بين انسحاب الوزراء و”استعادة 7 أيار”.. هل بدأت سيناريوهات التصعيد في لبنان؟

تشير مواقف “الثنائي الشيعي”، المكون من حركة أمل وحزب الله، إلى أن لبنان يتجه نحو التصعيد، الذي بدأ بانسحاب نوابهما من جلسة الحكومة التي أقرت خطة “حصر السلاح بيد الدولة”.
وكما كان متوقعاً، أقرت حكومة لبنان الجمعة، خطة “حصر السلاح” بيد الدولة، وأعلنت أن الجيش سيبدأ التنفيذ، لكنها استدركت على لسان وزير الإعلام بول مرقص، أن ذلك سيتم “وفق الإمكانات المتاحة لوجستياً ومادياً وبشرياً”.
ولم يحدد وزير الإعلام اللبناني مهلاً زمنية لتنفيذ الخطة، واكتفى بالقول إن “قدرات الجيش” هي من سيحدد تلك المهل.
ويشير إعلان الحكومة الذي تلاه الوزير إلى الصعوبات المتوقعة في تنفيذ الخطة، خاصة أن المستهدف الرئيس منها، وهو “حزب الله”، يمتلك إمكانات بشرية ولوجستية وعسكرية ربما تفوق قدرات الجيش، حسب معظم التقديرات.
ويبقى السؤال الأبرز: هل ستتمكن الحكومة من تنفيذ الخطة فعلاً؟ وما السيناريوهات المتوقعة؟.
خطوة تصعيد أولى
وتشير المواقف التي أبداها “الثنائي الشيعي” إلى أن البلاد ذاهبة إلى التصعيد الذي بدأ بمجرد “انسحاب” من الجلسة، وهو ما يعني أن “حزب الله” سيجادل بأن القرار الذي اتخذته الحكومة لم يحصل على موافقة “المكون الشيعي”، وهو ما يُعد، بالنسبة له، خروجاً عن تقاليد اتخاذ القرارات في لبنان الذي يحافظ منذ عقود على تركيبة سياسية تقوم على “توافق” بين الطوائف.
وإن كان الانسحاب، قانوناً، لا يؤثر في شرعية القرار، إلا أن انسحاب وزراء “الثنائي الشيعي” إضافة إلى الوزير الشيعي الخامس، سيكون مبرراً للتشكيك في تلك الشرعية في خطوة أولى من التصعيد.
أما خطوة التصعيد الثانية، فهي التي لوّح بها وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكي، (الوزير الشيعي الخامس من خارج الحركة والحزب)، ونقلت عنه وسائل إعلام لبنانية أنه “وضع استقالته شفهيا بتصرّف رئيس الجمهورية جوزيف عون”.
ويمثل إعلان مكي، إيذاناً بمأزق سياسي جديد قد تجد الحكومة نفسها في مواجهته، ويتمثل باستقالة جماعية للوزراء الشيعة جميعاً، وهي خطوة لن تؤثر في شرعية الحكومة دستورياً إذ لا تُعتبر الحكومة مستقيلة، إلا إذا فقدت أكثر من ثلث أعضائها، لكنها ستدخل البلاد مجدداً في جدل “الميثاقية” الذي يفرض تمثيلاً متناسباً للطوائف، وهو ما يمكن للحكومة أن تجد له حلاً عبر تعيين 5 وزراء آخرين من الشيعة.
ورغم أن هذا الإجراء يعد قانونياً إلا أنه لن يمضي بسلاسة، في بلد يقوم على التوازن الطائفي في تركيبته السياسية؛ وهو ما سيدخل البلاد في جدل “التمثيل”، إذ إن كلاً من “حركة أمل”، و”حزب الله”، يدّعيان “تمثيل” الشيعة، وهو ما يجعلهما يرفضان أي تمثيل آخر خارجهما.
كل ذلك، سيجعل البلاد تدخل معارك سياسية، ومآزق جديدة، لكن الخيارات الأقصى والأقسى ما زالت ناراً تحت الرماد.
الاحتمال الأقصى
تكمن قراءة ما الذي قد يحصل إن باشر الجيش فعلاً في “سحب السلاح” من “حزب الله” في تجربتين: الأولى قريبة تتعلق بـ”سلاح المخيمات” والثانية جرت قبل نحو 17 عاماً، وصارت تُعرف بأحداث “7 أيار” عام 2008.
ويوم أمس شهد مخيم “برج البراجنة” في لبنان اشتباكات مسلحة ذات طابع عائلي، كان يمكن أن تكون حدثاً عابراً (رغم استخدام سلاح متوسط)، لولا أن الجيش اللبناني كان أعلن قبل نحو أسبوع أنه أنهى “سحب السلاح” من المخيم، ونشر صوراً توثق ذلك؛ وهو ما أثار تساؤلات عن السلاح المتفلت، وعن جدوى عمليات الجيش، وعن قدراته في تحقيق خطة “حصر السلاح”، خاصة أن هناك مخيمات فلسطينية أخرى، مثل عين الحلوة، لن يكون تسليم السلاح فيها سلساً.
أما التجربة الأخرى، والسيناريو الأخطر الذي يهدد لبنان، فهما ما سبق أن عاشتهما البلاد حين دخلت الحكومة في مواجهة مع “حزب الله” بعد قرار اتخذته، ويقضي بمصادرة “شبكة اتصالات” الحزب؛ وهو ما أشعل مواجهة عاشتها مناطق في لبنان، وكان أبرزها ما شهدته بيروت فيما صار يعرف بـ”أحداث 7 أيار”. وكانت تلك الأحداث هي أعنف اشتباكات شهدها لبنان منذ الحرب الأهلية (التي انتهت عام 1990).
ولم تستطع حكومة فؤاد السنيورة آنذاك، أن تفرض قرارها، وأمام القوة التي شهدتها مناطق بيروت، والجبل، قررت سحب القرار، (إضافة إلى قرار آخر كان يقضي بإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت).
وباعتبار التغيرات العميقة والجذرية، محلياً وإقليمياً ودولياً، يمكن القول إن حكومة لبنان لن تتراجع هذه المرة عن قرارها، كما أن الدلائل لا تشير إلى أن “حزب الله” سيسلم سلاحه؛ وهو ما يضع لبنان على شفا صراع داخلي آخر، قد تكون له استطالات إقليمية، إن لم تظهر مبادرة تحقق المعادلة اللبنانية المتوارثة “لا غالب ولا مغلوب”.
لبنان يواجه “لحظة مفصلية” مع طرح الجيش خطته لنزع سلاح حزب الله وسط ضغوط أمريكية متصاعدة
وكان الجيش اللبناني،قدم الجمعة، خطة لنزع سلاح حزب الله، أقوى قوة عسكرية في البلاد، إلى الحكومة، في خطوة غير مسبوقة من شأنها إشعال صراع داخلي.
وكانت الحكومة اللبنانية، التي تتعرض لضغوطٍ أمريكية وإقليمية مكثفة لنزع سلاح الميليشيا القوية المدعومة من إيران، قد طلبت من الجيش تقديم خطته بحلول أوائل اوت على الرغم من رفض حزب الله وحلفائه.
وخلال اجتماعٍ لمجلس الوزراء، الجمعة، انسحب 5 وزراء من حزب الله وحركة أمل المتحالفة معه، بينما بدأت الحكومة مناقشة الخطة، حسبما أفادت وكالة الأنباء الوطنية اللبنانية.
وعلى الرغم من إضعافه بشكل كبير من جانب إسرائيل خلال العامين الماضيين، يظل حزب الله أقوى جماعة مسلحة في لبنان، ويتمتع بقاعدة دعم كبيرة بين الطائفة الشيعية الكبيرة في البلاد. ويحذر مراقبون من أن أي محاولة لنزع سلاح الحزب بالقوة تهدد بإغراق البلاد في صراع أهلي.
وبينما لا تزال تفاصيل خطة الجيش اللبناني غير واضحة، قالت الحكومة في وقت سابق، إن جميع الأسلحة التي بحوزة الميليشيات يجب أن تكون تحت سيطرة الدولة بحلول نهاية العام الجاري.
وقال مسؤول لبناني رفيع المستوى لشبكة CNN، الجمعة، قبل عرض الخطة: “هذه لحظة مفصلية للغاية. الهدف هو أن يتم تسليم (الأسلحة) بنهاية العام، أو أن يبدأ على الأقل بنهاية العام”.
وإلى جانب كونه جماعة مسلحة، يعمل حزب الله أيضا كحزب سياسي له نواب في المجلس التشريعي، وذراع للخدمات الاجتماعية يخدم العديد من دوائره الانتخابية، وبخاصة في جنوب البلاد. وقد أصر بعض معارضي حزب الله على حل جناحه المسلح والعمل كحزب سياسي فقط.
وبعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، وسّع حزب الله نفوذه في الساحة السياسية والمجتمعية من خلال الحفاظ على سلاحه – وعلى عكس الميليشيات الأخرى، تم إعفاؤه من نزع السلاح بموجب اتفاق الطائف نظرًا لدوره في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
وتعرض لبنان للدمار جراء صراعٍ استمر عاما بين حزب الله وإسرائيل، اندلع بسبب دعم الحزب لحركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وأدت الضربات الإسرائيلية إلى إضعاف حزب الله بشدة – وبلغت ذروتها باغتيال زعيمه، حسن نصرالله- وتقليص نفوذ الجماعة بشكل كبير على الصعيد المحلي.
وكان من المفترض أن يؤدي وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة العام الماضي إلى وقف هجمات إسرائيل على لبنان، لكن الضربات شبه اليومية التي تشنها إسرائيل واحتلالها لخمسة مواقع في جنوب لبنان عززت رفض حزب الله لنزع سلاحه – مما يزيد من احتمال وقوع صدام مع الجيش إذا تحرك لحل الجماعة.
الهجمات الإسرائيلية تعيق جهود نزع سلاح حزب الله
واتهم أنصار حزب الله، الحكومة اللبنانية، بقيادة الرئيس السابق لمحكمة العدل الدولية نواف سلام، بالخيانة لرضوخها للمطالب الأمريكية بنزع سلاح الجماعة مع استمرار بقاء القوات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية. لكن معارضي حزب الله يلومون الجماعة على جر البلاد إلى حرب مع إسرائيل، وانتقدوا قيادتها لفشلها في الوفاء بوعودها بحماية البلاد.
واستغلّ المبعوثان الأمريكيان توم باراك ومورغان أورتاغوس، اللذان عينهما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حالة الضعف لدى حزب الله، من أجل إطلاق دبلوماسية مكوكية تهدف إلى التفاوض على أطر عمل بين لبنان وإسرائيل، تتمحور حول نزع سلاح حزب الله وانسحاب إسرائيل من لبنان. ويبدو أنهما يدركان المخاطر التي ينطوي عليها الوضع.
وقال توم باراك للصحفيين خلال زيارة إلى بيروت الشهر الماضي: “ستعود القوات المسلحة اللبنانية والحكومة بخطة تقول: (مقترحنا لحزب الله هو كيفية نزع سلاحه)، وهو ليس بالضرورة عسكريا – فهم لا يتحدثون عن خوض حرب، بل عن كيفية إقناع حزب الله بالتخلي عن تلك الأسلحة”.
وقال باراك آنذاك إن خطة الجيش هي جزء من عملية تتكون من 11 خطوة تعهدت الحكومة اللبنانية بإكمالها.
وقدم المسؤولون الأمريكيون واللبنانيون تفاصيل قليلة حول كيفية تصورهم لإقناع حزب الله بنزع سلاحه بشكل طوعي.
وحذر المسؤول اللبناني الكبير من أن استمرار الضربات الإسرائيلية على لبنان يعيق جهود الحكومة لنزع سلاح الجماعة.
وقال المسؤول: “طالما أن إسرائيل تحتفظ بمواقع عسكرية داخل الأراضي اللبنانية وتقصف المنطقة الحدودية بأكملها حتى تدمر جميع المنازل والحقول والمحاصيل وكلّ أشكال الحياة، سيواصل حزب الله القول إن أسلحته للدفاع عن نفسه وعن البلاد”. وأضاف: “من المهم لهم (إسرائيل) أن يخرجوا من هنا”.
وكان مسؤولون إسرائيليون قالوا في وقت سابق، إن القوات في لبنان ستبقى هناك “إلى أجل غير مسمى”، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال الأسبوع الماضي إن الجيش سيبدأ انسحابا تدريجيا من لبنان إذا قام الجيش اللبناني بنزع سلاح حزب الله.




