بين التعليق الطوعي والتعليق القضاءي: قراءة في دلالات موقف جمعيات الشابة في سياق استهداف المجتمع المدني

الفاهم بوكدوس

شهدت الساحة المدنية في تونس خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة مست علاقة الدولة بالمجتمع المدني، وطرحت أسئلة حقيقية حول مستقبل العمل الجمعياتي، وحدود استقلاليته، وقدرته على الاستمرار في أداء أدواره التنموية والثقافية والاجتماعية في ظل مناخ سياسي وإداري يتجه أكثر فأكثر نحو التضييق والرقابة.
وفي خضم هذا المشهد، برزت مبادرة عدد من جمعيات مدينة الشابة التي أعلنت تعليق أنشطتها ومشاريعها لمدة شهر، في خطوة احتجاجية ذات أبعاد رمزية وسياسية واجتماعية تتجاوز حدود المدينة لتلامس جوهر العلاقة بين السلطة والمجتمع المدني في تونس..
ان العريضة الصادرة عن عدد من مكونات المجتمع المدني بالشابة لم تكن مجرد بيان احتجاجي عابر، بل مثلت وثيقة سياسية ومدنية تعكس حالة من الاحتقان والإحساس بالتهميش، وتعبّر عن مخاوف متنامية من تراجع دور الجمعيات ومن غياب التفاعل الجدي مع مطالب الأهالي ومشاغل المدينة. وقد حملت العريضة جملة من الرسائل الواضحة..
أن المجتمع المدني في الشابة لم يعد يقبل أن يبقى
مجرد هيكل صوري يشتغل في الهامش دون قدرة فعلية على التأثير أو المشاركة في صناعة القرار المحلي..
لقد طالبت الجمعيات بعقد جلسة عاجلة مع السلط الجهوية والإدارات المعنية بحضور ممثلي المجتمع المدني، من أجل التداول الجدي في الملفات التنموية والخدماتية العالقة ووضع حلول عملية لها. كما أعلنت عن تنظيم وقفة احتجاجية سلمية في حال استمرار تجاهل مطالبها، مع إبقاء تنسيقية المجتمع المدني في حالة انعقاد دائم لمتابعة الخطوات التصعيدية المقبلة.
ان هذه النقاط تكشف أن التحرك لم يكن انفعالاً ظرفياً، بل مساراً منظماً يقوم على التشاور والتدرج في أشكال الاحتجاج، ويؤكد تمسك الجمعيات بالعمل السلمي والقانوني..

غير أن ما يمنح هذا القرار بعده الوطني العميق هو تزامنه مع قرارات تعليق نشاط عشرات الجمعيات التونسية لمدة شهر أو إخضاعها لإجراءات رقابية وإدارية مشددة. هنا يتحول التعليق الطوعي الذي اختارته جمعيات الشابة من مجرد وسيلة احتجاج محلية إلى موقف سياسي رمزي يحمل معاني أوسع. فالفرق كبير بين جمعية تُجبر على التوقف بفعل قرار إداري أو تضييق قانوني، وجمعية تختار بنفسها تعليق نشاطها احتجاجاً وتنبيهاً إلى خطورة الوضع. لكن الرابط بين الحالتين يكمن في الإحساس المشترك بأن المجال المدني في تونس يعيش مرحلة دقيقة تتراجع فيها مساحات الثقة والشراكة..
إن قرار الجمعيات التونسية تعليق أنشطتها أو تعرضها للتجميد الإداري لا يمكن فصله عن المناخ العام الذي أصبح ينظر إلى المجتمع المدني بعين الريبة والشك، خاصة بعد سنوات لعبت فيها الجمعيات دوراً مركزياً في مراقبة الانتخابات والدفاع عن الحقوق والحريات والتنمية المحلية والعمل الإنساني.
وقد ساهمت بعض الخطابات السياسية والإعلامية في خلق صورة سلبية عن الجمعيات، عبر تعميم الاتهامات وربط العمل المدني بشبهات التمويل الخارجي أو التوظيف السياسي، وهو ما أدى إلى تآكل منسوب الثقة بين الدولة والفاعلين المدنيين.

في هذا السياق، يكتسب موقف جمعيات الشابة دلالة مضاعفة. فهو من جهة احتجاج على واقع محلي تعاني فيه المدينة من مشاكل تنموية وخدماتية مزمنة، ومن جهة ثانية إعلان تضامن ضمني مع واقع أوسع يطال المجتمع المدني التونسي ككل, وكأن الجمعيات تقول إن تعليق النشاط لم يعد فقط نتيجة قرار سلطوي، بل أصبح أيضاً وسيلة ضغط بيد الفاعلين المدنيين أنفسهم للتعبير عن رفضهم للتهميش وعدم الإصغاء.
إن الربط بين التعليق القضاءي /الإداري والتعليق الطوعي يحمل معاني سياسية عميقة.
فالتعليق الإداري /القضائي يوحي عادة بوجود سلطة تمتلك أدوات المنع والعقاب، بينما يعكس التعليق الطوعي امتلاك الجمعيات لقرارها واستعمالها هذا القرار بطريقة احتجاجية. بهذا المعنى، فإن جمعيات الشابة لم تنتظر أن تُعاقب أو تُمنع، بل اختارت أن تحوّل التوقف المؤقت عن النشاط إلى رسالة سياسية وأخلاقية تقول إن المجتمع المدني ليس مجرد منفذ لأنشطة ترفيهية أو مناسباتية، بل هو شريك أساسي في التنمية وفي حماية التوازن الاجتماعي.
كما أن هذه الخطوة تكشف وعياً متزايداً لدى الجمعيات بأهمية الفعل الرمزي. فتعليق الأنشطة الثقافية والبيئية والاجتماعية والرياضية لمدة شهر لا يعني فقط إيقاف برامج ومشاريع، بل يعني أيضاً إظهار الفراغ الذي يمكن أن يحدثه غياب المجتمع المدني داخل المدن والأحياء.
فالجمعيات في تونس لم تعد مجرد فضاءات للهواية، بل أصبحت خلال السنوات الماضية تعوض أحياناً ضعف المؤسسات العمومية في مجالات عديدة، من الدعم الاجتماعي إلى الأنشطة الثقافية، ومن التوعية البيئية إلى تأطير الشباب والأطفال.
ومن هذا المنطلق، فإن قرار جمعيات الشابة يوجه رسالة مباشرة إلى السلطة مفادها أن تهميش المجتمع المدني أو تجاهله ستكون له انعكاسات فعلية على الحياة اليومية للمواطنين. فالمدينة التي تتوقف فيها الجمعيات عن النشاط تفقد جزء من حيويتها ومن قدرتها على خلق المبادرات والتواصل والتضامن. لذلك جاء البيان محملاً بلغة تؤكد أن الجمعيات تجد نفسها مضطرة إلى تعليق نشاطها وإغلاق مقراتها أمام الرواد تمسكاً بحقها المشروع في الدفاع عن مصالح المدينة وسكانها.
ولا يمكن قراءة هذه التطورات بعيداً عن السياق السياسي العام في تونس بعد سنوات من التحولات العميقة التي أعادت رسم العلاقة بين الدولة والفاعلين السياسيين والاجتماعيين.
فالمجتمع المدني الذي كان أحد أبرز مكاسب المرحلة الديمقراطية بعد 2011، يجد نفسه اليوم أمام تحديات تتعلق بالتمويل والرقابة والقدرة على الاستمرار، فضلاً عن تصاعد خطاب شيطنة يشكك في شرعيته أو في أدواره.
ومع ذلك، فإن ما يميز الحالة التونسية هو أن المجتمع المدني ما زال يمتلك قدرة واضحة على التنظيم وعلى إنتاج أشكال احتجاج سلمية ومتوازنة. .
كما أن التنوع الكبير للجمعيات الموقعة على العريضة يمنحها بعداً مجتمعياً مهماً. فقد ضمت جمعيات بيئية وثقافية وكشفية وتنموية وإنسانية، وهو ما يعكس وحدة نادرة حول قضية مشتركة تتجاوز الاختلافات القطاعية.
وعندما تجتمع هذه المكونات المختلفة حول قرار موحد، فإن ذلك يعكس شعوراً عاماً بأن الوضع بلغ درجة تستوجب موقفاً جماعياً.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني هو الانتقال من منطق الشراكة إلى منطق الشك والصدام ومحاولات الانهاء والالغاء . فالدول الحديثة لا تقوم فقط على المؤسسات الرسمية، بل أيضاً على حيوية المجتمع المدني باعتباره ايضا وسيطاً بين المواطن والسلطة، وقوة اقتراح ومراقبة وتنمية. وعندما تشعر الجمعيات بأنها غير مسموعة أو بأنها مستهدفة، فإن ذلك يضعف الثقة العامة ويؤثر على مناخ المشاركة المدنية.
من هنا، يمكن اعتبار خطوة جمعيات الشابة محاولة لإعادة طرح سؤال أساسي: ما الذي تريده الدولة من المجتمع المدني؟ هل تريده مجرد واجهة شكلية محدودة التأثير، أم شريكاً فعلياً يمتلك حق النقد والمساءلة والمبادرة؟ اما جسما ةسيطا يجب آلغاءه؟
كما تطرح الخطوة سؤالاً آخر لا يقل أهمية: كيف يمكن الحفاظ على استقلالية العمل الجمعياتي دون تحويله إلى مجال للصراع السياسي أو للتجاذبات؟
لقد اختارت جمعيات الشابة أن تعبّر عن موقفها بلغة مدنية وسلمية، وأن تستعمل حقها في الاحتجاج المنظم من أجل لفت الانتباه إلى مطالب المدينة وإلى الوضع العام الذي يعيشه القطاع الجمعياتي في تونس. وقد يكون أهم بين التعليق الطوعي والتعليق القضاءي: قراءة في دلالات موقف جمعيات الشابة وسياق استهداف المجتمع المدني في تونس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى