المونديال في زمن التحولات: كرة القدم بين عالمٍ متعدد وصعود الخطاب اليميني الشعبوي حول الهجرة والهوية

يشهد المونديال الامريكي الكندي المكسيكي لكرة القدم تجسيدًا مكثفًا لتحولات عميقة في بنية كرة القدم العالمية، حيث لم تعد المنتخبات الوطنية كيانات مغلقة تعكس تجانسًا داخليًا صارمًا، بل أصبحت في كثير من الحالات فضاءات تعكس حركة البشر عبر القارات، وتداخل الهويات، وتشابك مسارات الهجرة القديمة والحديثة.
لم يعد حضور اللاعبين ذوي الأصول المتعددة داخل المنتخبات المتأهلة إلى الأدوار الإقصائية مجرد تفصيل ثانوي، بل أصبح تعبيرًا مباشرًا عن عالم شديد العولمة، تتحرك فيه المواهب بين الأندية والدول، وتتداخل فيه الانتماءات بين بلد الميلاد وبلد الأصل وبلد التكوين.
ومن هذا التحول البنيوي في معنى “المنتخب” نفسه—من كيان وطني متجانس إلى تركيب بشري عابر للحدود—تتضح ملامح المشهد الأبرز في الأدوار الإقصائية، حيث يبرز الحضور الواسع للاعبين ذوي البشرة السوداء داخل عدد كبير من المنتخبات المتأهلة إلى دور الـ16.
ان هذا الحضور لا يمكن فهمه كمعطى بصري أو إحصائي منفصل، بل هو نتيجة مباشرة لمسارات تاريخية طويلة من الهجرة الإفريقية نحو أوروبا والأمريكيتين، سواء في سياق الاستعمار السابق أو الهجرات الاقتصادية واللاجئة اللاحقة، ثم اندماج أجيال متعاقبة داخل المجتمعات المستقبِلة.
وبذلك يصبح هؤلاء اللاعبون جزءً أصيلاً من البنية الرياضية للمنتخبات، وليسوا مجرد “إضافة” طارئة عليها، بل عنصرًا يعكس طبيعة هذه المجتمعات نفسها في صورتها المعولمة المعاصرة.
وفي هذا السياق، تكشف الأدوار المتقدمة من البطولة عن إعادة توزيع تدريجي لقوة كرة القدم عالميًا، حيث لم تعد الهيمنة محصورة في مدارس تقليدية، بل أصبحت أكثر انفتاحًا على دول من خارج المركز التاريخي للعبة، في ظل تطور أنظمة التكوين الرياضي، واتساع شبكات الكشافين والأندية، وسهولة انتقال اللاعبين في سن مبكرة.
هذا التحول يجعل “الهوية الكروية” نفسها مفهومًا مرنًا، لا يقوم على الأصل فقط، بل على مسارات معقدة من التربية الرياضية والهجرة والتبادل الثقافي.
غير أن هذا الواقع الرياضي المتعدد لا ينفصل عن السياق السياسي الأوسع الذي تُقام فيه البطولة، خصوصًا في أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث تتزامن استضافة المونديال مع صعود متسارع لخطابات يمينية وشعبوية في عدد من الدول.
هذه الخطابات غالبًا ما تجعل من الهجرة محورًا للصراع السياسي الداخلي، وتعيد تقديمها بوصفها تهديدًا للهوية الوطنية أو ضغطًا على الدولة الاجتماعية أو سببًا لاضطراب التوازن الثقافي، رغم أن الوقائع الاقتصادية والديمغرافية في كثير من الحالات تقدم صورة أكثر تعقيدًا بكثير.
في هذا الإطار، تصبح كرة القدم مساحة رمزية تكشف التناقض بين واقع فعلي متعدد ومتشابك، وخطاب سياسي يميل إلى التبسيط والتجريد.
فبينما تُظهر الملاعب أن الانتماء الرياضي يمكن أن يتشكل عبر مسارات الهجرة والاندماج والتعدد، تصعد في الخطاب العام سرديات تبحث عن هوية صافية أو متجانسة، وتربط الاستقرار بإغلاق الحدود أو تقليص حركة البشر.
هذا التوتر بين الواقع والخطاب هو أحد أبرز سمات المرحلة الحالية، خصوصًا في المجتمعات التي تستضيف المونديال وتعيش في الوقت نفسه نقاشات حادة حول الهجرة والاندماج.
فالأطروحات التي تتحدث عن “التغيير الديمغرافي” أو “فقدان الهوية” غالبًا ما تبني تصورها على فكرة أن المجتمع كيان ثابت، في حين أن التاريخ الاجتماعي لأوروبا وأمريكا نفسه هو تاريخ طويل من التحولات والهجرات وإعادة تشكيل الهويات.
الهجرة لم تكن يومًا عنصرًا طارئًا على هذه المجتمعات، بل كانت أحد محركاتها الأساسية، سواء في مراحل التصنيع، أو إعادة الإعمار، أو توسع الاقتصاد الحديث، أو حتى في بناء القوة الرياضية والثقافية التي تظهر اليوم على أرض الملعب.
كما أن ربط الهجرة حصريًا بالأزمة يغفل الأبعاد الاقتصادية والديمغرافية المعاصرة، حيث تواجه العديد من الدول الغربية شيخوخة سكانية ونقصًا في اليد العاملة في قطاعات متعددة، ما يجعل من الهجرة عنصرًا وظيفيًا في استمرارية الاقتصاد، وليس مجرد ملف ثقافي أو أمني.
وفي المقابل، فإن تحويل هذه القضية إلى صراع هوياتي حاد ينعكس في سياسات إقصائية أو خطاب كراهية، قد يؤدي إلى تعميق الانقسام الاجتماعي بدل معالجته، ويضعف قدرة المجتمعات على إدارة تنوعها الداخلي.
في هذا السياق، تصبح كرة القدم مرآة دقيقة لهذه التحولات: فهي تُظهر كيف يمكن للتعدد أن يتحول إلى مصدر قوة داخل الفريق الواحد، وكيف أن النجاح في العالم المعاصر لم يعد قائمًا على التجانس، بل على القدرة على دمج الاختلافات وتوظيفها. وبينما تتجه بعض الخطابات السياسية نحو الانغلاق، تقدم الملاعب صورة مغايرة لعالم يتحرك باتجاه مزيد من التشابك، حيث تصبح الهجرة والاندماج جزءً من البنية الطبيعية للمجتمع، لا استثناءً عليها
*الفاهم بوكدّوس
صخافي تونسي 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى