صُنّف مطارُ تونس قرطاج الدولي في المرتبة الأخيرة ضمن الترتيب العالمي للمطارات، بناء على تقارير دولية متخصّصة في تقييم جودة خدمات الطيران. فتقرير (آر هالب) يعتمد ثلاثة معايير أساسية: في مقدمتها الالتزام بالمواعيد بنسبة ستين في المائة، وقد سجل مطار تونس قرطاج الدولي فيها نسبة تأخير تضاهي الخمسين في المائة من مجموع عملياته بما يجعل التأخير لديه قاعدة لا استثناء! ثم وبنسبة عشرين في المائة يعتمد التقرير انطباعات المسافرين حول سرعة إجراءات الفحص الأمني والنظافة وجودة الاستقبال ومدى توفر وسائل الراحة. أما العشرون في المائة المتبقية فمخصّصة لتقييم الخدمات كالمطاعم والمقاهي ومتاجر الأسواق الحرة.
ويبرر تقرير مؤسسة (سكاي تراكس) البريطانية إسناده نجمتين فقط لمطار تونس قرطاج الدولي بفوضوية الإجراءات وطول صفوف الانتظار عند التفتيش الأمني، ورداءة المقاعد وضعف الاتصال بشبكة الإنترنت، ومحدودية المطاعم بعد تجاوز نقاط التفتيش، وعدم وجود فنادق ملحقة به لرحلات الترانزيت.
ويستفاد من هذين التقريرين أن المرتبة الأخيرة في الترتيب العالمي لا تعني أن المطار غير آمن للطيران، بل تؤكد أنه يعاني من ضعف كبير في البنية التحتية ونظام الإجراءات الخاص بالمسافرين.
هذه التقارير موثوق فيها وتحظى بمصداقية عالية في الأوساط الدولية، وانعكاساتها وخيمة جدا على القطاع السياحي خصوصا، فوكالات الأسفار تعتمدها في تصميم وجهاتها والترويج لها. إذ أن بعض المطارات الشهيرة في العالم تُعتبر في حدّ ذاتها نقطة ارتكاز ضمن أي برنامج سياحي يشملها، ومنها تبدأ تجربة السّائح، مثل مطار سنغافورة الذي تصدّر الترتيب العالمي لمؤسسة (سكاي تراكس) للمرة الثالثة عشرة، بحديقته الاستوائية الصناعية وما يتوفر فيه من مناطق ترفيهية متكاملة، وكذلك مطار بنما الذي تصدّر الترتيب العالمي لمؤسسة (آر هالب) لحصوله على أعلى مؤشر في الالتزام بالوقت.
يحافظ مطار تونس قرطاج الدولي منذ نحو عشرين عاما على انطباعات المسافرين نفسها وتذمرهم من البطء الشديد في إجراءات الجوازات والجمارك، وتدني مستوى النظافة في المرافق الصحية، ونقص الإرشادات، وعدم احترافية بعض العاملين فيه وسوء المعاملة أحيانا. بما يؤكد أن التصنيف المتدني لمطار تونس قرطاج ليس وليد اللحظة ولا يمثل تراجعاً مفاجئاً، بل هو نتيجة تراكمات ومشاكل هيكلية مستمرة لم تعالج.
ومشكلة المطار تناولتها بالدرس حكومة محمد الغنوشي منذ بداية الألفية الجديدة، فوصوله إلى طاقة استيعاب لا مزيد لها كان أمرا معروفا، ولذلك كان مشروع مطار النفيضة الدولي وتصميمه المستقبلي الذي خصصت له مساحة تفوق الأربعين كيلومترا مربعا، بما يجعله من أكبر المطارات في العالم، وأوسع حتى من مطار شنغهاي في الصين، وكان يكفي الاستثمار في ربطه بحركة النقل البري والحديدي لجعله المطار الرسمي للجمهورية التونسية، لكن العقل الثوري ارتأى العودة إلى نقطة الصفر التي لم نغادرها حتى الساعة!
إن التقارير الدولية وحدها لا تكفي لوصف الحالة التونسية، بل يتعين أيضا اقتحام كتاب قينيس كأكبر عجيزة (تِرْمَة) في العالم لا يهمها قرص، فسلطة الإشراف ليس لها بعد أن صرفت النظر نهائيا عن مطار النفيضة (إرث بن علي) إلا التذبذب بين خيارين لا ثالث لهما: هل نبني مطارا جديدا أو نوسّع المطار الحالي؟ إلى أن حُسم الموضوع، واتّخذت الحكومة الحالية قرارا بتوسيع رقعة الفشل هذه، مع تأكيد وزير النقل أمام البرلمان على أن التونسيين يحبون هذا المطار لأن أم كلثوم وعبد الحليم هبطا فيه، فعلى من تقرأ زبورك يا داود؟
أقرأ التالي
2026-01-21
مركب بلا ربّان
2026-03-03
قضية مكتب الضبط: هل ينجح العميد في اقناع عبير موسي بالتخلي عن خيار المقاطعة؟
2026-01-15
الولايات المتحدة الأمريكية وإيران
2026-01-22
في هرم الدّولة والسّلطان، وشيخوخة النّظام قبل الأوان
2026-01-24
السواحل التونسية على كفّ عفريت
زر الذهاب إلى الأعلى