الكاتب الكبير عامر بوعزة: عظيمة يا مصر!

أول من ظهر للجمهور في الاحتفال بافتتاح المتحف المصري الكبير فاروق حسني وزير الثقافة الأسبق، وإثره مباشرة تكلم السير مجدي يعقوب جرّاح القلب العالمي المعروف، وتتالت إثرهما أسماء العلماء والمثقفين ونخبة المجتمع والوجوه التي تفخر بها مصر.

ذلك هو أهم درس من دروس هذا الاحتفال الرائع وأبلغ رسالة تلقّاها المشاهدون في كافّة أنحاء العالم في وقت واحد، وجعلتهم بلا شك يردّدون وإن سرّا «عظيمة يا مصر!»، فهذا الإنجاز الحضاري الكبير لم يبن فقط بالمال، وإنما ما كان للمصريين أن يحققوه لولا اعتزازهم الشديد بحضارتهم وقوة الترابط بين الأجيال واحترام النخب.

لدى أشقائنا في جمهورية مصر العربية كل ما صرنا نفتقده الآن في تونس، ويحقّ للمشاهدين الذين شعروا بالحسرة والألم وأحسّوا بالغبن أن يتساءلوا: «لماذا لا نرى شيئا شبيها بهذا عندنا؟»، فطرح السؤال نصف الإجابة، أما النصف الآخر فماثل أمام عيونهم لا يتعامى عنه إلا من يريد أن يركب رأسه: الحقد والكراهية لا يبنيان شيئا حتى إذا ما فتحت خزائن قارون على مصراعيها، أو منحنا صندوق النقد الدولي صكّا على بياض، وشعار «هؤلاء لا مكان لهم في الدولة» لا ينتج في الواقع إلا «المشاريع المعطّلة»، والأوهام التي لن تتحقق، فمن يزرع الشوك لن يجني إلا الجراح!

تذكر كيف شيّع التونسيون فؤاد المبزع إلى مثواه الأخير على متن سيارة «رينو اكسبرس»، وكيف محونا في ما تبقى من احتفالاتنا الوطنية بجرة قلم وضربة مقصّ ثلاثة وعشرين عاما من عمر الدولة، وكيف دشّن رئيس الجمهورية «دار الثقافة بن خلدون» إثر ترميمها للمرة العاشرة بعد الألف(!) تحت جنح الظلام ووسط كوكبة من الأمنيين والإداريين ودون حضور أحد من أهل الثقافة، وتذكر قول الله عزّ وجلّ «وما ظلمناهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمونْ».

لا يتحمل النظام الحالي المسؤولية كلها، فبذور الشقاق والكراهية وتصفية الحسابات والإقصاء والغنيمة تعود كلها إلى مروية «بائع الخضار المتجول الذي أطلق شرارة الربيع العربي»، فقد كانت المواجهة في تلك اللحظة الفارقة بين النظام والفوضى، واللحظات الأخيرة في زمن بن علي لم تكن كما يسوق لها لحظات تضامن وتآزر وانضباط، بقدر ما كانت فسحة للنهب والسلب والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة. لقد كان الانهيار القيمي منظما ومتسلسلا مثل قطع «الديمينو»، لا يتعلق الأمر هنا بالديمقراطية أو بالاستبداد، بل بالسقوط الأخلاقي وبمنطق (الشعب الصالح والنخبة الفاسدة)، وإطلاق يد الرعاع لا يفضي إلا إلى الخراب.

إن تمويل المشاريع الكبرى في أي بلد ينتمي إلى «اقتصاد العولمة» أمر هيّن مقدور عليه، ويمكن أن يكون وجها من وجوه الاستثمار بعيد المدى، لو تخلصنا من الشعارات الحنجرية التي لا تصلح إلا لتعميم الفقر، أما القيم الأخلاقية التي تمثل الدعامة الأساسية للنهضة الاجتماعية والرقي فلا تُشترى بالمال، من السهل جدا اقتناء حافلات صينية جديدة وإطلاقها في شوارع العاصمة، لكن من الصعب أن تجعل صبيا في أحد الأحياء الخلفية يمتنع من تلقاء نفسه عن قذف شبابيكها بالحجارة، إنه يفعل ذلك لمجرد الإثارة والمتعة والتحدي ولعدم الشعور بالانتماء إلى الوطن، تلك هي المسألة!.

*عامر بوعزة،

كاتب وشاعر وروائي تونسي مقيم خارج البلاد”الهايلة”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى