ضحك يشبه البكاء
بقلم عامر بوعزة

تداول كثير من التونسيين مقطع فيديو من خطاب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أمام نواب شعبه يتحدث فيه عن تفوّق بلاده في صناعة (أقلام الأنسولين)، ويقول بكثير من الحماس: إن الجزائر أصبحت «الأولى والوحيدة عالميا في هذا المجال». وخلافا لما يتوقعه هؤلاء «النشطاء» فإن تصريحه هذا رغم ما يتضمنه من مبالغة يتحدث عن إنجاز حقيقي لا عن أوهام يحاول فرضها عنوة على شعبه كما يفعل بعض الرؤساء الآخرين.
تسيطر على السوق العالمية لأقلام الأنسولين ثلاث شركات كبرى، الأولى دنماركية، والثانية فرنسية أما الثالثة فأمريكية، وقد أبرمت الحكومة الجزائرية شراكة استراتيجية مع الشركة الدنماركية التي كانت تستورد منها هذه الأقلام، ومكنتها من تأسيس وحدة إنتاج بالمنطقة الصناعة «بوفاريك» بولاية البليدة في الوسط، انطلقت في العمل سنة 2023 بطاقة 60 مليون قلم سنويا. وفي العام ذاته دخل مصنع «بيوكار» الجزائري الخاص حيز الإنتاج الفعلي لأقلام الأنسولين المعبّأة بطاقة إنتاج مماثلة.
حققت الجزائر اكتفاءها الذاتي وانتقلت بحلول العام 2024 من دولة تستورد حوالي27 مليون قلم سنويا إلى دولة مصدرة، وأول شحنة من أقلام الأنسولين المصنوعة في الجزائر وجهت في العام ذاته إلى المملكة العربية السعودية، ويعتبر ممثلو الشركة الدنماركية أن مصنع «بوفاريك» هو المصنع الوحيد للشركة في العالم الذي ينتج كامل سلسلة الأقلام الحديثة بهذه الطاقة خارج الدنمارك وأوروبا، بما يجعله منصة مهمة للتصدير في المستقبل، وربما كان هذا التصريح الأساس الذي بنى عليه الرئيس الجزائري فكرته.
ما حققته الجزائر في مجال الصناعة الصيدلانية، ليس استثناء، بل جزء من استراتيجية شاملة تطمح إلى تجاوز الاكتفاء الذاتي والانتقال في عديد القطاعات من التوريد إلى التصدير، فبعد أن كانت تستورد الحديد تجاوزت صادراتها إلى ثلاثين دولة في مختلف قارات العالم في أقل من عشر سنوات 700 ألف طن بعائدات تجاوزت 400 مليون دولار. بفضل «الشركة الجزائرية القطرية للصلب» التي تأسست في ولاية جيجل سنة 2013
تعلمنا التجربة الجزائرية أن تحقيق الاكتفاء الذاتي في كثير من المجالات ممكن إذا ما توفرت الإرادة السياسية، وهذا لا يحدث في دول أخرى مجاورة تعتمد بدرجة أولى على اقتصاد الخدمات الذي لا يستفيد منه الا قلة من الوسطاء. فضلا عن أن الاكتفاء الذاتي يقتضي بالضرورة تكييف الصناعة المحلية وفق مقتضيات السوق الداخلي، ففي تونس مثلا استطاعت إحدى شركات الدواء تحقيق قفزة هامة في مجال صناعة الأنسولين لكنها لا تسوقه في شكل أقلام وهو ما يحبذه عموم المصابين بالسكري في بلادنا!
تعلمنا هذه التجربة كذلك أن التنمية الاقتصادية تتعارض مع الانغلاق السياسي والعزلة الإيديولوجية، فالاستثمارات الأجنبية المباشرة ليست استعمارا، والشراكات الاستراتيجية لا تخلّ بقواعد السيادة، كما إن التعاون الثنائي بين الدول يمكن أن يقع دون النيل من استقلالية القرار السياسي. ولما كان عالم اليوم يستدعي التكتلات الكبرى أكثر من أي وقت مضى فإن القطاع الخاص هو بالضرورة شريك أساسي وليس عدوا ينبغي محاربته باسم النزاهة ونظافة اليد.
وعندما يسخر بعض التونسيين من تبون بسبب مبالغة بسيطة وقع فيها قد يؤكدون ما يتهم به شعبنا من «قصر نظر»، كمن يكتفي بتأمل الاصبع عندما تريد أن تريه بيدك السماء، أو لعله من النتائج الحتمية للتطبيع مع الفقر والبؤس والعجز والإحباط حيث يصبح العقل الذي تعود على خطاب الفشل والأوهام والمؤامرات غير قادر على استيعاب فكرة النجاح، فيضحك من الآخرين بدل أن يبكي على حاله!

*تعليق على هامش مقال الصديق الكبير عامر بوعزة،
يواجه الاف مرضى السكري في تونس مصائرهم فرادى بعد توقف الصيدليات عن التعامل مع الكنام، وامام صمت المسؤولين او غيابهم، فالكنام دون رئيس مدير عام منذ اقالة كمال المدوري -عين لاحقا وزيرا للشؤون الاجتماعية ورئيسا للحكومة ومع ذلك لم يعين خليفة له على راس الصندوق الوطني للتامين على المرض-
الوضعية اليوم لمرضى السكري تفرض عليهم شراء الانسولين نقدا وانتظار الكنام لاسترجاع المصاريف لان الصيدليات لم تعد تعتؤف بوثائق التكفل الصادرة عن الكنام، ولا احد من مسؤولي البلاد الهايلة يطرح على نفسه السؤال، هل لمريض السكري القدرة على شرائ الانسولين من ميزانيته الخاصة؟
لم يجانب حنبعل المجبري الصواب حين قال- اثر الخروج المخزي من كاس افريقيا للامم – ان بلادنا تاخرت في كل شيء وبأننا نحلم كثيرا ولا نغمل سوى القليل




