نشر البيت الأبيض مقطع فيديو، الأربعاء، يُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب وهو يوقّع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، قبيل مأدبة عشاء في قصر فرساي بفرنسا استضافها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فيما عرضت وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا) صورة للحظة توقيع الرئيس مسعود بيزشكيان للاتفاق.
وقال نائب كبير موظفي البيت الأبيض، دان سكافينو، في منشور عبر منصة “إكس”، إن ترمب وقّع “مذكرة التفاهم الإيرانية” فور تسلّم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الوثيقة.
وكتب سكافينو: “قبيل عشاء هذا المساء في فرساي بفرنسا، الذي استضافه الرئيس إيمانويل ماكرون، وقّع الرئيس دونالد ترمب مذكرة التفاهم، فور تسلّم الوزير روبيو لها”.
وأظهر الفيديو ترمب جالساً إلى طاولة وبجواره ماكرون روبيو وعدد من المسؤولين الأميركيين والفرنسيين أثناء توقيع الوثيقة.
وقال روبيو خلال المقطع: “لحظة محورية للغاية في التاريخ نتشاركها معاً”، فيما ذكر ماكرون: “عمل جيد وعظيم”.
كما نشرت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) صورتين، الأولى للحظة توقيع الرئيس مسعود بيزشكيان على مذكرة التفاهم، والثانية وهو يرفعها ليظهر توقيعه بجانب توقيع نظيره الأميركي دونالد ترمب.
الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان عقب توقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة – إرنا
وذكر موقع “أكسيوس”، الأربعاء، أن التوقيع كان مقرراً في الأصل خلال مراسم تعقد في سويسرا، الجمعة، إلا أن مصدراً دبلوماسياً من إحدى الدول الوسيطة ومصدراً آخر أشارا إلى وجود مناقشات لتسريع موعد التوقيع وبدء تنفيذ الاتفاق قبل ذلك.بدء التنفيذ
وأعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الأربعاء، توقيع رئيسي الولايات المتحدة دونالد ترمب وإيران مسعود بيزشكيان إلكترونياً على “مذكرة تفاهم إسلام آباد”، وأشار إلى أنه وقع عليها بصفته وسيطاً.وقال شريف، في منشور على منصة “إكس”، إن التوقيع على المذكرة “على أعلى مستوى من الحكومتين” يعكس التزام الجانبين بالتوصل إلى حل دبلوماسي للنزاع.
وأضاف أن مذكرة التفاهم دخلت حيز التنفيذ فوراً، موضحاً أنه “كخطوة أولى، ستعيد إيران فتح مضيق هرمز على الفور، فيما سترفع الولايات المتحدة الحصار البحري فوراً”.وقال إن مذكرة التفاهم “يجب أن تشكل أساساً دائماً لمزيد من التفاهم والاحترام المتبادل والازدهار المشترك في المنطقة بأكملها”.
نص مذكرة التفاهم بين أميركا وإيرانوأعلن مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية خلال إحاطة للصحافيين الأربعاء، النص الكامل لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، والمؤلفة من 14 بنداً والمقرر توقيعها رسمياً في سويسرا خلال اليومين المقبلين.
ووفقاً للمسؤول الأميركي تنص مذكرة التفاهم على إنهاء الحرب، والدعوة إلى فتح مضيق هرمز ورفع الحصار الأميركي، وإطلاق مفاوضات نووية لمدة 60 يوماً، وتعليق العقوبات بما يسمح لإيران ببيع النفط خلال هذه الفترة، إضافة إلى حوافز اقتصادية ضخمة حال توقيع اتفاق نووي نهائي.
وذكر مسؤول أميركي أن مذكرة التفاهم “لم يطرأ عليها أي تعديل منذ توقيعها إلكترونياً، الأحد”، لافتاً إلى أن نصها الحالي يُعد نهائياً، وفقاً لـ”أسوشيتد برس”.وأضاف المسؤول أن “الجانبين لا يزال بإمكانهما الانسحاب من التفاهم في أي وقت قبل التوصل إلى اتفاق نهائي، وهو ما يسعيان إلى تحقيقه خلال فترة تمتد 60 يوماً”.
وفيما يلي النص الكامل لمذكرة (تفاهم إسلام آباد) بين واشنطن وطهران:
نص مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران
1. تعلن الولايات المتحدة وإيران وحلفاؤهما في الحرب الحالية، من خلال توقيع هذه المذكرة، الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وتتعهدان من الآن فصاعداً بعدم الشروع في أي حرب أو عملية عسكرية ضد بعضهما البعض، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد الطرف الآخر، وضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته.
وسيؤكد الاتفاق النهائي الإنهاء الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، إلى جانب الأحكام الأخرى الواردة في هذه الفقرة.
2. تتعهد الولايات المتحدة وإيران باحترام سيادة كل منهما ووحدة أراضيه، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر.
3. تلتزم الولايات المتحدة وإيران بالتفاوض والتوصل إلى اتفاق نهائي خلال مدة أقصاها 60 يوماً، قابلة للتمديد بموافقة متبادلة.
4. فور توقيع هذه المذكرة، ستبدأ الولايات المتحدة برفع حصارها البحري وأي إجراءات أو عوائق تفرضها على إيران، وستنهي الحصار البحري بالكامل خلال 30 يوماً.وخلال هذه الفترة، ستتم إعادة حركة الملاحة البحرية تدريجياً إلى مستويات ما قبل الحرب من قبل إيران.كما تتعهد الولايات المتحدة بسحب قواتها من محيط إيران خلال 30 يوماً من إبرام الاتفاق النهائي.
5. عند توقيع هذه المذكرة، ستبذل إيران قصارى جهدها لضمان المرور الآمن للسفن التجارية، من دون أي رسوم ولمدة 60 يوماً فقط، بين الخليج العربي وبحر عُمان وبالعكس.
وستبدأ حركة السفن التجارية فوراً، على أن تُستكمل بالكامل خلال 30 يوماً، مع الأخذ في الاعتبار الحاجة إلى إزالة العوائق التقنية والعسكرية وعمليات إزالة الألغام التي ستنفذها إيران.كما ستجري إيران حواراً مع سلطنة عُمان لتحديد آليات الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بالتشاور مع الدول المطلة الأخرى على الخليج العربي، وبما يتوافق مع القانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية للدول الساحلية المطلة على المضيق.
6. تتعهد الولايات المتحدة، بالتعاون مع شركائها الإقليميين، بوضع خطة نهائية ومتفق عليها لإعادة إعمار إيران وتنميتها اقتصادياً، بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار.وسيتم استكمال آلية تنفيذ هذه الخطة ضمن الاتفاق النهائي خلال 60 يوماً.
كما ستمنح الولايات المتحدة جميع التراخيص والاستثناءات والأذونات اللازمة لإتمام المعاملات المالية ذات الصلة.
7. تتعهد الولايات المتحدة بإنهاء جميع أنواع العقوبات المفروضة على إيران، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وقرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجميع العقوبات الأميركية الأحادية، الأولية والثانوية، وفق جدول زمني متفق عليه ضمن الاتفاق النهائي.
وتقر إيران والولايات المتحدة بالأهمية الجوهرية لقضية رفع العقوبات المذكورة أعلاه، وتعربان عن نيتهما معالجة هذه القضايا فوراً خلال المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق متبادل بشأنها.
8. تؤكد إيران مجدداً أنها لن تسعى إلى حيازة أو تطوير أسلحة نووية.واتفقت الولايات المتحدة وإيران على معالجة مسألة المواد المخصبة المخزنة وفق آلية يتم الاتفاق عليها بشكل متبادل، ووفق الجدول الزمني المشار إليه في الفقرة السابعة، على أن يكون الحد الأدنى للإجراء هو تخفيض نسبة التخصيب داخل المواقع النووية وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
كما اتفق الطرفان على مناقشة قضية التخصيب وغيرها من القضايا المتفق عليها والمتعلقة بالاحتياجات النووية الإيرانية، استناداً إلى إطار مرضٍ يتم الاتفاق عليه ضمن الاتفاق النهائي.
وسيؤكد الاتفاق النهائي أحكام هذه الفقرة.كما يقر الطرفان بالأهمية البالغة للقضايا النووية المذكورة أعلاه ويعربان عن عزمهما على معالجتها فوراً خلال المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق متبادل بشأنها.
9. إلى حين التوصل إلى الاتفاق النهائي، تتفق الولايات المتحدة وإيران على الحفاظ على الوضع القائم.وستحافظ إيران على الوضع الحالي لبرنامجها النووي، بينما تمتنع الولايات المتحدة عن فرض أي عقوبات جديدة أو نشر قوات إضافية في المنطقة.
10. تتعهد الولايات المتحدة بأنه فور توقيع هذه المذكرة وحتى إنهاء العقوبات، ستصدر وزارة الخزانة الأميركية إعفاءات تسمح بتصدير النفط الخام الإيراني والمنتجات النفطية ومشتقاتها، وجميع الخدمات المرتبطة بذلك، بما في ذلك المعاملات المصرفية والتأمين والنقل وغيرها.
11. تتعهد الولايات المتحدة بإتاحة الأموال والأصول الإيرانية المجمدة أو المقيدة للاستخدام الكامل فور بدء تنفيذ هذه المذكرة.وسيتفق الطرفان على الإجراءات المتعلقة بالإفراج عن هذه الأموال خلال المفاوضات.وتكون هذه الأموال، سواء بقيت في حساباتها الأصلية أو تم تحويلها، متاحة بالكامل للاستخدام في الدفع لأي مستفيد نهائي يحدده البنك المركزي الإيراني. كما تتعهد الولايات المتحدة بإصدار جميع التراخيص والتصاريح اللازمة لذلك.
12. تتفق الولايات المتحدة وإيران على إنشاء آلية تنفيذية لمراقبة التطبيق الناجح لهذه المذكرة وضمان الالتزام المستقبلي بالاتفاق النهائي.
13. بعد توقيع هذه المذكرة، وبشرط البدء بتنفيذ الفقرات (1) و(4) و(5) و(10) و(11) منها، واستمرار تنفيذ هذه الإجراءات، ستبدأ الولايات المتحدة وإيران مفاوضات الاتفاق النهائي حصراً بشأن الفقرات الأخرى.
14. سيتم اعتماد الاتفاق النهائي بموجب قرار ملزم يصدر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
بعد “مذكرة التفاهم”.. قضايا تنتظر التسوية في مفاوضات واشنطن وطهران المستقبلية
لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تصور الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومضيق هرمز في طهران. 17 ماي 2026 – Reuters
تتجه الوفود الدبلوماسية الأميركية والإيرانية إلى سويسرا، الجمعة، لإجراء محادثات أولية بشأن آليات تنفيذ اتفاق حرب إيران. فبعد أربعة أشهر من حرب مدمرة عطلت تدفقات الطاقة العالمية ومعها الاقتصاد العالمي واختبرت متانة التحالفات الإقليمية، يسعى الخصمان إلى تحقيق انفراجة دبلوماسية طال انتظارها.
وتعد “مذكرة التفاهم” التي وقعها الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والإيراني مسعود بيزشكيان، مساء الأربعاء، أساساً لمفاوضات حاسمة تستمر 60 يوماً، لتحويل وقف الأعمال العسكرية، إلى معاهدة شاملة ودائمة.
ورغم أن هذه المذكرة تشكل اختراقاً دبلوماسياً حقيقياً، إلا أنها تفتح الباب أمام شكوك وتحديات جديدة.“هوة” برنامج إيران النوويشنت الولايات المتحدة ومعها إسرائيل الحرب على إيران، بمبرر تحييد طموحات طهران النووية بشكل دائم، وبينما جرى التذكير في “مذكرة التفاهم” بالتزام إيران المتجدد بعدم تطوير أو الحصول على سلاح نووي، إلا أنها تبقى ضمن الخطاب الرسمي الذي لطالما سوقته إيران بشكل متكرر، إذ أكدت بشكل متكرر أن برنامجها النووي المثير للجدل هو لأغراض مدنية بحتة.
وتُشكل “مذكرة التفاهم”، ومعها الاتفاق النهائي المرتقب، الإطار العملي للآليات الفعلية التي يمكن من خلالها تفكيك أو إيقاف البرنامج النووي بشكل دائم، وهي النقطة التي لطالما واجهت جموداً خلال المفاوضات السابقة.
ويعد مخزون إيران المتراكم من اليورانيوم عالي التخصيب، من أبرز النقاط التي تسعى واشنطن وطهران إلى تسويتها خلال المفاوضات المرتقبة، وفي هذه النقطة، طرحت الولايات المتحدة خيارين: شحن هذه المواد بالكامل إلى خارج الأراضي الإيرانية إلى دولة ثالثة، أو تدميرها بالكامل داخل إيران تحت إشراف دولي.
وتعارض طهران هذا المطلب بشكل قاطع، إذ تنظر إلى مخزونها من اليورانيوم كإنجاز وشبكة أمان جيوسياسية، وبدلاً من ذلك، تلمح إلى استعداد محتمل لتخفيف تركيز اليورانيوم إلى مستويات تخصيب أقل، وهي عملية تُغير من فائدته المباشرة، لكنها تُبقي على المادة الأساسية والبنية التحتية للتخصيب داخل البلاد.
وإلى جانب المخزون الحالي، تبرز قضية أكثر إثارة للجدل، وهي قدرات التخصيب المستقبلية.
تاريخياً، طالب الجانب الأميركي بعدم تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية نهائياً. في المقابل، تعتبر إيران حقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض الطاقة المدنية والطبية ركيزة أساسية غير قابلة للتفاوض في سيادتها الوطنية.
ومما يعمق الخلاف، مسألة التحقق، وهي إشكالية تقنية بأبعاد سياسية، إذ يتعين التوصل إلى صيغة مراقبة دقيقة، تتيح الوصول الآني والكامل للبنية النووية الإيرانية. وفي الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في عام 2015، كان المعيار هو عمليات التفتيش الدولية التي كانت تجريها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي كانت تتيح عمليات تفتيش شاملة ومفاجئة، لكن منذ انسحاب إدارة ترمب بشكل أحادي من الاتفاق في عام 2018، رفضت طهران العودة إلى هذا التفاهم، وأصبحت ترى فيه ثغرة تتيح للغرب التجسس، ومن المستبعد أن تقبل به إيران الآن، خصوصاً بعد أربعة أشهر من المواجهة العسكرية المباشرة.إعادة فتح مضيق هرمز
على خلاف البرنامج النووي الإيراني الذي يُعتبر مسألة استراتيجية طويلة الأمد، فإن وضع مضيق هرمز، يظل بؤرة التوتر الاقتصادي الأكثر إلحاحاً، بعد اندلاع حرب إيران في 28 فبفري الماضي، إذ أغلقت إيران فعلياً هذا الممر الحيوي في سلسلة إمداد السلع والطاقة على الخصوص، مما دفع الأسعار إلى الارتفاع بشكل سريع وعنيف.
وبموجب “مذكرة التفاهم” التي جرى التوصل إليها، من المفترض إعادة فتح المضيق، الذي يمر عبره عادة نحو خُمس إمدادات العالم من الطاقة. ومع ذلك، فإن شركات الشحن البحري وشركات التأمين أبدت حذراً شديداً، في غياب الضمانات الأمنية الكافية على المدى الطويل، كما أن الإطار القانوني والتشغيلي للمضيق لا يزال موضع جدل وخلاف.
تُصرّ الولايات المتحدة على ضرورة أن يعمل مضيق هرمز كممرّ مائي دولي مفتوح تماماً، دون أيّ عوائق، وخاضع لقوانين حرية الملاحة العالمية. إلا أن إيران أدركت النفوذ الجيوسياسي الهائل الذي تتمتّع به من خلال سيطرتها الفعلية على المضيق. وبعد أن أثبتت قدرتها على خنق نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية، لا يبدو أن طهران تنوي العودة إلى الوضع السابق لما قبل الحرب.
وهنا يصطدم الموقف الإيراني الذي يصر على دور دائم في إدارة وتنظيم الشؤون البحرية داخل المضيق، مع التفسيرات الغربية للقانون الدولي.
وعمقت “مذكرة التفاهم” المؤقتة، في بندها الخامس، من حالة عدم اليقين، إذ نصت على أن إيران “ستجري حواراً مع سلطنة عُمان لتحديد آليات الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بالتشاور مع الدول المطلة الأخرى على الخليج العربي، وبما يتوافق مع القانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية للدول الساحلية المطلة على المضيق”، وهي الصياغة التي تترك الباب مفتوحاً لتبني أي من المقاربتين.
“معضلة” الـ300 مليار دولار
يعد التمويل الدولي الذي لن تقل قيمته عن 300 مليار دولار، والذي سيخصص للتنمية الاقتصادية وإعادة إعمار إيران، نقطة خلاف رئيسية أخرى تسعى المفاوضات المستقبلية لتسويتها، بعد توقيع اتفاق إنهاء الحرب.
وفي هذا السابق، سارعت إدارة ترمب إلى طمأنة دافعي الضرائب الأميركيين بأن الأموال العامة لن تُستخدم فيه. وصرح ترمب للصحافيين في قمة مجموعة السبع، خلال تصريحات نقلتها “رويترز”، قائلاً: “بالمناسبة، نحن لا نستثمر أي أموال في إيران”.
ووفقاً لمصادر “رويترز”، سيتم تمويل الصندوق بالكامل من خلال التزامات شركات خاصة تمتد عبر الولايات المتحدة ودول الخليج العربي وآسيا وأميركا الجنوبية، مع التركيز بشكل صارم على الخدمات اللوجستية التجارية والنقل والتصنيع.
وانطلق هذا النقاش من التحدي المباشر الذي يواجه التمويل من حيث كيفية تقديمه للجمهور المحلي في كل من واشنطن وطهران.
فقد أشعلت الصياغة الواردة في “مذكرة التفاهم”، والتي تربط الولايات المتحدة بـ”إعادة إعمار” إيران، عاصفة سياسية في الكونجرس.وانتقد السيناتور الجمهوري بيل كاسيدي، الاتفاق المؤقت بشدة، واصفاً إياه بأنه “أسوأ خطأ في السياسة الخارجية منذ عقود”، محذراً صراحةً من أن “إيران ستتمكن من بناء بنية تحتية جديدة تماماً بموجب هذا الاتفاق”، في وقت لا يزال فيه سلوكها الإقليمي غير مثبت.
ويتمثل التحدي المباشر الذي يواجه الصندوق، في كيفية تقديمه للجمهور المحلي في واشنطن وطهران. فمن جهة، تسوق له طهران على أنه صندوق لـ”إعادة إعمار” البلاد وإصلاح الأضرار الناجمة عن الضربات الأميركية والإسرائيلية، وهو طرح يرفضه الداخل الأميركي، ومن جهة أخرى تشدد الولايات المتحدة على أنه تمويل من القطاع الخاص، وسيعمل بمثابة حافز لإيران في هذه “الصفقة”.ومن هنا، تُطرح إشكالية أخرى، فتقديمه كعملية استثمارية تجارية محضة وليس “منحة”، يعني أن الجهات والشركات المستثمرة ستنتظر عائدات على استثماراتها في مشاريع تدر أرباحاً، وستبتعد عن تمويل إصلاح البنية التحتية المدمرة من طرقات ومطارات وصافي النفط العامة، وهو ما قد يتحجج الإيرانيون بأنه سيسمح للشركات الأجنبية بشراء حصص استراتيجية في الاقتصاد الإيراني.
ومن جهة أخرى، فإن التمويل “ليس شيكاً على بياض”، بل يخضع لشروط صارمة مرتبطة بالمفاوضات الأوسع نطاقاً. وصرّح مصدر مطلع على الاتفاق لوكالة “رويترز”، بأن آلية الاستثمار لن تُنشأ رسمياً أو تُفعّل إلا بعد توقيع معاهدة سلام نهائية وشاملة في نهاية فترة الستين يوماً المحددة.
وفي تصريحات لشبكة CBS News، أوضح نائب الرئيس جي دي فانس، أن الحصول على هذا التمويل مشروط تماماً بالأداء، إذ قال: “صندوق إعادة الإعمار البالغ 300 مليار دولار… هو من النوع الذي يمكن لإيران الحصول عليه، شريطة أن تفي بالتزاماتها”.
ويخلق هذا الشرط معضلة حقيقية للمفاوضين، إذ يُطلب من الشركات الخاصة تحديد نطاق وتخطيط مشروعات ضخمة للبنية التحتية، خلال فترة الستين يوماً، في ظل التهديد المستمر بتجدد الحرب.
في المقابل، يتردد الإيرانيون في تقديم التنازلات المطلوبة دون ضمانات قاطعة بالحصول على مبلغ الـ300 مليار دولار .تضارب بشأن العقوباتلعل أبرز نقطة في التوافق الذي جرى التوصل إليه، بالنسبة لإيران على الأقل، هي مسألة رفع العقوبات.
فمن جهة إيران، ومع انتهاء المواجهة العسكرية، دون غالب أو مغلوب بالمعنى التقليدي، فإن دخول هذه المفاوضات بالدرجة الأولى كان مدفوعاً بالبحث عن إنعاش اقتصادي، شامل وآني، بعد انهيار الاقتصاد جراء سنوات من سياسة “الضغط الأقصى” والعقوبات، وتفاقمها بعد أربعة أشهر من الحرب المدمرة.
ونتيجة لذلك، تطالب إيران برفع فوري للعقوبات الأميركية، والإفراج الفوري عن عشرات المليارات من الدولارات من الأموال المجمدة في المؤسسات الدولية، وهو المسعى الذي يصطدم بالإطار الزمني الذي تمليه القيود السياسية الأميركية الداخلية، والتي تعتمد على جدول زمني مختلف.
فواشنطن ترى أن التيسير الاقتصادي يجب أن يكون تدريجياً ومتسلسلاً ومرتبطاً بشكل مباشر بالتزام إيران بمعايير محددة.
ا“مذكرة التفاهم” تنازلاً غير متوقع من الولايات المتحدة، إذ وافقت على منح طهران استثنائات فورية تسمح لها باستئناف بيع النفط في السوق الدولية، ورغم أن هذه الخطوة قد تكون بادرة تصالحية، وهدفها هو تحقيق استقرار أسواق الطاقة العالمية، إلا أنها أثارت ردود فعل عنيفة في الداخل الأميركي، إذ يُنظر إليها بمثابة تنازل قبل حتى بداية المفاوضات.
ويضع هذا الرئيس الأميركي في مأزق سياسي، وهو الذي أمضى سنوات ينتقد علناً الاتفاق النووي المبرم في عام 2015، وخصوصاً مسألة إعادة الأصول الإيرانية المجمدة كجزء من ذلك الاتفاق، وخوفاً من الانتقادات، قد يتردد ترمب في الموافقة على أي تحويلات مالية كبيرة مقدماً، لما قد يفسر على أنه علامة ضعف.
اتفاق إيران.. لماذا تراه إسرائيل إخفاقاً استراتيجياً؟
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة أمام الكنيست في حضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب. 13 أكتوبر 2025 – Reuters
وتتصاعد داخل إسرائيل الأصوات المنتقدة للاتفاق، وسط مخاوف من أن يمنح طهران متنفساً سياسياً واقتصادياً، دون ضمانات كافية بشأن ملفاتها الاستراتيجية، ما يزيد الضغوط على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مرحلة تسبق الانتخابات.إسرائيل خارج دائرة التأثيرترى الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، أن أبرز ما كشفه الاتفاق هو تراجع قدرة إسرائيل على التأثير في القرارات الأميركية المتعلقة بإيران.
فالمفاوضات جرت دون مشاركة إسرائيلية فعلية، ما عزز الشعور بأن واشنطن لم تعد تمنح الاعتراضات الإسرائيلية الوزن الذي كانت تحظى به في السابق.مكاسب اقتصادية فورية لطهرانتقدّر إسرائيل أن إيران ستحصل على فوائد اقتصادية كبيرة من خلال تخفيف العقوبات، وزيادة صادرات النفط وتدفق الاستثمارات والأموال المجمدة.وتخشى أن تسمح هذه الموارد لطهران بـ”إعادة بناء” قدراتها الاقتصادية والعسكرية و”تعزيز نفوذها الإقليمي”.
ويعتقد كثيرون في إسرائيل، أن الاتفاق لا يفرض قيوداً واضحة وفورية على برنامج إيران النووي، وأن آليات الرقابة والتفتيش والتطبيق ما زالت غير محسومة، لذلك يُنظر إلى الاتفاق على أنه يمنح إيران “الوقت والموارد” قبل معالجة جوهر المشكلة النووية.
تركز أبرز الانتقادات الإسرائيلية، على تفاهمات إنهاء حرب إيران، لا تتعامل بشكل حاسم مع برنامج الصواريخ الإيرانية، أو دعم طهران لـ”حزب الله” والفصائل الفلسطينية والحوثيين.
وترى إسرائيل أن هذه الملفات تشكل جزءاً أساسياً من “التهديد الإيراني”، ولا يمكن فصلها عن أي اتفاق.تآكل الردع الإسرائيلييُعد الاتفاق، في نظر المؤسسة الإسرائيلية، دليلاً على فشل استراتيجية الضغط التي سعت إسرائيل إلى تكريسها لسنوات. فبدلاً من زيادة الضغوط على إيران، اختارت الولايات المتحدة مسار التسوية والتفاهم، ما يُفسّر إسرائيلياً على أنه تراجع عن سياسة الردع.
أزمة ثقة مع واشنطن
أصبح الاتفاق رمزاً لاتساع الفجوة بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية. فبالنسبة لكثير من الإسرائيليين، لا تكمن المشكلة في بنود الاتفاق فقط، بل في حقيقة أن الولايات المتحدة مضت فيه رغم التحفظات الإسرائيلية.
ترمب يجدد انتقاداته لنتنياهو ويدعوه إلى “نهج أقل حدة” في لبنان
غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت. 8 أفريل 2026 – REUTERS
قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يمكنه اعتماد “نهج أقل حدة” في التعامل مع الملف اللبناني، في أحدث انتقاد علني يوجهه إلى حليفه وسط مساعٍ دولية لتثبيت وقف إطلاق النار.
وأضاف ترمب في تصريحات للصحافيين على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا، أن لديه “خلافاً بسيطاً” مع نتنياهو بشأن لبنان، مخاطباً رئيس الوزراء الإسرائيلي: “أقول لك يا بيبي، يمكنك استخدام نهج أكثر مرونة، ليس عليك نسف مبنى كلما دخله أحد عناصر حزب الله”.انتقادات متكررة لإسرائيلويقول مسؤولون أميركيون وإسرائيليون إن نتنياهو ساهم في إقناع ترمب بخوض الحرب ضد إيران، كما شاركت إسرائيل في الهجمات التي شُنت في 28 فبفري
لكن نتنياهو يؤكد أن إسرائيل غير ملزمة بأي اتفاق أميركي إيراني في حربها ضد “حزب الله”، رغم أن الأعمال العدائية في لبنان تراجعت إلى حد ما منذ أن وجّه ترمب انتقادات حادة له في وقت سابق من الأسبوع.
وذكر ترمب أنه يوافق على وصف إسرائيل بأنها “شريك صغير جداً” للولايات المتحدة، لكنه شكر نتنياهو على دوره في الصراع ضد إيران.
وأكد أيضاً أنه أرسل إلى نتنياهو نسخة من “مذكرة التفاهم” التي أبرمتها الولايات المتحدة مع إيران، نافياً بذلك تقارير أفادت بأن الإدارة الأميركية رفضت طلباً إسرائيلياً بهذا الشأن.
دعم دولي لوقف إطلاق النار
في غضون ذلك، أيّد قادة مجموعة السبع، خلال قمتهم في فرنسا، الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان ودعم المسار التفاوضي الجاري بين واشنطن وطهران.
ودعا القادة إلى وقف فوري لإطلاق النار في لبنان، فيما تنص مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية على وقف الأعمال القتالية على مختلف الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية، تمهيداً للتفاوض على ترتيبات أكثر ديمومة.
ورغم تراجع وتيرة المواجهات منذ الإعلان عن الاتفاق، فإن الأعمال القتالية لم تتوقف بالكامل، إذ أفادت وسائل إعلام لبنانية رسمية بشن غارات جوية وقصف مدفعي إسرائيلي على بلدات في جنوب لبنان، فيما تحدثت مصادر أمنية عن هجمات بطائرات مسيرة استهدفت قوات إسرائيلية في الجنوب.
وأعلنت إسرائيل لاحقاً إصابة 5 من جنودها في هجومين بطائرات مسيرة نُسبا إلى “حزب الله”.
وفي مدينة النبطية بجنوب لبنان، أدت ضربات إسرائيلية إلى تدمير مبانٍ سكنية، في وقت يحاول بعض السكان النازحين العودة إلى مناطقهم.ويأتي ذلك فيما يسعى الوسطاء إلى استثمار التفاهم الأميركي الإيراني لخفض التوتر على الجبهات الإقليمية، وفي مقدمتها لبنان، وسط مخاوف من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى تقويض الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى ترتيبات دائمة.