عام مضى منذ رحيلك سي خميس..
بقلم منية العرفاوي

في زمن قلّ فيه الوفاء وأصبح الاعتراف بالفضل عملة نادرة، كتبت منية العرفاوي نصا بأحرف من العرفان والحب عن الصحفي خميس الخياطي في الذكرى الأولى لرحيله(18جوان2024)
لا أصدّق ان الايام ركضت بهذه السرعة.. وكأن ما حدث حدث بالامس..يومها لم أصدّق وعجزت تماما على كتابة حتى كلمة في وداعك…
اختنقت الكلمات في حنجرتي ورفضت ان تتحوّل الى حبر..انا هكذا افشل عاطفيا في التفاعل مع بعض الاحداث و افشل في التعبير عما اشعر به.. هربت الى الصمت وقتها .. بدا لي الامر مباغتا، ولم اتخيّل ان تغيب هكذا عن المشهد وترتجل بسرعة اللقطة الاخيرة في روايتك الخاصة..
كان ارتجالا أحزننا وترك فراغات كبيرة في غيابك.. لم تعد شوارع لافيات تبتسم كالعادة.. لم اعد ابتسم كما كنت وانا ألمحك قادما من بعيد تسبقك ابتسامتك التي لا تغيب ابدا عن وجهك..
ولد خميس الخياطي في منطقة القصور في ولاية الكاف التونسية في 10 ديسمبر 1946، وهو من أبرز نقاد السينما في تونس حيث انطلقت مسيرته في سبعينيات القرن الماضي، من خلال نوادي السينما التي كانت النواة الأولى للسينما التونسية، ليكون واحداً من الذين شهدوا انطلاقة أيام قرطاج السينمائية عام 1966 ومن أبرز الفاعلين فيها.
درس الخياطي في الجامعة التونسية، قبل الانتقال إلى فرنسا لدراسة علم الاجتماع وإعداد رسالة دكتوراه حول سينما المخرج المصري صلاح أبو سيف (1915 ــ 1996). وقد كانت للخياطي علاقات مع أبرز نجوم السينما المصرية والعالمية، وكان عضواً في لجان اختيار أفلام مهرجان كان السينمائي، وكرم في عدد من المهرجانات السينمائية منها أيام قرطاج السينمائية عام 2021.
كل مرّة أكون في لافيات كنت اراك في الغياب.. ابحث عنك بعيني في المقاهي التي اعتدت الجلوس فيها رغم يقيني انك لن تأتي مرة اخرى.. لم تعد لي ذاكرة جيدة في السنوات الاخيرة وبتّ انسى بسرعة ولكن لم انس ابدا احاديثنا المشتركة..
اكتشفت ان كل لقاءاتنا كانت محكومة بالصدفة ولم نبرمج يوما أي لقاء.. ولكن ما اذكره بشكل خاص وبكل تفاصيله هو بدايتي المهنية معك في القسم الثقافي بجريدة الصباح التي كنت تشرف عليه في 2009.. يومها راهنت على تلك الصحافية المبتدئة بكل قوة.. دفعت بي الى خوض التجربة في عمقها دون تردّد وكانت مسؤولية تغطية كواليس ايام قرطاج المسرحية تلك السنة تحتاج إلى خبرة كبيرة لم اكن املكها ولكنك جازفت بي.. لم انس عصبيتك عندما اخبرك اني لم اعد اتحمل ولا استطيع مجاراة النسق او عندما اخبرك اني ساكون صحافية فاشلة في المستقبل.. كنت تنظر لي بغضب وتقول “من يعتقد انه سيفشل اكيد سينجح في النهاية”.. طلبت مني وقتها محاورة نجوم لم اكن افكر حتى في الاقتراب منهم وكنت تمهّد لي الطريق من بعيد وعندما افعلها.. كان ما احببته ابتسامة الرضا تلك التي اراها على وجهك.. لم انس سي خميس تلك الفترة التي كنت فيها “عرفي”.. لم انساها ابدا.. لا مهنيا ولا انسانيا عندما كنت تحاول حمايتي بكل ما تستطيع من” الشرّ المحيط” ..عندما حميتني ممن عمل بجدّ من أجل طردي.. حميتني ايضا من نفسي وانا احكم عليها بالفشل.. واكثر ما اندم عليه اليوم اني لم اخبرك كم انا ممتنة لك ومدينة
.. لم اخبرك ماذا تعلّمت منك في هذه الحياة.. ولم اخبرك اني قبل ان اعرفك واشتغل معك كنت السبب الرئيسي في عشقي للسينما وشغفي الكبير بها الذي بدأ عندما كنت اتسمّر امام التلفزيون لمشاهدة برامجك..
كنّا كلما التقينا افكّر بأن اخبرك ولكن كنت اشعر ببعض الخجل ويأخذنا الحديث كالعادة الى عوالم بعيدة، سينما، تاريخ، سياسة، مسرح الخ.. كنت احب الاستماع الى ما تقول وكنت اراك ملهما في مسيرتك وافكارك وشغفك بعملك والسينما والاسلوب الذي عشت به حياتك.. اعتقد دائما ان الحياة احبتك بقدر ما احببتها ومنحتك ما لم تمنحه لغيرك.. عشتها كما تريد واستمتعت بها.. كنت مختلفا ولا تشبه الا نفسك وكنت استثناء جميلا بكل المقاييس!
اعرف اني تأخرت جدا في كتابك اليك وعليك سي خميس ولكن كنت احتاج لوقت حتى استوعب انك رحلت.. اليوم انا اريد ان اقول لك :شكرا سي خميس لأنك كنت موجودا في هذه الحياة.. شكرا للقدر الذي منحني الفرصة حتى التقيك وازامنك.. وثق تماما اني لن انساك ابدا و اني احفظ نصائحك كلها واحاول دائما ان اصلح من نفسي.. احاول ان لا اكون فاشلة!
الله يرحمك سي خميس وينعمّك.
*منية العرفاوي
صحفية ومدربة مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان.
صدر لها ”النساء والإرهاب، دراسة جندرية“ عن دار مسكيلياني للنشر والتوزيع
بالاشتراك مع امال قرامي

