حوار مع مريم الزغيدي عدّة: “يجب أن أقاومَ من أجل ذلك الشخص الّذي يقبع وراء القضبان”

  

دخل الصحافي مراد الزغيدي في إضراب عن الطّعام في 4 جوان احتجاجًا على تواصل سَجْنه، بعد أن أيّدت محكمة الاستئناف الحكم القاضي بسجنه هو وزميله برهان بسيّس بتهمة غسل الأموال، بسبب مخالفات جبائيّة مفترضة كان بالإمكان تسويتُها وهو في حالة سراح.

وكان الصحفيّان في إذاعة IFM قد اعتقلا في 11 ماي 2024، ثمّ حُكم عليهما في قضية أولى بثمانية أشهر سجنًا من أجل تصريحات وتدوينات، على معنى المرسوم 54. وأكّد مراد الزغيدي في رسالة من داخل سجنه، في يومه الخامس من إضراب الجوع، أنّ ما حصل معه ليس صدفة بل يأتي ضمن “منهج لقمع الأصوات الحرة والمستقلة وعقابها”، وأنّه “ضحية غرف مظلمة تريد إجهاض أي نفس ديمقراطي في تونس”.

التحقت شقيقتُه مريم وابنته إيناس بإضراب الجوع، حتّى لا تترُكاه وحيدًا يخوض هذه المعركة من أجل تحقيق العدالة، لتُواصِلَا حمل قضيّته والدفاع عنه، بعد أشهر طويلة تعدّدت فيها الوقفات الاحتجاجية والندوات الصحفية والفعاليات التضامنية، فضلا عن المعاناة اليومية المشتركة مع عائلات المساجين.

التقينا مريم على هامش الندوة الصحفيّة التي نظّمتها لجنة المساندة يوم 08 جوان في مقرّ النقابة الوطنية للصحفيين التونسيّين، وأجرينا معها هذا الحوار.

المفكرة القانونية: كيف تلقّيتم إعلان مراد الزغيدي دخولَه في إضراب عن الطّعام؟

مريم الزغيدي عدّة: تلقينا الخبر بصدمة لأننا لم نكن متهيّئات لمثل هذا. صحيحٌ أنّ معنوياته لم تكن بأفضل حال في الفترة الأخيرة، ولكن عندما تلقينا الرسالة بأنه قرر الإضراب عن الطعام شعرنا بالخوف وهذا ليس مؤشرا إيجابيا ونحن ندرك أن هذا النظام بلا رحمة. سبق وأن رأينا تجارب أخرى من عديد المساجين الذين خاضوا إضربات عن الطعام في السنوات الأخيرة ولكنها للأسف لم تُؤْتِ أُكْلَها ولم تُؤَدِّ إلى نتائج وكانت لها تداعيات على صحّة المُضربين. 

لم يعُد لدى مُراد أُفق أو بصيص أمل يتمسّك به. صُدم بتثبيت الحكم الابتدائي في حقّه وهو يقول بلادي حكمَتْني بأربع سنوات وشهريْن سجن بلا سبب، وهذا أمر لا يمكن أن يقبَلَه، وهو يرى أنّ خوض الإضراب قد يكون آخر وسيلة يلجأ إليها رغم تواصل الوقفات الاحتجاجية والتحرّكات، والإضراب عن الطّعام يبقى خيارًا أقصى.

المفكّرة: هل كنتم تتوقّعون تأييد القرار الابتدائي في حقّ مراد الزغيدي المتعلّق بسجنه ثلاث سنوات ونصف بتهمة غسل الأموال؟

الزغيدي عدّة: كان صدمة بالنسبة إلينا، أي قرار بالسجن لا يمكن إلا أن يكون صادمًا وكانت لدينا آمال حتى في الطور الابتدائي. ونظرًا للأخطاء التي شابت الملفّ وفقًا لمرافعات المحامين كنّا نتوقّع أن يتمّ تدارك الأمر في طور الاستئناف وهو ما لم يحصُلْ.

فعندما يُصبح القضاء وظيفةً لا يمكن أن يكونَ سقفُ الآمالِ مرتفِعًا، ولكن عندما نستفيق من الصّدمة نُدرك ماذا يحدث في البلاد حقيقةً في ظلّ الأحكام السجنيّة، مثلما حصل مع الإعلامية والمحامية سنية الدّهماني التي واجهتْ عقوبةً سجنيّة بسنة ونصف ثمّ سنتَيْن. هذا النظام لا ينوي الكفَّ عن التنكيل وإصدار الأحكام الجائرة والمحاكمات غير العادلة.

المفكّرة: كيف تصف عائلة مراد الزغيدي تعاطي القضاء مع ملفّه؟

الزغيدي عدّة: بالنسبة إليّ لا يوجد تعاطٍ قضائيّ. نحن إزاء حكم سياسي وإزاء وظيفة قضائيّة. لسنا أمام قاضٍ يحكم بوجدانه وإلمامه بالقانون ودراسته وتكوينه ومنهجيّته. التوجّه هو أنَّ الأحكام مُسقَطة بقرار سياسي يجب أن يُطبَّق، نقطة على السّطر.

المفكّرة: هل تعتبرون مراد سجينًا سياسيًّا أم لا؟
الزغيدي عدّة: القضيّة في حدّ ذاتها سياسية ونحن نعتبرها كذلك. ولكنّ تصنيف مراد كسجين سياسي من عدمه هو أمر آخر، مراد لم يمارس السياسة.
هو فقط صحافي يمارس مهنتَه بكل حرفيّة وهذا دوره في التحليل والنقاش والنقد والتأييد.
لكن عندما يتمّ المسّ بحريّة التّعبير فهذا أمرٌ يدخل في الشأن السياسيّ. وعليه فنحن نعتبر مراد سجينَ رأي، وهو يصفُ نفسَه بأنّه سجين الحريات الصحفية، في حين أنّ بعض المنظّمات تصفُه كسجين سياسيّ وهو أمر مشروع.
المفكّرة: دائمًا ما تتحدثّ العائلات عن كلفة إعداد “قفّة” السجين، والوقت والجهد المبذولَين في تحضيرها. لو تحدّثينَنا أكثر عن ذلك؟
الزغيدي عدة: نكاد نقول إنّنا تعوّدنا على إعداد القفّة (سلّة السجين). نحن نرفض التعوّد لأنّ ذلك يعني الاستسلام ونحن لم نستسلم.
حقيقةً نحن إزاء نسق سريع وشاقّ، نتنقّل ثلاث مرّات للسّجن أنا وابنة مراد وعمّته. نحن لسنا عائلةً مُوسّعة ونسعى إلى تقاسم الأعباء فيما بينَنا. في الفترة الأولى قبل أن تقرّر ابنتُه إيناس تعليق دراستها في فرنسا والعودةَ إلى تونس كانت كلّ الأحمال ملقاةً على عاتقي، والآن أصبحنا نتقاسم المهامّ.
إعداد السلّة يتطلّب الكثير من الجهد والتفكير، في اختيار الوجبات وتنويعها والحرص على تجنّب الممنوعات داخل السجن. هناك مصاريف تُثقل الكاهل بشكل ملحوظ، لأنّنا نُعدّ ثلاث وجبات متكاملة تكفي لمدّة ثلاثة أيّام في انتظار حلول موعد الزيارة القادمة، ونُراعي وجود نزلاء آخرين قد يتقاسم معهم الأكل، ونحن نعلمُ جيّدًا أنّ ظروف حفظ الأكل غير مُحترَمة في السجن، ممّا يُسرّع في تَلَف الوجبات.
هناك أيضًا تحضير الثياب وغسلُها وإرسال المال للسجين مرّة كلّ أسبوعين أو كلّ أسبوع حسب الظروف المادّية للعائلات، إلى جانب التنسيق مع المحامين ومواكبة الجلسات والتغطيات الإعلامية والنّدوات والتواصل مع لجنة المساندة وهيئة الدّفاع… وهنا أستعير عبارة رملة الدهماني شقيقة سنية عندما قالت: “هو عمل بوقت كامل” (un travail à plein temps).
المفكّرة: لو تحدّثيننا عن تجربة محادثة الزيارة، البارلوار؟
الزغيدي عدة: بين الطّريق إلى سجن المرناقيّة وانتظار دورنا للحديث مع مراد، تستغرق العمليّة بين ثلاث وأربع ساعات.
أدخل بأمل وشغف لأرى الشخص الّذي أحبّه وأشتاق إليه وأتحدّثَ معه. في البداية كان الأمر صعبًا ولكن تعوّدنا بمرور الوقت أن نختزل الحديث في عشر دقائق فقط، وهو تمرين اتّصالي صعب. تعوّدت أن أتلقّى توصيّاته وأن أُعلمَه بالمستجدّات وأسأله عن أحواله في عشر دقائق فقط.
أنا كنت ناطقة رسميّة لإحدى الجمعيّات وشاركت في دورات تدريبيّة في الاتصال في 2011 وأؤكّد أنّ تجربة البارلوار من أقوى التجارب وأكثرها نجاعة، لأنّها علّمتني كيف أوصل أكبر قدر من المعلومات في وقت وجيز، وأن أتحدّث في بعض الأحيان بالإشارة، أو أكتفي بتحريك شفتيَّ لأنّ هاتف المحادثة موضوع تحت التنصّت، أو بحركة بالعين لأنّ البارلوار صعب وفيه الكثير من الممنوعات حتّى لا نتسبّب ربّما في مشكلات لاحقة تحصل للسجين بسبب كلمة أو معلومة قيلت للعائلة.
البارلوار مشحون، ومهما حاولت أن أسجّل في دفتري ماذا عليّ أن أقول أجد نفسي في كلّ مرّة مُحبَطة لأنّ العَون في السجن سيختم المكالمة من دون أن يُمكّنَني من توديع ذلك الشخص العزيز الّذي يقبع خلف القضبان. أشعر وكأنّ رئتيّ توقّفتا عن العمل،
كأنّ التنفّس قد انقطع عنّي، خاصّة عندما أدخُل بكلّ شغف وأخرج وأنا خاوية تمامًا، وأنا أُدرك أنّ لحظة الوداع هي الأصعب دائمًا، ومن تناقل التجارب بين السجناء الّذين عاشوا محنة السجن نعرف أنّ العودة إلى الزنزانة أمر صعب على السجين، إذ يعود مثقلًا بالتساؤلات والهواجس، رغم حرص العائلة على عدم تمرير أيّ رسالة سلبيّة، لكنّ ذلك الإحساس لا يمكن إخفاؤه أبدًا، ونحن نستشعر آلام بعضنا البعض.
هو يعود بكلّ تلك الأثقال إلى زنزانته، مُحاطًا بأربعة جدران، وأنا أعود إلى حريّة نسبيّة، وأحمل معي شعورًا بالذّنب لأنّني تركت ذلك الشخص وعُدت أدراجي مثقلةَ بالشعور بالعجز واللا جدوى واللا معنى لأنّني لم أستطع انتشالَه ممّا هو فيه، رغم أنّني لم أدّخر جُهدًا في محاولات الإفراج عنه، ولكن ذلك الشعور لا يكاد يُفارقني.
المفكرة: من أين تستمدّ العائلة قوّتَها في مواصلة النّضال من أجل إطلاق سراح مراد؟
الزغيدي عدة: هناك ثلاثة أشياء نستمدّ منها القوّة. أولّا، وعلى سبيل المفارقة، فإنّ العائلة تستمد قوتها من مراد نفسه، لأنه قويّ ومتفائل وإيجابي ولديه طاقة جبّارة، وهو من يرفع معنويّاتنا لدى كلّ زيارة.
ثانيًا، محبة الناس التي تكاد لا تتوقّف. الرسائل التي نتلقّاها أنا وابنَتَا مراد لا تكاد تنقطع، رغم أنّني في البداية كنت أعتقد أنّ ذلك لا يعدُو أن يكون نشوة البدايات وستتلاشى تدريجيًّا. 
 ولكن على العكس تمامًا، حتّى أنّ أحدهم راسلني وقال لي إنّ والدتَه تدعو في صلاتها أن يُفرَجَ عن مُراد. وهذا المدّ التضامني مكثّف ومتواصل.
ثالثا  ومن حسن حظنا، أو سوئه، أنّ لنا تاريخا نضاليا وسجنيًّا في العائلة. أعمامي عرفوا سجون بورقيبة، والدتي تمّ إيقافُها وهي حامل بمراد وقضت 12 يومًا في دهاليز الداخلية، وعاشت كذلك السجن مع والدها. وجدتي أم والدتي عرفت السجون تمامًا مثلنا نحن الآن، إذ كانت إحدى منسّقات عائلات المساجين السياسيين في عهد الاحتلال الفرنسي، وأمي عاشته مع والدي عندما كانت منسّقة اللجنة الوطنية لمساندة عائلات المساجين السياسيين. 
هذا موروث عائلتنا الذي راكمناه مع مرور السنوات، وهو راسخ في السرديّات العائليّة. ودائمًا في حديثي مع مراد نتداول هذا الموضوع، والتعذيب الّذي تمّ تسليطُه على والدي مثل تقليع الأظافر وصعق أعضائه التناسليّة كهربائيّا، حتى نُنسِّب قليلا ونخفّف وطأة السجن، حتى في حديثي مع ابنتَيه.
المفكرة: هل تشكّلت بمرور الوقت وبتواتر الاعتقالات شبكات تضامن بين عائلات سجناء الرأي والسجناء السياسيّين في تونس؟
الزغيدي عدة: هناك تضامن كبير بين العائلات مهما كانت مشاربها. أنا ناشطة في الحقل الجمعياتي والمدني وعلاقاتي كثيرة والعديد من أصدقائي يقبعون في السجن. لم أكن أعرف عائلاتهم ولكنّ السجن ألّف بين العائلات والأبناء والأزواج والزوجات. 
لم يعد لي حياة اجتماعية وأصبحت مقتصرة على المرناقية. أعرف عائلة خيام التركي وغازي الشواشي وزوجة برهان بسيس وزوجة المعتقل لطفي المرايحي التي تعرّفت إليّ في السجن أثناء الزيارة، ومنذ ذلك الوقت لم تنقطع رسائلنا عن بعضنا البعض. سهام السعداوي، والدة غسان بوغديري المعتقل في أسطول الصمود، كانت لها مداخلة مؤثّرة في الندوة الصحفية هنا في مقر النقابة، وهي تتحدّث عن ظروف الاعتقال وعن الأكل الّذي يمكن لها أن تُحضره لابنها. حينها، أرسلت لها قائمة الممنوعات التي يجب تجنّبها في الأكل واللباس داخل السجن، وهي قائمة أوزّعها باستمرار على عائلات المساجين كلّما طرأ إيقاف جديد، حتّى أنني فكّرت في إحداث شركة أهليّة لإعانة العائلات، على سبيل الدّعابة. صرنا نتواصل يوميًّا وصارت تهاتفني قبل أن تذهب لشراء حاجيات الأكل.بالإضافة إلى هذا، هناك شكل آخر من التضامن، هو تضامن المحنة. نحن عائلات أشخاص سُجنوا ظُلمًا، نحن عائلات تخوض صراعًا يوميًّا ولنا المطالب السياسية ذاتها ونخرج في المظاهرات جنبًا إلى جنب.
أجرت الحوار: منال دربالي
نُشر هذا الحوار ضمن العدد 35 من مجلة المفكرة-تونس بعنوان “قمع الكلمة”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى