الفاهم بوكدوس:قرطاج والكوفية: حين يتحول الفن إلى موقف سياسي

أثارت واقعة إلقاء الفنانة اللبنانية إليسا للكوفية الفلسطينية التي رماها أحد الحاضرين على ركح مهرجان قرطاج جدلاً واسعاً، ليس فقط بسبب تصرف الفنانة، وإنما أيضاً بسبب السياق الذي جرى فيه تقديمها للجمهور التونسي.
قد يبدو المشهد، في ظاهره، مجرد لحظة عابرة بين فنانة وأحد جمهورها، لكنه في الحقيقة يحمل دلالة تتجاوز حدود الحفل. فالكوفية ليست مجرد قطعة قماش، وإنما رمز سياسي وثقافي ارتبط في الذاكرة الفلسطينية والعربية بتاريخ طويل من المقاومة والرفض للاحتلال.
لا يمكن ان ننكر ان لإليسا جمهورها في تونس، وقد ظهر ذلك بوضوح خلال حفلها في قرطاج. وليس من المنطقي اختزال هذا الجمهور في مواقف الفنانة السياسية، أو افتراض أن كل من حضر حفلها يتبنى بالضرورة خياراتها ومواقفها. فالإعجاب بفنان لا يعني بالضرورة الموافقة على أفكاره السياسية.
لكن ذلك لا يلغي حق الجمهور في معرفة مواقف الفنان الذي يستمع إليه، ولا يلغي في المقابل مسؤولية المؤسسة الثقافية في معرفة خلفيات الأسماء التي تختارها وتقدمها على أكبر مسارح البلاد
ولهذا يصعب التعامل مع ما حدث باعتباره مجرد تفاعل عابر على المسرح، خصوصاً أن موقف إليسا من القضية الفلسطينية والمقاومة ليس مجهولاً، بل سبق أن عبّرت عن مواقف سياسية واضحة بشأنها. وهنا يصبح السؤال أكبر من الطريقة التي تعاملت بها الفنانة مع الكوفية: أي معنى نمنحه لفنان يحمل مواقف سياسية معلنة عندما نضعه على ركح مهرجان تونسي كبير، وفي ظرف فلسطيني وإقليمي شديد الحساسية؟
السفير على الركح… سؤال يتجاوز المجاملة:
ان السؤال الأكثر إلحاحاً يتصل بالطريقة التي قُدمت بها إليسا للجمهور التونسي،فقد كان السفير اللبناني في تونس حاضراً في المشهد، ووجّه كلمة إلى الفنانة على ركح قرطاج، وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً حول الرمزية السياسية والدبلوماسية لمثل هذا الحضور عندما يتحول ممثل دولة أجنبية إلى جزء من تقديم فنانة على منصة مهرجان دولي تونسي.
ان المسألة ليست في جنسية السفير، ولا في حقه في حضور فعالية ثقافية أو الاحتفاء بفنانة من بلده، وإنما في أن ركح قرطاج ليس فضاءً خاصاً، بل منصة ثقافية وطنية ذات رمزية كبيرة، وأن تقديم فنان من طرف سفير بلاده يكتسب، شئنا أم أبينا، دلالة تتجاوز مجرد المجاملة الدبلوماسية.
وهنا تبرز مسؤولية وزارة الثقافة وإدارة المهرجان:
من يختار الفنان؟
ومن يقرر طريقة تقديمه؟
ومن يحدد الرسائل التي يمكن أن تنتج عن هذه البرمجة وهذا الحضور؟ فالمهرجان لا يختار فقط الأصوات والأسماء التي ستصعد إلى الركح، وإنما يختار أيضاً، بصورة غير مباشرة، الصور والرموز والخطابات التي سيضعها أمام الجمهور.
ماذا حدث في قرطاج قبل عام؟
أن هذه الأسئلة لا تُطرح من فراغ. فمهرجان قرطاج نفسه قدم، قبل عام واحد، سابقة تجعل من الصعب القول إن مواقف الفنانين السياسية لا علاقة لها بالبرمجة الثقافية،ففي جويلية 2025، وبعد الإعلان عن برنامج الدورة التاسعة والخمسين، اندلعت حملة واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي اعتراضاً على برمجة الفنانة الفرنسية هيلين سيغارا، على خلفية اتهامات لها بدعم الكيان الصهيوتي ومشاركتها في فعاليات مرتبطة بجمع التبرعات لها، وبعد يوم واحد من تصاعد الانتقادات، أعلنت إدارة مهرجان قرطاج العدول عن برمجة عرضها الذي كان مقرراً يوم 31 جويلية 2025.
ولم تكتف إدارة المهرجان بإعلان الإلغاء، بل أكدت في بيانها التزامها بـ«موقف تونس الثابت في نصرة الشعب الفلسطيني» وأشارت إلى أن برنامج الدورة يتضمن عروضاً مساندة لفلسطين وشعبها واحتفاء بصمودهم ونضالهم،أي أن المسألة لم تُقدَّم آنذاك باعتبارها مجرد خلاف حول فنانة أو ذوق فني، وإنما جرى وضعها في سياق أوسع يتعلق بموقف تونس من القضية الفلسطينية.
ثم تكرر المشهد بعد أسابيع قليلة مع الفنان الجامايكي كي-ماني مارلي، الذي كان مقرراً أن يحيي حفلاً يوم 17 أوت 2025، حيث أعلنت إدارة المهرجان إلغاء العرض واستبداله بعرض فيلم «ثلاثون» تكريماً للفنان الراحل الفاضل الجزيري.
هذه المرة لم تذكر إدارة المهرجان في إعلانها الرسمي سبب الإلغاء، لكن كلنا نعلم أن برمجة الحفل كانت قد أثارت موجة انتقادات على شبكات التواصل الاجتماعي بسبب ما نُسب إلى الفنان من مواقف داعمة للكيان الصهيوني وان للإلغاء علاقة بحملات إلكترونية بسبب مشاركاته السابقة في إلاراضي الفلسطينية المحتلة.
وبذلك أصبح واضحاً أن الدورة نفسها شهدت إلغاء عرضين لفنانين أثارت مواقفهما وعلاقاتهما بالكيان المؤقت اعتراضات واسعة: هيلين سيغارا أولاً، ثم كي-ماني مارلي،وهنا تحديداً تكمن المفارقة:إذا كانت مواقف الفنان السياسية وعلاقاته بالكيان الصهيوني قد أصبحت عاملاً مؤثراً في برمجة مهرجان قرطاج سنة 2025، فلماذا نتعامل اليوم مع مواقف فنان آخر وكأنها شأن شخصي لا علاقة له باختياره للصعود إلى ركح قرطاج؟
ان المطلوب ليس محاكمة الفنانين على أفكارهم، ولا فرض رقابة سياسية على الفن، وانما المطلوب هو اتساق المعايير،فإذا كان المهرجان قد اعتبر، عملياً، أن علاقة فنان بالكيان الصهيوني أو مواقفه منها يمكن أن تكون سبباً للعدول عن برمجته، فمن حق الجمهور اليوم أن يسأل: هل تغيرت المعايير؟ ومن غيّرها؟ ومن يحددها؟
الجمهور ليس مسؤولاً عن خيارات المؤسسة:
لا ينبغي هنا تحميل جمهور إليسا مسؤولية مواقفها،فقد يكون من بين الآلاف الذين ملأوا مدرجات قرطاج من يحب أغانيها منذ سنوات، ومن يرى فيها مجرد فنانة ناجحة، ومن لا يتابع أصلاً مواقفها السياسية. وهذا أمر طبيعي،لكن في المقابل، لا يمكن للمؤسسة الثقافية أن تختبئ خلف شعبية الفنان لتتجنب الأسئلة المتعلقة بمواقفه.
ان الجمهور يستطيع أن يحب الفنان، والمؤسسة تستطيع أن تستضيفه، لكن ذلك لا يلغي حق الناس في مساءلة الاختيار، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمهرجان بحجم قرطاج وفي ظرف تعيش فيه فلسطين واحدة من أكثر مراحل تاريخها دموية،
ثم إن الجمهور نفسه أرسل من مدرجات قرطاج رسالة واضحة عندما رمى أحد الحاضرين الكوفية إلى إليسا، قد نختلف مع طريقة التعبير، وقد نختلف مع رد الفنانة، لكن المشهد كشف أن الكوفية لم تكن بالنسبة إلى صاحبها مجرد قطعة قماش، وأن فلسطين كانت حاضرة في الحفل حتى وإن لم تكن حاضرة في خطاب الفنانة.
الفن ليس دائماً خارج السياسة:
ان المسألة ليست في أن يكون الفنان مؤيداً لهذا الموقف السياسي أو ذاك. فالفن لا يُقاس فقط بالاصطفافات السياسية، ولا يمكن مطالبة كل فنان بأن يتحول إلى ناشط سياسي،
لكن عندما يختار الفنان بنفسه التعبير عن مواقف سياسية واضحة، يصبح من الطبيعي أن تصبح هذه المواقف جزء من صورته العامة، وأن يناقشها الجمهور، وأن تأخذها المؤسسات الثقافية بعين الاعتبار، فالفنان، في المعنى الأوسع، ليس مجرد شخص يمتلك صوتاً جميلاً أو يستطيع ملء مدرجات المهرجانات، بل يمكن أن يكون أيضاً تعبيراً عن الإنسان وزمنه وأسئلته الكبرى،ولهذا بقي في الذاكرة العربية فنانون مثل مارسيل خليفة وزياد الرحباني وأميمة الخليل وغيرهم، لأن تجربتهم لم تفصل الفن تماماً عن قضايا الناس، وكانت فلسطين بالنسبة إلى جزء كبير من التجربة الفنية العربية موضوعاً فنياً وإنسانياً وسياسياً في آن واحد.
لا يعني ذلك أن كل فنان مطالب بأن يسير في هذا الاتجاه، وإنما يعني أن الفن نفسه لم يكن يوماً منفصلاً تماماً عن السياسة والمجتمع، وأن محاولة تقديمه باعتباره مساحة محايدة تماماً تصبح أكثر صعوبة عندما يكون الفنان قد اختار إعلان مواقفه السياسية بنفسه.
قرطاج ليست خارج سياقها:
ان الاشكال ليست في إليسا وحدها، ولا في الكوفية وحدها، ولا حتى في الحفل نفسه، وانما في السياق الذي اختارت فيه المؤسسة الثقافية أن تضع هذه الفنانة على ركح قرطاج، والطريقة التي قدمت بها، والمعايير التي حكمت هذا الاختيار.
ففي العام الماضي أُلغيت عروض لفنانين بعد حملات ربطت أسماءهم بالكيان المحتل، وأكد مهرجان قرطاج في معرض تبريره لإلغاء حفل سيغارا تمسكه بموقف تونس الداعم للقضية الفلسطينية،واليوم، وبعد سنة واحدة، يصعد إلى الركح فنانة ذات مواقف سياسية معروفة، ويشارك سفير بلدها في تقديمها، ثم تنفجر قضية الكوفية من داخل الجمهور نفسه.
لذلك لا يكفي أن نغضب من إليسا لأنها أعادت الكوفية إلى صاحبها، كما لا يكفي أن نطالب الجمهور بالتصفيق أو الاحتجاج.
علينا أن نطرح الأسئلة التي تسبق هذه اللحظة:
من اختارها؟
على أي أساس؟
من منحها منصة قرطاج؟
ولماذا اختير هذا الشكل لتقديمها؟
وهل ما تزال المعايير التي حكمت برمجة دورة 2025 قائمة اليوم؟
فالفن ليس محايداً دائماً، والبرمجة الثقافية ليست قراراً تقنياً محضاً. وفي زمن تُستهدف فيه فلسطين بالقصف والتقتيل والتهجير والابادة، وتتسارع فيه موجات التطبيع العربي، بما في ذلك التطبيع الثقافي، تصبح المنصات الفنية نفسها جزء من الصراع على الذاكرة والرموز والصورة.
وحين تكون الكوفية حاضرة على ركح قرطاج، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط لماذا أعادتها إليسا إلى الجمهور، بل لماذا وصلت هي أصلاً إلى ذلك الركح، ومن قرر أن يمنحها هذه المنصة، وما الذي يعنيه ذلك في تونس التي جعلت من رفض الاحتلال والتطبيع جزء من خطابها السياسي والثقافي؟
هنا تحديداً تبدأ المسؤولية الحقيقية للمؤسسة الثقافية، لا عند الكوفية التي طارت من المدرجات إلى المسرح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى