لا تكثر معي الكلام إمّا تخرج البطاقة، أو أطلب الشرطة.

صباح اليوم وجدت في صندوق البريد خطاب اعتذار موجه لي من إحدى شركات السكك الحديدية الألمانية مرفقًا بتذكرة سفر مجانية تعويضًا عن موقف حدث قبل أيام …

قبل أيام كنتُ على متن قطارٍ ألماني في رحلة عمل عادية؛ جالس على مقعدي وفي يدي كتابي وأمامي على الطاولة قلمي وأوراقي، وفي المقعد المقابل تجلس سيدة ألمانية تتصفح هاتفها في صمت، والهدوء الشتوي يخيم على المكان …

وفجأة جاء موظف القطار ليتفقد التذاكر؛ فبدأ بالسيدة قبلي، فتوجه نحوها بالتحية وسألها بكل لطف عن تذكرتها فأظهرتها له؛ فشكرها ثم جاء دوري …

قدّمت له تذكرتي؛ نظر فيها قليلًا، ثم قال: أريد بطاقتك الشخصية لمطابقة الاسم بين التذكرة والبطاقة (لأن تذاكر القطارات في ألمانيا أنواع ومنها ما يحتاج إلى الاسم خصوصا مع حجز الكرسي) ..

سألته بهدوء: هل مطابقة التذكرة مع البطاقة الشخصية واجب قانوني؟ قال: نعم (وهو محق في ذلك)، لكنني قلت له: إن كان واجبًا قانونيًا فلماذا لم تطلب من السيدة المحترمة هنا أن تخرج لك بطاقتها؟ هل السبب هو ملامحي التي جعلتك تشتبه بي أم ماذا بالتحديد؟ … فسكت لحظة ثم انتقل فجأة إلى العربية وقال بنبرة حادة: أنت تفهم عربي صحيح؟ لا تكثر معي كلام إمّا تخرج البطاقة، أو أطلب الشرطة.

وهنا فهمتُ أن المسألة لم تعد إجراءً روتينيًا بل تحولت إلى نمط تعامل انتقائي تمييزي بناء على ملامحي العربية كما توقعت وهذا يجرمه القانون فإذا كنت أنا والسيدة نمتلك نفس نوع التذكرة فعليه أن يعاملنا نفس المعاملة؛ فأصررتُ أن أواصل الحديث بالألمانية ( لأنها اللغة الرسمية للخدمات العامة هنا وحتى يكون الحوار واضحًا أمام السيدة لتكون شاهدة)؛ فقلت له: في الحقيقة يمكنني أنا أن أطلب الشرطة وأحرر لحضرتك محضرًا بالتمييز في المعاملة.

وتدخلت السيدة الألمانية مشكورة وقالت له: بالفعل، هذا تمييز غير قانوني لماذا سألته وحده ولم تسألني أنا؟

تردد وحاول التبرير، ولكني طلبت حضور رئيس القطار، وحين حضر شرحت له الموقف؛ فقدّم اعتذارًا باسم شركة السكك الحديدية، وقال لي: إن أردت تصعيد الأمر فهذا حق حضرتك القانوني، ولكن في كل الأحوال اسمح لنا بالحصول على عنوان حضرتك لنرسل لك رسالة اعتذار وتذكرة مجانية اعتذارًا عن هذا التصرف السخيف.

وصلتني التذكرة اليوم بالفعل مرفقة بخطاب لطيف، ولكن تبقى المفارقة المؤلمة ..

في بلد تجرم العنصرية والتمييز قد لا يأتيك التمييز من حيث تتوقع، بل يأتيك من شخصٍ يتكلم لغتك، ويحمل ملامحك، ويشاركك التاريخ والذاكرة …

وهذه للأسف ليست حالة فردية؛ فكم من عربي يدخل مطعمًا عربيًا فيُقابَل من موظف عربي بطريقة باهتة، بينما يُغدق الترحيب والاهتمام على الزبون (الأبيض) بجانبه؟ كم من موظف عربي في مرفق عام يسأله شخص عربي سؤلا فيجيبه بجفاء ثم يرى ذات الموظف يفيض أدبًا ولطفًا مع غيره؟

إنها عنصرية بغيضة، تعمل في الظل، وتضرب في العمق، لأن أقسى أشكال التمييز التي قد يواجهها العربي هنا هي التي تأتيه من حيث لا يحتسب.

إن لم ننشر ثقافة الاحترام فيما بيننا فكيف نطالب الآخرين باحترامنا ؟

*محمد مفتي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى