في هرم الدّولة والسّلطان، وشيخوخة النّظام قبل الأوان

ما يحدث في تونس هو دليل على الهرم الذي نزل بالدّولة قبل الأوان والشيخوخة التي حلّت بالنّظام قبل العنفوان. وتفصيل ذلك أنّ هناك من استبدّ به الاعتقاد أنّه على الإنسانيّة قاطبة أن تدخل في دورة حضاريّة جديدة على هدي من المبادئ الفاروقيّة. وهو يعتقد أيضا أنّها رسالته التي ابْتُـلي في سبيلها بثقل السّلطان. وقد أصبح هذا الاعتقاد هو العنوان الاستخلاصي والشعار العام لغاية الإمساك بالصّولجان.

وأفضى ذلك إلى تجسيد عملي وتأسيس جديد على قاعدة الهدم والتّفكيك لكلّ ما سبق، وحتّى ما لا يمكن هدمه أو حذفه فإنّ عقيدة الدّورة الحضارية الجديدة شملته بضرورة الحجب والإلغاء وإيقاف دورته التاريخيّة، ليضمحلّ تدريجيّا. والاعتقاد بأنّ الدّورة الحضاريّة الفاروقية الجديدة لا يمكن أن تكون إلاّ بعد تقويض كامل أركان ما سبق يحيل على خاصيّتين أساسيتين للعقل السياسي الذي يوجّه مسار هذه الدّورة الجديدة، وهما خاصّيتان ترتقيان إلى مكانة العقيدة الإيديولوجيّة القاطعة في بنية هذا العقل السياسي:

  • الخاصّية الأولى هي العقيدة الإحلاليّة، وهي التي تقضي بالخيار التقويضي والاستئصالي لكل روافد المنظومة السّابقة، كما تتّسم بضعف العناصر الإصلاحيّة داخلها أو انعدامها أصلا، بما يعني أنّها تهدف إلى إحلال نظام مكان نظام وتقويض كلّ أركانه وذلك بتغييره كلّيا بدل إصلاحه. وبالتّالي فإنّ العقيدة الاحلاليّة هي عقيدة استبداليّة تشمل الفاعلين وتأتي على منظومة الفعل السّياسي وأنماطه، وتعيد توزيع الأدوار وترتيب المكانات، وتجسيدها يتمّ في المواقع والأطر والأبنية والقواعد التي تشغّل المنظومة برمّتها.

  • الخاصّية الثانية هي الاعتقاد في قانون الدّورات التاريخية، وهو ما يؤكّده المعنى الصريح لمقولة “دخول الإنسانية في دورة حضارية جديدة”، وهي عادة ما تأتي بعد انتهاء دورة حضارية سابقة تكون قد استنفدت كامل مراحل سيرورتها (الولادة، ثمّ النّشأة، والاكتمال، والتطّور، والازدهار، ثمّ الترهّل، والتّأزّم، والانحدار، والتحلل، والاندثار).

  • ويعبّر عن هذا المبدأ شعار “لا رجوع إلى الوراء”، مع التّأكيد على أنّ الوراء المقصود هو الوراء التّخومي اللّصيق زمنيّا لمرحلة الدّورة الحضارية الفاروقيّة، وذلك لأنّ قانون الدّورات يمكن أن يستدعي قيم دورة حضارية تليدة تعود إلى ما قبل الوراء البعيد جدّا ويُعتقد أنّها أقدر على بناء الدّورة الحضاريّة الجديدة وتخليص البشريّة من أدران الوراء القريب وعاهاته.

تفصيل مثل هذا التّكامل بين العقيدة الإحلاليّة والاعتقاد في قانون الدّورات التاريخية، يقتضي العودة إلى الأصول المعرفيّة لنستزيد منها ما يتناغم تفسيرا مع ما يشكّل هذا الاعتقاد وهذه العقيدة.

“إنّ الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع”، هذا ما قاله العلاّمة ابن خلدون في الفصل السّادس والأربعين من الباب الثالث من الجزء الأوّل لكتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر… (ص. 520).

ويقضي بالاستنتاج أنّ الهرم من أبرز دواعي الدّورات ومحركاتها، لأنّه يحلّ بالدّولة والحضارة التي لم تعد تملك وسائل استمرارها التّاريخي، فيحتّم خضوعها إلى الاستبدال الإحلالي بانتقالها إلى دورة جديدة تستهلّها بمرحلة الولادة الجديدة التي تقابلها إعادة التّأسيس لجمهوريّة جديدة احلاليّة في نصاب دورة حضاريّة فاروقيّة جديدة.

يقول صاحب كتاب العبر أيضا: “وإذا كان الهرم طبيعيّا في الدّولة كان حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية، كما يحدث الهرم في المزاج الحيواني. والهرم من الأمراض المزمنة التي لا يمكن دواؤها ولا ارتفاعها، لما أنّه طبيعي، والأمور الطبيعيّة لا تتبدّل.

وقد يتنبّه كثير من أهل الدّول ممن له يقظة في السّياسة فيرى ما نزل بدولتهم من عوارض الهرم، ويُظنُّ أنّه ممكن الارتفاع، فيأخذ نفسه بتلافي الدّولة وإصلاح مزاجها عن ذلك الهرم، ويحسبه أنّه لحقها بتقصير من قبله من أهل الدّولة وغفلتهم، وليس كذلك، فإنّها أمور طبيعيّة للدّولة والعوائد هي المانعة له من تلافيها” (المرجع نفسه، ص. 520).

لقد وجدتُ صدًى لهذا القول في دلائل إرشاديّة عديدة لا يمكن حصرها، ولكنني أنتخب منها دليلين من نوعين مختلفين تماما:

  • يتمثل الدّليل الأوّل في آخر ما طرأ على مناخنا الشتائي المتوسّطي– الهادئ عادة والذي لا علاقة له “بشتاءات” المحيطات العنيفة والشرّيرة – من تقلّبات لم تستأذن فيها الطبيعة أهل الدّار وأصحاب القرار، ولم تعبأ بعدم استعدادهم لاستقبال عاصفة “هاري” الغادرة، فانكشفت معالم الشيخوخة المتقدّمة على مستويين:
  • أوّلا، على المستوى المادّي الذي لخصه اهتراء البنية التحتيّة التي يكفي أن تظلّ على حالها لتتحوّل هي ذاتها إلى كارثة دون قدوم كوارث أخرى جرّاء غضب الطبيعة.
  • وثانيا، على المستوى الرّمزي الذي تجسّد في قدرة “الرّعيّة” على نسيان مصابها (غرقى الفيضانات والخسائر التي لحقت بالمتضرّرين) وحجب آلامها وكتم أوجاعها لقاء ما نالته من حظوة في استقبال المسؤول القادم من أعلى هرم الدّولة، فقد حلّ حلوله السّحري ليحوّل مناحة المصاب إلى زغردة احتفالية تقول في نغمتها المتحاملة على الفرح “إنّنا هرِمنا من أجل هذه اللّحظة التاريخية” ولكنّه هرم لا يجدي في تشييد الهرم وثباته.   

  • زغردة تعلن اكتفاء من أطلقتها ومن استحسنهابأن وطأتْ قدماه أديم الأرض وطمْـيِـها لحظة السّيل الجارف لينقشع الحزن، ويصبح الهمّ معهودا والغمّ مألوفا ولا يكلّف الله دولة هرمة إلاّ وسعها. البعد المحتجب من وراء انتظار من هرِم (بكسر الرّاء) للقادم من أعلى الهرم، أنّ الهرم إذا حلّ بالهرم تداعت قاعدته وانهارت قمّته.

  • يتمثّل الدّليل الثاني في الرّسالة الخطيّة التي نُشرت يوم 5 جويلية 2022، بمناسبة الدّعوة للاستفتاء على دستور ممنوح، يُطلبُ فيها من التّونسيّين أن: يـ”قولوا نعم حتّى لا يصيب الدّولة هرم”. فصاحب الدّستور يدعوهم آنذاك إلى أن يزكّوا ما قام به من تأسيس جديد بعد أن قوّض كلّ أركان التّأسيس الذي سبقه، ويدعوهم إلى التّصويت بنعم كي لا تسقط الدّورة الحضارية الجديدة قبل بدايتها وحتّى لا تنتهي قبل ولادتها، فهو يدرك أنّ رفض الدّستور هو إعلان لهرم الدّولة المبكّر، ويدرك أنّ الهرم المبكّر هو الفشل في رسالة الانتقال إلى الدورة الحضاريّة الجديدة، خصوصا وأنّ الهرم طبيعي يحلّ بكلّ الأجساد ولا يستثني أيّا منها، والطّبيعي لا يتبدّل – كما يرى ابن خلدون في سالف القول – لذلك فهو إذا نزل بالدّولة لا يرتفع حتّى وإن بدا في بعض الحالات أنّ الدّولة يمكن أن تتعافى منه وتستعيد قوّتها وعنفوانها، فهو أمر غير ثابت بحكم ما للهرم من سطوة على الأعمار والأجسام، يجعله قانونها النّوعي في استنفاد أعراضها، كما يؤكّد ابن خلدون في قوله التّالي: “وربّما يحدث عند آخر الدّولة قوّة توهم أنّ الهرم قد ارتفع عنها ويومض ذبالها إيماضة الخمود، كما يقع في الذّبال المشتعل فإنّه عند مقاربة انطفائه يومض إيماضة توهم أنّها اشتعال وهي انطفاء. فاعتبر ذلك ولا تغفل سرّ اللّه تعالى وحكمته في اطّراد وجوده على ما قدّر فيه. ولكلّ أجل كتاب” (المرجع نفسه، ص. 521).

المولدي قسّومي
المولدي قسومي
أستاذ تعليم عال بالجامعة التونسية

لم يكن ابن خلدون يعتقد في صَلاح دولة هرمة ولا في إمكانيّة إصلاحها، كما لم يكن يعتقد في إمكانيّة الصعود في مجرى الزمن لأنّه هُبوطي النّزوع. وهو يرى أنّ الدّولة تمرّ بمراحل وأجيال متعاقبة مثل الإنسان الذي ينتقل بشكل طبيعي وبالضرورة من القوة إلى الضعف، وبالتالي فإنّ محاولة ردّ الدّولة إلى بدايتها باطلة مثل الرّغبة في ردّ كهل إلى شبابه. وفي المقابل يمكن للدّولة أن تعمّر طويلا إذا لم يطالب بها أحد، لكنها لن تستعيد أبدا قوة بداياتها. وهنا لسنا على يقين بأنّ الذي يخشى على الدّولة من الهرم قبل التّأسيس (قبل إصدار الدّستور وبناء المؤسّسات) قد بنى خشيته على درايته بالقراءة الخلدونيّة لقوانين العمران البشري والاجتماع السّياسي، ولكن حسبنا أن نستخلص أنّه كان يخشى هرم الدّولة قبل أوانه، أي شيخوختها المبكّرة التي يمكن أن تُـقحمها في مرحلة من التّداعي نحو الانهيار على المعنى الخلدوني لتعاقب الدّول والدّورات. ذلك أنّ ابن خلدون لم يطرح مسألة الهرم إلاّ لكونه طبيعيّ ويأتي بعد طيّ كلّ المراحل والتّعاقب فيما بينها. لأنّ من يخشى هرم الدّولة في بدايات التّأسيس لنظامه الجديد ومقدّماته يخشى من شيخوختها المبكّرة لعلمه بأنّ ولادتها لم تكن طبيعيّة وتحمل آثار تحوير جيني يستعجل هرمها قبل أوانه.

فصاحب نظام الاستثناء كان يخشى على نظامه من الشيخوخة قبل الأوان وهو لا يزال بعد لم يعش تمرحلا طبيعيّا يمرّ بالنشأة، بعد الولادة، ثمّ التطوّر الذي يعرف الطّفولة والعنفوان الشبابي، وينتهي بالكهولة والشيخوخة. والثّابت في هذا المنحى أنّ الجمهوريّة الجديدة التي ولدت من نظام الاستثناء، لم تنشأ في سياق طبيعي بل هي بمثابة إسقاط على المسار وعلى السياق. لذلك نجدها على أبواب الهرم ومشارف الشيخوخة منذ نشأتها، ولم يحصّنها الدّستور ممّا كان يُخشى عليها من دونه، بل إنّه قد هيّأها إلى أقصى ما في ذلك الأمر من آثار وقبل الآجال المكتوبة في سُـنَـنِ أعمار الدّول وتتابع الدّورات التّاريخيّة.

مبدئيّا، وجبت الإشارة إلى أنّه بين الهرم الطبيعي الذي يحلّ بالدّولة بعد مرورها بكلّ مراحل تطوّرها السّياقي، والشيخوخة المبكّرة التي يمكن أن تحلّ بدولة تشكّلت في نظام غير طبيعي، تـتّـضح ممكنات الملاءمة بين ما أصّله ابن خلدون على المستوى النّظري، بناء على تمحيص تاريخي طويل، وبين مدى قابليّة نظام الجمهوريّة الجديدة للهرم قبل الأوان وبشكل غير طبيعي، بإقرار من صاحب النّظام ذاته. ويعتبر صاحب كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر… أنّ الدّولة خلال المرحلة الرّابعة من مراحل عمرها تمرّ بدورة من طورين، هما طور النّضج وطور الشّيخوخة.

أمّا طور النّضج فيتجسّد بتخلّص إحدى الجماعات من الأخرى، وتحتكر السلطات والثروات والأمجاد، مستقوية بمواليها وعُـتـقـائها. وتفصيل ذلك في المقابل الحالي من موضوع الحال، أنّ صاحب نظام الاستثناء تخلّص من كلّ أعضاده الذين عزّزوا شرعيته الانتخابيّة عندما منحوه أصواتهم في صعوده الأوّل إلى سدّة الحكم، ولكنّه أفضى بذلك إلى تعزيز جبهة خصومه وتوسيع دائرة معارضيه وكلّ من يطلب الدّولة عوضا عنه.

أمّا طور الشيخوخة فعندما تنحلّ “العصبيّة” (روح الجماعة/ الإرادة الجماعيّة)، وعندما تضيع القوّة الأصليّة وسط الشّغف بالحكم والتّفرّد به، وتغدو الدّولة ملكا لمن لا يقبل أن يُنازع في ملكه. فالقطع مع الرّوابط الأوّلية التي بُني عليها النّظام الجديد وشكّلت وطيدته النّاتئة يعدّ بداية انحلال “العصبيّة” التي كانت أساسا لهذا المشروع. إنّ هذه الأدوار تتشابك وتتعاضد، فتطوّر روح الجماعة هو من أسس تطوّر الدّولة الذي يجسّد بدوره تطور روح العمران السّياسي عبر التاريخ، وانحلالها هو من أسباب ضعف الاجتماع السياسي وهرم الدّولة والسّلطان وشيخوخة نظامها قبل الأوان.

المولدي ڨـسّـومي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى