,23 عملا علميّا.

أمّا إذا ما اعتمدنا نفس عدد المنشورات العلميّة لنفس السّنة بالنّسبة إلى كلّ الذين يحملون صفة باحث بقطع النّظر عن مسألة انتسابه للهياكل البحثيّة (33819) فنجد أنّ كلّ ستّة باحثين يشتركون في عمل واحد، أو أنّ منجز كلّ باحث لا يتعدّى 0,17 عملا في السّنة.

ومهما غيّرنا زوايا النّظرأيضا فإنّه لا يمكن أن نبرّر ذلك أو نجد له حجّة خصوصا بالنّسبة إلى من يحمل صفة الأستاذ الباحث، وهي الصّفة التي تنطبق على 21823 فردا من أهل الجماعة الأكاديميّة.

قد لا يسعفنا هذا الحيّز بأن نأتي على كلّ الأسباب التي تفرض هذا الوضع المخجل للجامعة والجامعيّين، ولكن حسبنا أن نطرح للنّقاش أهمّها على الإطلاق من وجهة نظر ذاتيّة ولكنّها تتأسّس على معطيات موضوعيّة، وهنا يمكن أن نقف على سببين حاسمين:

السّبب الأوّل

يتعلّق بجملة من المعطيات الموضوعيّة التي تتكثّف جلّها في نصاب الواقع المادّي للجامعيّين وضعف الإمكانيّات وتخلّف الإطار التشريعي والتّنظيمي لهياكل البحث العلمي، والغياب التّام لسياسة علميّة لدى النّخب المسيّرة للدّولة طيلة عقود.

وأبلغ ما يؤكّد ذلك هو الرّقم المخجل المتعلّق بالتمويل الإجمالي للبحث العلمي الذي يناهز %0,66 من الناتج الداخلي الخام، وهو يعتمد بصفة شبه كلّية على التمويل العمومي، ولا شكّ أنّ الإنفاق على البحث العلمي يعكس منزلة السّياسة العلميّة بشكل واضح.

ولكي نقف على مستوى الدّونيّة العلميّة المخجلة للجامعة التّونسية علينا أن نستحضر أنّ “إسرائيل” تنفق 4,8% من النّاتج الدّاخلي الخام(ما يتجاوز ميزانيّة الدّولة التّونسيّة لسنة 2020) على البحث العلمي.

وبالنّظر إلى نسبة الإنفاق من النّاتج الدّاخلي الخام على البحث العلمي فإنّ “إسرائيل” تتساوى مع بلدان مثل الولايات المتّحدة الأمريكيّة واليابان وألمانيا وفرنساممّا يمكّنها من المساهمة بــ 1% من الإنتاج العالمي للمعارف العلميّة، ويجعلها تحتلّ المركز الثالث عالميّا في مجال إنتاج التّكنولوجيا المتقدّمة والمركز الخامس عشر في إنتاج الأبحاث والاختراعات على مستوى العالم.

وهي تحتلّ المرتبة الأولى عالميّا من حيث الانفاق على التّعليم، حيث تنفق 8,3% من النّاتج الدّاخلي الخام (الذي يناهز 370 مليار دولار) على المنظومة التّعليميّة بكلّ مستوياتها وفروعها متفوّقة في ذلك على إيسلندا والولايات المتّحدة الأمريكيّة والدّانمارك.

رغم وجاهة هذه الأسباب، هناك حقيقة يعلمها الجامعيّون كلّهم ويساهم أغلبهم في ترسيخها، لذلك فهي حقيقة مزعجة لأنّها تحدّد مسؤوليّة الجامعيّين الذين لا يُعيرون البحث العلمي أهميّة تذكر وتكشف تخلّيهم عن صفتهم الأكاديميّة رغم أنّ منحة البحث والتّأطير تغطّي حوالي ثلثي أجرهم الشّهري.

حينئذ فإنّ السّبب الثّاني يتمثّل في تخلّي الجامعي الطّوعي عن صفته الأكاديميّة واستقراره في حالته الأفنديّة.

فهذه الصّفة التي جاءتنا عن طريق المصريّين بعد أن أخذها الأتراك السّلاجقة عن اليونانيين وقوْلبوها بما يليق بخاصيّة الموظّف/ الأفندي الذي يختار الاستكانة والدّعة ضمانا لاستقراره المادّي لقاء إبداء الامتثال التّام لقواعدالسّيستام والانضباط لنواميس الإدارة، هي الأقرب لتوصيف وضع الجامعيّين ومنزلتهم في الجامعة والمجتمع معا.

فبالنّظر إلى الخاصية السّلبيّة للموظّف الذي لا يبادر بالفعل إلاّ حسب مقتضيات الأوامر ولا يجتهد خارج نطاق الضّوابط التي تحدّد مجال فعل الأفنديّة، نجد أربعة من كلّ خمسة جامعيّين (4/5) خارج نطاق الخدمة البحثيّةومتخلّيين عن واجبهم ومسؤوليّتهم الأكاديميّة متمثّلين في الإنتاج العلمي، لأنّهم وجدوا في صفتهم الأفنديّة التي يضمنها قانون الوظيفة العموميّة مسوّغا لذلك الخيار، وأهمّ ما في ذلك القانون مكسب التّثبيت الوظيفي (التّرسيم) الذي يجعل منهم أفنديّة جامعيّين وموظّفين مكلّفين بتنفيذ سياسة التّكوين المهني بالتّعليم العالي.

وتتأصّل أفنديّة الجامعيّين من خلال تطبّعهم بذهنيّة الاستكانةوالدّعة والرّضى بضمانات  التّثبيت الوظيفي الذي يؤمّن لهم الاستقرار المهني ولا يلزمهم بالإنتاجيّة العلميّة، دون إمكانيّة الاستغناء عنهم ما لم يقترف أحدهم خطّأ فادحا، ويتمتّعون برفاهيّة الأمن المادّي بعيدا عن إكراه البحث العلمي وإلزاميّته ودون مساءلة أو محاسبة حول التّخلّي عن المسؤوليّة البحثيّة التي هي من المهام الأصليّة والسّمات الحاسمة للجامعي والمحدّدات الفاصلة في نظام تأجيره.

وهذه حال الأكثريّة العدديّة من معشر الجماعة العلميّة داخل منظومة التّعليم العالي.

اختصارا لما نودّقوله دون أن نُسهب فنُتْعب أو نفصح فنفضح، والحال أنّ المجال لا يتّسع لذلك، سنختم هذا المقال بأربع ملاحظات:

  • إنّ تبخيس البحث العلمي من قبل أهل السّياسة والقائمين على إدارة شؤون الدّولة والمجتمع من شأنه أن ينفي أصلا وجود منظومة جامعيّة ويؤكّد أنّنا إزاء منظومة تعليم عالٍ مهيّأة للتّكوين المهني الذي لم يعد يستجيب للمطلوب في أدنى مستوياته، بالنّظر إلى أنّ الجامعة تقوم على الاستجابة لشرط التّكامل الوظيفي والهيكلي بين التّدريس والبحث ولا مجال لأن يتأصّل فعل التّدريس خارج فضاء البحث ودون الاستفادة من نتائجه.

 

  • رغم أنّ التّثبيت الوظيفي مكسب اجتماعي بالنّسبة إلى الجامعيّين في ظلّ انتشار مظاهر التّشغيل الهش الذي طال كلّ المجالات والقطاعات، فإنّه تحوّل إلى معضلة لأنّه مثّل ضمانا قانونيّا لتخلّي الجامعيّين عن مسؤوليّتهم البحثيّة التي تضمن صفتهم الأكاديميّة وتميّزهم عن مجرّد الانتماء إلى قطاع الوظيفة العموميّة.                                                                                 أن يتحوّل الجامعيّون إلى شريحة من أفنديّة الجامعة، فهو أمر متجاوز لفاعليّة الإطار القانوني الذي يساعدهم على ذلك،ولا علاقة له بغياب السّياسة العلميّة والاستراتيجيات البحثيّة الرّسميّة وضعف الميزانيّات والامكانيّات الماديّة،رغم أنّها أسباب وجيهةوقارّة وهيكليّة، ولكنّه قبل كلّ شيء وبعده خيار شخصي وإرادي لمن اختار أن يكون جامعيّا رغم طول مسار بلوغ ذلك وعسره، ورغم إدراكه للمهام المنوطة بعهدته كجامعي وليس كموظّف. لذلك بإمكانه أن يكون غير ذلك بضمانات مادّية أفضل بكثير لو استثمر نفس الجهد في غير رهان الدّخول إلى الجامعة وحمْل صفة الأستاذ الجامعي.

  • أن يصبح أغلب الجامعيّين مجرّد أفنديّة يعني أنّ يتحوّل هذا المجال الطّليعي، النّخبوي، المسؤول، الملتزم،والهادف إلى فضاء لانتشار دهماء القطاعات النّخبويّة وإنتاج سواد المجتمع العلمي وإعادة إنتاج العامّة بآليّات عمل الصّفوة، وهذا أخطر ما في الأمر.

  • ولعلّه يكاد يكون من المسلّمات إذا ما بحثنا عن دور الجامعيّين في الفضاء العام وعن تأثيرهم في الواقع.                                                      فمقارنة ببعض القطاعات النّخبويّة الأخرى (المحاماة، الصّحافة والقضاء…) نجد أنّ أفنديّة الجامعة هم الأكثر تميّزا بغيابهم عن الفعل الفكري والميداني معا في القضايا الكبرى في البلاد والأكثر اتّساما باستقالتهم من الشّأن العام، وهذا ما يحوّل انتظارات عموم النّاس من الجامعيّين إلى مجرّد أوهام لا يمكن الوقوف عليها، وهو دفتر من الدّفاتر الجامعيّة التي ينبغي معالجته في حيّز آخر.

المولدي قسومي

نُشر في جريدة الشارع المغاربي عدد 241

زر الذهاب إلى الأعلى