هل لزيارة الشيباني المفاجئة لموسكو علاقة بتطورات الوضع في الجنوب السوري؟

نقلت وسائل إعلام سورية وروسية متطابقة أن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، توجه، مساء الأربعاء، إلى موسكو في زيارة لم يعلن عنها مسبقاً. وينتظر أن يعقد الخميس جولات من المحادثات مع عدد من المسؤولين الروس وفقاً لتأكيد مصادر تحدثت إلى قناة «روسيا اليوم» الحكومية.
وتعد هذه أول زيارة يقوم بها مسؤول سوري إلى العاصمة الروسية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر الماضي.
ورغم أنه كان متوقعاً أن يقوم الشيباني بزيارة إلى العاصمة الروسية، منذ أن وجه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف دعوة رسمية له لزيارة موسكو نهاية ماي الماضي، لكن الإعلان المفاجئ عن الزيارة قبلها بساعات فقط ومن دون الكشف عن ترتيبات مسبقة، عكس كما قال مصدر روسي إن الاتفاق النهائي على موعدها «قد يكون جرى بسرعة وربما كان مرتبطاً بتطورات الوضع في الجنوب السوري، والاتصال الذي أجراه يوم الاثنين، الرئيس فلاديمير بوتين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو».

وكان لافروف قد أعلن أن توجيه الدعوة إلى الشيباني لزيارة موسكو، جاء استجابة لنصيحة تركية، وقال في حينها: «بدعوة طيبة من صديقي (وزير الخارجية التركي) هاكان فيدان، وجهنا الدعوة للسيد الشيباني لزيارة روسيا». وسبق أن التقى الوزيران لافروف والشيباني في العاصمة التركية في فبفري الماضي.
عموماً، تُعد الزيارة التطور الأبرز في العلاقة بين القيادة السورية الجديدة وروسيا، الداعم الأبرز لرئيس النظام المخلوع. لكن الطرفين كانا قد أعربا عن استعداد لتطبيع العلاقات وتبادلا عدداً من الرسائل التي وصفت بأنها «إيجابية». وقال الرئيس السوري أحمد الشرع في وقت سابق، إن روسيا «دولة مهمة وهي ثاني أقوى دولة في العالم، وتربطنا بها مصالح استراتيجية عميقة».
بدوره أكد الرئيس فلاديمير بوتين في رسالة وجهها إلى الشرع، في مارس الماضي، استعداد بلاده لـ«تطوير التعاون العملي مع السلطات السورية في كل المجالات».
وقال الناطق الرئاسي الروسي، ديمتري بيسكوف، إن الرسالة حملت تأييداً لجهود القيادة السورية الموجهة نحو «تحقيق الاستقرار السريع للوضع في البلاد بما يخدم ضمان سيادتها ووحدتها وسلامة أراضيها».
وكانت موسكو قد أعلنت أنها أطلقت سلسلة من الاتصالات الروسية مع دمشق، تهدف إلى ترتيب العلاقة الجديدة بين البلدين. وأكدت أنها تضع ضمن أولوياتها ضمان المصالح الروسية وخصوصا ما يتعلق بالوجود العسكري الروسي في قاعدتي «حميميم و«طرطوس» فضلاً عن استئناف التعاون في المجالات المختلفة.
وتبادل الطرفان عبر قنوات الاتصال مطالب محددة، بينها من الجانب السوري ضرورة أن تسهم موسكو في إرساء مبادئ العدالة الانتقالية، في إشارة إلى فرار مسؤولين سابقين بينهم الأسد إلى موسكو ومعطيات عن تهريب مبالغ ضخمة من الأموال إلى روسيا.
من جانبها أكدت موسكو استعدادها لتقديم العون في ملفات عدة بينها إعادة إعمار بعض منشآت البنى التحتية، خصوصاً تلك التي أسهمت روسيا والاتحاد السوفياتي السابق بتشييدها، وتحدث مسؤولون روس عن احتمال أن تذهب موسكو لتخفيف أعباء السلطات السورية الجديدة عبر إعفاء سوريا من الديون المستحقة لموسكو.
وفي 20 جويلية أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، الذي أعفي لاحقاً من منصبه، أن بلاده تواصل اتصالاتها مع الحكومة السورية بشأن مستقبل القواعد العسكرية الروسية في البلاد، معرباً عن أمله في التوصل إلى تفاهم يحفظ مصالح الطرفين. وأضاف بوغدانوف، في تصريح خلال مشاركته في منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي: «نحن على تواصل بالطبع، وكل شيء يسير جيداً حتى الآن، وآمل أن نتوصل إلى تفاهم مع السلطات الجديدة. لقد جرت فعلياً محادثات بهذا الشأن».

وأشار بوغدانوف في حينها إلى أنه يتوقع أن يلبي الشيباني الدعوة الموجهة له لزيارة موسكو قريباً، وأوضح أن الزيارة المرتقبة تهدف إلى مناقشة العلاقات بين البلدين، بما في ذلك التعاون العسكري والسياسي والاقتصادي، مؤكداً أن بلاده ترى أهمية كبرى في الحفاظ على علاقات وثيقة ومستقرة مع سوريا في المرحلة المقبلة. ولفت المسؤول الروسي إلى أن الحوار مع الجانب السوري بشأن مستقبل القواعد الروسية في سوريا، أي قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية وقاعدة طرطوس البحرية، مستمرة، وأن الحوار يجري «بروح من التفاهم المتبادل».

ورغم أن الدعوة الروسية طُرحت ضمن ما يوصف بتعزيز التعاون الثنائي، إلا أن هناك تفسيرات ترى أن زيارة الشيباني تأتي في إطار أوسع على خلفية محاولات موسكو تثبيت تموضعها الاستراتيجي في سوريا في مرحلة ما بعد بشار الأسد.
ووفقاً لتحليل نشره مجلس الشرق الأوسط بمعهد «كارنيغي» في جوان الماضي، تسعى موسكو إلى تجديد حضورها في مواقع حيوية، من بينها ميناء طرطوس، وقواعد عسكرية في الساحل السوري، من خلال اتفاقات بعيدة المدى تضمن لها منفذاً دائماً إلى شرق المتوسط.
وبدا أن العنصر الجديد الذي قاد إلى تسريع ترتيب الزيارة مرتبط بتطورات الوضع في الجنوب السوري والتصعيد الإسرائيلي المتواصل ضد سوريا. خصوصاً أن بوتين أجرى قبل يومين اتصالاً هاتفياً مع نتنياهو بحث خلاله الطرفان التطورات المحيطة بالوضع في الجنوب السوري، وأكد خلاله الرئيس الروسي التزام بلاده بمبدأ وحدة وسلامة الأراضي السورية.
غموض حول مستقبل قواعدها.. روسيا تعيد ترتيب أولوياتها في سوريا
وسيتوقف الشيباني أيضًا في باكو، عاصمة أذربيجان، يوم الخميس للقاء مسؤولين إسرائيليين، من بينهم وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر ومستشار الأمن القومي تساحي هنغبي.
والاجتماع هو الثاني بعد اجتماع عُقد في باريس الأسبوع الماضي بين الشيباني وديرمر، بوساطة المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك، في الوقت الذي تُكثّف فيه إسرائيل وسوريا جهودهما الدبلوماسية في أعقاب الغارات الجوية الإسرائيلية على البلاد.
ويجري الشيباني محادثات مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، وتأتي هذه الزيارة وسط غموض يكتنف مستقبل المنشآت العسكرية الروسية في سوريا، لا سيما في قاعدتيها الساحليتين، قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية والقاعدة البحرية في طرطوس، وفق تقرير لموقع “المونيتور”.
وكانت روسيا داعمًا للأسد طوال الحرب الأهلية السورية، حيث قدمت له الدعم العسكري والسياسي. وفي ديسمبر، وبعد فرار الأسد من سوريا، أفادت وسائل الإعلام الرسمية الروسية أنه وعائلته حصلوا على حق اللجوء في موسكو لأسباب إنسانية.
وأنشأت روسيا قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية عام 2015، ثم وسّعت وجودها في قاعدتها البحرية في طرطوس، التي تمثل الوجود العسكري الوحيد لروسيا في البحر الأبيض المتوسط.
ومع رحيل الأسد، يسعى الكرملين إلى الحفاظ على موطئ قدمه العسكري في ظل القيادة السورية الجديدة. وأرسل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسالة إلى الشرع في مارس الماضي يقترح فيها “تعاونًا عمليًا” عقب مكالمتهما الهاتفية الأولى في الشهر السابق.
وتُؤجّر قاعدة طرطوس البحرية لموسكو لمدة 49 عامًا بموجب اتفاقية أُبرمت عام 2017، تسمح لما يصل إلى 11 سفينة حربية روسية، وتمنح الأفراد الروس حصانة قانونية، بينما تعمل قاعدة حميميم الجوية بموجب اتفاقية منفصلة أُبرمت عام 2015، تسمح لروسيا باستخدام القاعدة إلى أجل غير مسمى، مجانًا، مع تجديد تلقائي كل 49 عامًا.
ومع ذلك، أشارت الحكومة السورية الجديدة إلى أنها قد تسعى إلى إعادة التفاوض على هذه الشروط لضمان شروط أكثر ملاءمة. في مقابلة له في فيفري ، قال وزير الدفاع السوري إن الاتفاق على الوجود العسكري الروسي “يتطلب مفاوضات إضافية




