اضطرابات في طرابلس واستعراض قوة في بنغازي

منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي قبل نحو عقدٍ ونيّف، لم يُكتب بعد لليبيا أن تتنفس الصعداء، فالمناطق الغربية، منذ اغتيال القيادي عبد الغني الككلي، تعيش على صفيح ساخن، بين احتجاجات تُطالب باستقالة عبد الحميد الدبيبة المقالة أساساً من البرلمان، تُقابلها تظاهرات مؤيدة له، لينعكس الانقسام في الأروقة السياسية، على الشارع في طرابلس.
وبينما يعتبر محللون، أن ذروة الاحتجاجات في العاصمة، مرّت، يُبدي هؤلاء، مع آخرين، خشية من أن يؤدي غياب المُعالجات والتغيير وفق مسار سياسي شامل، ينتهي بحكومة موحدة وخارطة سياسية وزمنية لإجراء الانتخابات، إلى فقدان حكومة الوحدة الوطنية المقالة من البرلمان السيطرة على الوضع، بما يجر إلى مزيد من عدم الاستقرار في الوضع الداخلي، تؤججه تشكيلات مُسلّحة، الأمر الذي يُثير مخاوف من اندلاع حرب أهلية.
وفي شرق ليبيا، لا تزال العاصمة، بنغازي، تعيش ارتدادات الاستعراض العسكري الضخم الذي نظّمه الجيش الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، في الاحتفال بالذكرى الـ 11 لـ”عملية الكرامة”، التي أطلقها الجيش على مجموعات مُسلحة يعتبرها “متطرّفة”.
وتخلل الاحتفال حضور لافت لمسؤولين من دول عربية وإفريقية وغربية، بالإضافة إلى قيادات عسكرية وسياسية، في استعراض يبعث برسائل للداخل والخارج، وفق خبراء.
وتلك الرسائل أراد مُرسلوها، على ما يبدو، الإيحاء للخارج والداخل، بانتظام الوضع السياسي والعسكري واستقراره في الشرق، بخلاف الاضطراب الذي يعيشه الغرب، وما بين اشتعال الغرب ورسائل الشرق، يغرق المشهد الليبي في مزيدٍ من التعقيد، تتفاوت درجاته منذ بداية الأزمة الليبية عام 2011.
الأزمة الحالية في الغرب، تفجّرت عقب مصرع القائد عبد الغني الككلي في 12 ماي الماضي، لتندلع اشتباكات عنيفة في طرابلس، أعادت مشاهد الدم إلى الشوارع، التي شهدت تحركات تطالب بوضع “نُقطة نهاية” للاقتتال، وبلغ الأمر حد المطالبة بإسقاط حكومة الدبيبة”، لكن ما لبث هذا الشارع أن انقسم، إذ خرجت تظاهرات داعمة للدبيبة، ليعكس هذا الانقسام، ما هو حاصل من شرخ في أروقة السياسة الليبية.واتهم الدبيبة بتمويل التحركات المساندة له فضلا عن استقوائه بالمجموعات المسلحة لمصراطة مسقط راسه، وهو ما اثار حفيظة” الطرابلسية” اي ابناء العاصمة طرابلس وطالبوا بخروج كل المجموعات المسلحة الوافدة من خارج العاصمة
وفي ظل التباين الحاد في الرؤى بين الهياكل التشريعية والتنفيذية، والتضارب في المرجعيات الدستورية، وأيضاً في الحسابات والاصطفافات، تغيب شيفرة الحل، ويراوح الانقسام مكانه.
وبالتزامن، تحاول الأمم المتحدة إعادة ضبط العملية السياسية عبر خارطة طريق تُمهد لإجراء الاستحقاق الانتخابي المؤجل، وهي المرحلة المفصلية التي ينتظرها الليبيون منذ سنوات، ويُعلقون عليها الآمال في بناء مؤسسات دائمة وموحدة.
استعراض ضخم في بنغازي:
حفتر: الكلمة الفصل في اللحظة الحاسمة للجيش الليبي

حفتر يتحدث عن أن الجيش الليبي حارب الإرهاب نيابة عن العالم (القيادة العامة)
تعهد المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» بأن القوات المسلحة الليبية «كانت وستظل رهن إشارة الشعب، وصاحبة الكلمة الأولى والأخيرة»، وقال: «ستكون الكلمة الفصل لها في اللحظة الحاسمة».

وتحدث حفتر خلال احتفال القيادة العامة بالذكرى 11 لـ«عملية الكرامة»، عن دور الجيش في التصدي للتنظيمات المتطرفة، وقال: «فقدنا الآلاف من أبناء جيشنا في حربنا على الإرهاب التي انتصرنا فيها نيابة عن العالم»، وأشار إلى أن «الهدف الأول والأخير للقيادة العامة، هو استعادة الدولة الليبية، وهيبتها، وتعزيز الأمن، و الاستقرار… ونحن مع إرادة الشعب الليبي، ورهن إشارته».
وخاطب حفتر القوات المشاركة في الاستعراض العسكري، وقال لهم: «أنتم الدرع والسيف على الحدود للدفاع عن هذا الوطن؛ ونحن كلنا فداء لليبيا، وعزتها، ووحدة ترابها».

وأشار حفتر إلى أن «دماء الآلاف من أبناء جيشنا ذهبت في سبيل الدفاع عن هذا الوطن، والتصدي لمشروع الإرهاب العابر للحدود». وقال: «نذكّر الجميع بأننا حاربنا وهزمنا الإرهاب، لذا يجب على العالم الذي حاربنا نيابة عنه أن يقدم احتياجات هذا الجيش دون تمييز، أو تأخّر».
وجاء احتفال القيادة العامة وسط حضور لافت لمسؤولين من دول عربية وأفريقية وغربية، بالإضافة إلى قيادات عسكرية، وسياسية، بجانب أسر «الشهداء» الذين سقطوا في «الحرب ضد الإرهاب».

واستهل الاحتفال الاثنين، في المدينة العسكرية التي شيدها «الجيش الوطني» غربي مدينة بنغازي، بعرض عسكري وصفته القيادة العامة بـ«الكبير»، وكشفت الاستعراضات التي أجراها سلاح القوات الجوية للمرة الأولى عن طائرات مسيرة مقاتلة، وانقضاض، واستطلاع.
وحضر الاستعراض العسكري نائب وزير الدفاع الروسي يونس بيك إيكفوروف، ومسؤولون من بيلاروسيا، ومدير جهاز الاستخبارات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، ووفود من دول، بينها النيجر وتشاد، بالإضافة رؤساء بعثات دبلوماسية عربية وأجنبية.
وأثنى عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي على دور الجيش في «تحقيق الأمن والاستقرار» في ليبيا. وقال: «إن وطناً بلا جيش هو مستنقع للفوضى، والاقتتال، ومستقر ومعبر للمهربين والمجرمين، وساحة للنهب، وتصفية الحسابات الشخصية، والجهوية، والطائفية».

وذكّر صالح باندلاع «عملية الكرامة» قبل 11 عاماً من الآن، وقال: «في مثل هذه الأيام قال الشعب الليبي كلمته التي لا ترد، وعبر عن إرادته الصلبة الحرة، متحدياً الإرهاب، والفكر الظلامي».
وكان «الجيش الوطني» بقيادة حفتر أطلق «عملية الكرامة» منتصف ماي عام 2014 لمواجهة الجماعات المتطرفة في بنغازي، قبل أن تمتد إلى غرب ليبيا من خلال موالين للجيش ضد تيارات إسلامية، وتشكيلات مسلحة.
صالح تحدث أيضاً عن أن «القيادة العامة» تمكنت من «تشكيل جيش نظامي نهض من تحت الرماد، وعبر طريق اليأس بصلابة المؤمنين الواثقين، وحمل على عاتقه مسؤولية تحرير وطن وشعب».
وعبّر صالح عن فخره «بالقيادة العامة للجيش، وجنوده، وضباطه»، وقال إنها «مهدت الطريق لبناء مؤسسة عسكرية نظامية احترافية نحن في حضرتها اليوم».
وأطلق رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حمّاد، اسم حفتر على المدينة العسكرية، وقال في كلمته خلال الاحتفال: «أعلن اليوم تسمية هذا المعلم العسكري الوطني: مدينة المشير خليفة حفتر العسكرية».
وعدّ حمّاد القرار «تقديراً وعرفاناً لما قدمه (حفتر) من تضحيات تمثل أكبر معاني البطولة والفداء، وتحمل المسؤولية الكاملة تجاه الوطن».
وسبق أن أرجأت «القيادة العامة» الاحتفال بمناسبة ذكرى «عملية الكرامة» يوم 16 ماي الجاري، بسبب الاقتتال الذي شهدته العاصمة طرابلس بعد مقتل القائد الميليشياوي عبد الغني الككلي، رئيس «جهاز دعم الاستقرار».
بينما تغرق طرابلس في “معركة الشارع”، كانت المدينة العسكرية في بنغازي، شرقي ليبيا، تعيش على وقع استعراض عسكري ضخم، تخللته كلمة لقائد الجيش الليبي خليفة حفتر تضمن رسائل متعددة الأبعاد.
سيناريوهات محتملة
وعمّا يُمكن أن يُسفر عنه التعقيد الراهن، والمُعقّد، في الغرب الليبي، حذّر المحلل السياسي محمد امطيريد، من أن الاحتجاجات “مرشحة للتصعيد”، مشيراً إلى أن هناك سيناريوهات عدة محتملة “لا تُبشر بأي استقرار قريب: الأول، إمكانية تصاعد المظاهرات إلى درجة تفقد الحكومة السيطرة، خاصة إذا استمر التجاهل والتأخير في الاستجابة. والثاني: قد تقوم السلطة خلاله بمحاولة احتواء الغضب بإجراءات تجميلية أو وعود مكررة، وهي وصفة معروفة للفشل”.
وتابع: “أما “ثالث السيناريوهات الواردة، فهو الأخطر، ويتمثل في دخول التشكيلات المُسلّحة على الخط، إما لقمع المظاهرات أو لحماية أطراف سياسية معينة، ما قد يحوّل الشارع إلى ساحة مواجهة مسلحة، في حين يتمثّل السيناريو الرابع والأخير في وجود احتمال متزايد لعصيان مدني واسع، وذلك في حال شعر المتظاهرون والمواطنون عموماً بأنه لا أمل في الإصلاح من الداخل”.
وبحسب امطيريد، فإن “خروج مظاهرات متزامنة، بعضها مؤيد لحكومة الدبيبة وأخرى معارضة لها، قد يطلق شرارة صدام مسلح، خصوصاً في ظل انتشار السلاح والانقسام”، مشيراً إلى “وجود أطراف تحمل السلاح ولها ولاءات متباينة، ما يعني أن أي احتكاك قد يتحول بسرعة إلى مواجهة حقيقية”.
وقال: “اليوم شعارات، وغداً قد تكون رصاصات. ليبيا لا تزال تسير على حافة هاوية لم تغادرها منذ سنوات”.
وأضاف امطيريد: “الدبيبة الآن أمام لحظة حرجة لا تحتمل التسويف أو المناورة. فإما أن يتحرك فوراً بإصلاحات جذرية تشمل تغيير الوجوه وفتح ملفات الفساد، والدخول في حوار وطني حقيقي يضم مختلف الأطراف، أو أن ينتظر الانفجار القادم”، معتبراً أن “الشارع لا يهدأ بالمسكنات، ولا ينطفئ بالبيانات الإنشائية، والغضب هذه المرة حقيقي، والشارع بات أكثر وعياً وتنظيماً، والوقت ليس في مصلحته (الدبيبة)، وإن تأخر أكثر، فقد لا يجد من يسمع صوته حين يقرر أخيراً أن يتحدث”.




