دمار القضاء في تونس كدمار غزة
بقلم محمد كريشان

كما ألف قراؤنا، نعيد نشر المقال الاسبوعي للصحفي الكبير محمد كريشان بجريدة القدس العربي
فيما كانت البلاد والعباد مشغولة ومنشغلة بالمواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل أصدر القضاء التونسي مرة أخرى أحكاما قاسية للغاية ضد معارضين سياسيين.
الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس، قضت الجمعة غيابيا بالسجن مدة اثنين وعشرين عاما مع النفاذ العاجل في حق مجموعة من المعارضين، أبرزهم الرئيس السابق المنصف المرزوقي، وعماد الدائمي المرشح السابق للرئاسة، وعميد المحامين السابق عبد الرزاق الكيلاني.
مرة أخرى، تتحوّل المعارضة السياسية والسلمية في تونس إلى قضية «إرهاب» أو «تآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي» مما يعني عمليا اغتيالا لأية إمكانية للتعبير عن أي رأي مخالف للسلطة ويجعل الساحة السياسية خاوية بالكامل إلا من صوت الرئيس الذي يكرّر الاتهامات نفسها لمعارضيه دون كلل.

وكما كانت الأحكام قاسية للغاية، على غرار تلك الأحكام التي صدرت قبل أشهر قليلة ضد مجموعة أوسع من المعارضين والنشطاء السياسيين في ما عرف بقضية «التآمر»، جاءت ردود المحكوم عليهم غيابيا، وجميعهم مقيمون في الخارج، قاسية هي الأخرى. علّق الرئيس المرزوقي، الذي سبق أن صدر عليه قبل ذلك حكمان سابقان بـ 8 سنوات وآخر بـ 4 سنوات، مما يجعل المجموع 34 سنة، على «الحكم القضائي العبثي» الذي أصدره «رئيس الأمر الواقع، الفاقد للشرعية والأهلية، ووقّعه قاضٍ بلا ضمير» بالقول «أحكم بما شئت، ولكن لا تفرح كثيرًا… فقريبًا ستحاسَب، أنت وكل من تآمر معك على الدولة وعلى الشعب.. لأنّ الباطل، مهما علا صوته، فمصيره الزوال… وأيامه معدودة».
أما عماد الدايمي فوصف المحاكمة بـ«مسرحية هزلية تافهة (…) تنفيذا لأوامر سياسية بطريقة رخيصة ومفضوحة(…) لحسابات جبانة وبملف فارغ». وبنفس الحدة علّق عميد المحامين الأسبق عبد الرزاق الكيلاني حين قال إن ما صدر ضدّه وضد الآخرين يأتي «في إطار سلسلة الأحكام السريالية التي طالت خيرة رجالات تونس ولا تزال تثير سخرية العالم»، متوجها إلى القضاة الذين أصدروا هذه الأحكام بالقول «كونوا على أتم الثقة أن المنقلب المغتصب الذي تخدمون بلا شرف سيٌحاكم بتهمة الخيانة العظمى، تيقنوا أن الديمقراطية ستعود».واضح تماما إذا من كل ما سبق أن الأمور في تونس تسير بخطى حثيثة نحو انسداد كامل ونهائي وأن ما من طرف، على ما يبدو، أبقى على «شعرة معاوية» مهما بدت واهنة وقابلة للقطع:
السلطة لم تعد، من فترة طويلة، قابلة بأي شكل أو بآخر للتعاطي مع أي كان، ومهما كان، فهي ما فتأت تكرّر وتعيد على لسان رئيسها أنها في «معركة تحرّر وطني» (ضد من لا أحد يدري!!) وبأن البلاد «تعيش اليوم لحظة رفع كل التحدّيات» وأن شعبها «مصرّ على العبور النهائي» دون أن يفهم أحد شيئا من مثل هذا الكلام المكرّر في كل بيانات رئاسة الجمهورية تقريبا، بل وامتدّ كذلك إلى بيانات وزارة الخارجية التي لم تعد لها أية علاقة بالدبلوماسية والصياغات المعهودة في العلاقات الدولية.
المعارضة من جهتها، وهي تعيش أسوأ لحظات ضعفها وتشتتها، تبدو أنها نفضت أيديها بالكامل من أية إمكانية للحوار مع السلطة، فما بالك بالتوصّل معها لحد أدنى من التفاهمات التي تستدعي تنفيس حالة الاحتقان في البلاد ووضع حد لتصاعد موجات الحقد والكراهية بين مكوّنات الشعب المختلفة، لا سيما وأن الوضع الاقتصادي في البلاد يسير من سيئ إلى أسوأ مع تصاعد التضخم وانكماش الاستثمار وشعور معظم الناس بوطأة ارتفاع تكاليف الحياة المتفاقمة التي زادت من فقر الفقراء وتآكل الطبقة الوسطى، بل وتفقيرها، ما يهدّد السلم الاجتماعي خاصة مع حالة الشلل التي أصابت «الاتحاد العام التونسي للشغل» (المركزية النقابية) فلم يعد قادرا على الحركة وهو الذي كان يصول ويجول خلال عشرية الانتقال الديمقراطي المغدور.

المشكل اليوم أنه وسط حالة الاحتقان السياسي هذه، والاختناق المعيشي، تُسدّ كل قنوات التعبير والاحتجاج وتصوّر آليا على أنها تآمر وإرهاب، حتى أن الرئيس سعيّد لم يتردّد مؤخرا في اجتماع رسمي من التنديد علنا بخبير اقتصادي معروف، ووزير سابق، لمجرّد أنه أعطى تقييما سلبيا للوضع الاقتصادي والمالي بالبلاد حيث سارع للتشهير به والطعن في ذمته الشخصية، مما يمهّد السبيل حتى إلى إمكانية محاكمته لاحقا، على ما يفهم عادة من تصريحات من هذا القبيل.
مثل هذا المشكل يزداد تفاقما وخطورة حين يغيب القضاء عن القيام بدوره، صمّام أمان وملاذا للجميع، فيصبح عصا غليظة في يد السلطة تضرب بها كل مخالف، دون مراعاة حتى للحد الأدنى من الإجراءات القانونية الضرورية والواجبة، ولو من باب صون المظاهر الشكلية. وضع جعل المحامي والقاضي السابق أحمد صواب (الموقوف حاليا في السجن) يصف القضاء التونسي بالمدمّر كدمار قطاع غزة تماما، وهو رأي شاطره مؤخرا وتبناه كذلك أنس الحمايدي رئيس جمعية القضاة الذي قال إن تدخل السلطة في القضاء يومي ومستمر كحال القصف الإسرائيلي الوحشي على غزة.
محمد كريشان
كاتب وإعلامي تونسي




