الأستاذ نافع العريبي: إعتصامي صرخة في وجه العبث بالسلطة القضائية

انهى المحامي نافع العريبي اعتصامه بدار المحامي الذي استمر لثلاثة ايام في حركة رمزية احتجاجا على ما آلت إليه أوضاع مرفق العدالة في البلاد في ظل استمرار تغييب المجلس الاعلى للقضاء والمحكمة الدستورية رغم تنصيص الدستور عليهما وهو دستور خطه حاكم البلاد بنفسه، وتواصل تحكم وزارة العدل في رقاب القضاة بمذكرات العمل الفوقية التي تقرر مصائر القضاة بجرة قلم

ونشر الاستاذ العريبي- الذي ذاع صيته في السنوات الاخيرة بفضل اندفاعه التلقائي للدفاع عن ضحايا محاكمات الرأي وحرية التعبير- تدوينة مطولة فسر فيها دوافع اعتصامه الذي حظي بمساندة قوية من زملائه المحامين إناثا وذكورا
وهذا نص المنشور
” انتهى الاعتصام الرمزي الذي قمت به بدار المحامي طيلة ثلاثة أيام، اعتصام لم يكن غايته الشخص بقدر ما كان صرخة في وجه العبث بالسلطة القضائية بعد أن تحولت الحركة القضائية إلى مذكرات عمل لا سند لها في الدستور ولا في القانون، وأصبحت الهيئات المنتصبة فاقدة للشرعية.
لقد وجدت هذه المبادرة صدى واسعا بين المحامين شبابا وكهولاوشيوخا من مختلف الحساسيات الفكرية الذين توحدوا حول المبدأ لا حول الشخص وأكدوا أنّ المحاماة ليست مجرد مهنة بل رسالة في الدفاع عن العدالة وشريكة في اقامة العدل.
. كما عبر عدد من القضاة عن مساندتهم ولو بخطوات حذرة رغم العتمة والخوف من التنكيل وتسليط النقل تعسفا بمذكرات العمل سيئة الذكر.
وتفاعل المواطنون بكثافة عبر شبكات التواصل الاجتماعي معتبرين أن استقلال القضاء هو معركتهم قبل أن يكون شأنا مهنيا ولا ترفا اجتماعيا من باب الكماليات.
ولم تتأخر وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية الوطنية عن تسليط الضوء على خطورة الوضع وتبني الموقف المبدئي بأن لا دولة قانون دون قضاء مستقل وشرعي.

إنّ هذا الاعتصام لم يكن نهاية بل بداية. لقد كان الحجر الذي حرك المياه الراكدة وكشف أن الصمت لم يعدد مقبولا وأن الإصلاح لم يعد خيارا مؤجلا بل أصبح غاية ملحة. فلا يمكن الحديث عن محاكمة عادلة من دون قضاء شرعي وتركيبة هيئة حكمية قانونية ولا يمكن لمحام أن يقبل الترافع أمام هيئات فاقدة للشرعية لأن ذلك يحوله من مدافع عن العدالة إلى شريك في اللاعدل. ولا استقلالية حقيقية للقضاة إذا ظلّوا عرضة للنقل والإعفاء بمذكرات العمل ولا ضمانات للدفاع إذا كان القضاء مشلولافي غياب مجلسه الأعلى المؤقت أو الدائم .
كما أنّ حق المتقاضين في علنية وشفافية المحاكمات يفقد كل معنى إذا لم يكن القضاء مستقلا يعلن أحكامه باسم الشعب وتنفذ في إطار القانون.
إنّ مقومات المحاكمة العادلة التي يضمنها دستور 2022 وينص عليها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ومواثيق حقوق الإنسان، لن تتحقق إلا عبر تركيز مجلس أعلى للقضاء شرعي وفعال كسلطة دستورية ضامنة للاستقلالية وإصلاح ما أفسدته مذكرات العمل وإلغاء كل التعيينات المخالفة للدستور والقانون وتكريس الأمان القانوني والقضائي بما يضمن للمواطن أن يحاكم أمام قاض مستقل لا سلطان عليه إلا القانون وامام محكمة محدثة طبقا للقانون .
هذا الاعتصام يضع الهياكل الجديدة للمحاماة بعد انتخابها في الأسابيع القليلة المقبلةأمام مسؤولية تاريخية:
إما أن تنحاز لرسالة المحاماة في حماية الحقوق والحريات بفرض عودة الشرعية القضائية أو تتحمل وزر التواطؤ مع منظومة اللاعدل. فالمحاماة شريك في إقامة العدل وأي تراخ في هذا الدور يجعلها شريكة في الانحراف بل وفي الجريمة.
إنقاذ القضاء هو إنقاذ للمحاماة ولتونس والدفاع عن استقلاليته ليس خيارا سياسيا بل واجب وطني وحقوقي وأخلاقي.
#الشرعية_القضائية_أمان_المتقاضين
