الموت في المطار

صيحة فزع بقلم الصحفية فائزة الماجري

لا أتمالك نفسي عن التفاعل مع ما حدث مؤخراً في مطار تونس–قرطاج الدولي. فهو أكثر من أن يكون حادثا طبيّا عابرا؛ إنه فضيحة تكشف انهيار منظومة التكفّل بالمصابين، ولا مبالاة السلطات إزاء أبسط وجوه التقصير.
الوقائع بسيطة ومروّعة. سليم بن صالحمطار تونس قرطاج، طبيب تعرّض لأزمة قلبية حادّة داخل حرم المطار نفسه. حاولت ابنته، وهي طبيبة أيضاً، إنقاذه، لكنها وجدت نفسها عاجزة تماماً أمام غياب كل وسائل الإسعاف: لا يوجد طبيب ولا توجد أدوية للتدخل العاجل، لا يوجد جهاز صدمات كهربائية يمكن استخدامه، لا معدات إنعاش، ولا أي بروتوكول عملي للتدخّل. كما تأخرت عملية نقله إلى المستشفى وتعطلت. توفي سليم بن صالح على عين المكان، لا بسبب المرض، بل بسبب تقاعس المنظومة الموكل إليها حماية المواطنين.
إذا لم يكن ممكنا التكفل على الوجه الصحيح حتى بطبيب في موقع استراتيجي كهذا، فلا أحد من المواطنين في مأمن. هذه المأساة ليست قدراً محتوماً، بل هي دليل على الانهيار الكامل لمنظومة التدخل العاجل في حالات الطوارئ داخل الفضاءات العامة، وعلى غياب المسؤولية المؤسسية.
لنتخيل للحظة، لو كان الضحية سائحاً أجنبياً. لكانت التعبئة فورية: بيانات رسمية، اعتذارات، تدخلات، وظهور إعلامي مكثف. لكن لأن الضحية كان مواطناً تونسياً، سادت اللامبالاة، وصمتت السلطات، صمتا ثقيلا متواطئا. هذا الكيل بمكيالين حقيقة قاسية: ففي هذا البلد، تأتي حياة المواطن في مرتبة ثانية بعد الحفاظ على الصورة. وهذا الإنكار بحد ذاته فضيحة.
أوجّه اليوم نداءً رسمياً إلى جميع الأطباء الذين عملتُ معهم بوصفي صحفية، وإلى من حاورتهم على مرّ السنين عبر أثير إذاعة تونس الدولية، وإلى المجتمع الطبي التونسي عموماً. صمتكم، من حيث لا تشعرون، يحمي منظومة معطوبة. أما كلمتكم، فيمكن أن تنقذ أرواحاً. ما حدث في مطار تونس–قرطاج ليس خبراً عابراً، بل دليل على أن آليات الحماية معطّلة، وأن الدولة تتخلى عن مسؤوليتها، وأن الإفلات من العقاب يسود. عندما تفشل المؤسسة وتصمت الدولة، يصبح من واجب الضمائر المهنية أن ترفض النسيان وأن تقول الحقيقة.
اليوم، لم يعد الأمر مجرد بكاء على حياة فُقدت. بل هو دعوة لإيقاظ الضمائر، ولمساءلة المسؤولين، وللتذكير بأن كرامة الدولة تُقاس بمدى الحماية التي توفرها لمواطنيها. إن صمت السلطات أمام هذه المأساة خيانة لهذه المسؤولية الأساسية. وهذا الصمت، وهذه اللامبالاة، ما يستوجب التنديد بأقصى درجات الحزم.

زر الذهاب إلى الأعلى