قررت الحكومة الإسبانية، الأربعاء، إعفاء سفيرها لدى تل أبيب مع تقليص تمثيلها في إسرائيل، بحسب ما ذكرته الجريدة الرسمية، في أحدث تصعيد بين البلدين.
وأوضحت صحيفة إل باييس الإسبانية أن القرار، الذي اتُّخذ خلال آخر اجتماع لمجلس الوزراء، يعني أن إسبانيا سحبت رسميا رئيسة بعثتها الدبلوماسية في تل أبيب وخفّضت مستوى تمثيلها إلى قائم بالأعمال، وذلك في خطوة مماثلة لما تقوم به إسرائيل في سفارتها بمدريد.
وقال مصدر في وزارة الخارجية لوكالة رويترز إن قائما بالأعمال سيتولى إدارة سفارة إسبانيا في تل أبيب، في المقابل لم يصدر أي تعليق رسمي من الحكومة الإسرائيلية.
وشهدت العلاقات بين إسبانيا وإسرائيل خلال السنوات الأخيرة تدهورًا متصاعدًا، بلغ ذروته في أوائل عام 2026، في مؤشر نادر على توتر دبلوماسي بين دولتين عضوين في النظام الدولي.

ولم تعترف إسبانيا بدولة إسرائيل حتى عام 1986، بعد تطور ملموس أدى إلى إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين الطرفين، تبعه توقيع سلسلة من اتفاقيات التعاون في مجالات متنوعة، ومع ذلك ظلت هذه العلاقات يحكمها موقف مدريد من الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين.
ويعود التوتر بين إسبانيا وإسرائيل أساسًا إلى اختلاف في رؤى السياسة الخارجية. بينما تعتبر إسرائيل أن ممارساتها الأمنية جزء من حقها في الدفاع عن نفسها، ترى إسبانيا أن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، وتدعو إلى تهدئة وفور انسحاب من الأراضي المتنازع عليها.
كما أثارت إسبانيا انتقادات واسعة لموقف إسرائيل في الحرب على غزة، ما دفعها في عام 2025 إلى إعلان حزمة من الإجراءات، من بينها حظر بيع الأسلحة إلى إسرائيل ومنع استخدام أراضيها لدعم عمليات عسكرية ضد أطراف أخرى في الشرق الأوسط، ما استدعى ردود فعل حادة من الجانب الإسرائيلي، الذي وصف السياسات الإسبانية بأنها “انحياز سياسي متطرف”.
وعقب إعلان إسبانيا في ماي 2024 الاعتراف بدولة فلسطين، استدعت إسرائيل سفيرها لدى مدريد، ومنذ ذلك الحين انخفض التمثيل الدبلوماسي الإسرائيلي في إسبانيا إلى مستوى القائم بالأعمال.
كما استدعت مدريد سفيرتها في إسرائيل الأسبوع الماضي، على خلفية التوترات الحادة بين البلدين، بعد إعلان الحكومة الإسبانية إجراءات جديدة “لوضع حد للإبادة الجماعية في غزة”.
في إسبانيا نفسها، لاقى موقف الحكومة دعمًا شعبيًا من قطاعات واسعة تُظهر تحفظًا أو معارضة للعمليات العسكرية في الشرق الأوسط، كما أن هناك دعوات داخل البرلمان والمجتمع المدني لتبني قرارات أكثر صرامة تجاه السياسات الإسرائيلية.
كما لعبت بعض البلديات الإسبانية دورًا في دعم القضية الفلسطينية عبر قرارات رمزية وأشكال من التضامن، مما ساهم في رسم صورة عامة عن تركيز إسبانيا على البعد الحقوقي في سياساتها الخارجية.
ويأتي التوتر الإسباني – الإسرائيلي في سياق أوسع يتعلق بمواقف الدول الأوروبية تجاه الحرب في الشرق الأوسط والسياسات الإسرائيلية، في وقت تحاول فيه بعض الدول الأوروبية الموازنة بين دعم إسرائيل كحليف استراتيجي، وبين الدعوات المتزايدة للسلام ووقف العنف.
وتضع مواقف إسبانيا، التي اتخذت نهجًا أكثر انتقادًا، بروكسل في موقف حساس بين العواصم الأوروبية، وبين التزاماتها مع الولايات المتحدة وحلف الناتو.
لماذا يتحدى سانشيز ترامب في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؟
يبرز رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بين القادة الأوروبيين بموقفه الصريح في مواجهة سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المرتبطة بالحرب مع إيران، بعدما قررت مدريد منع القوات الأميركية من استخدام قاعدتين عسكريتين في جنوب إسبانيا لتنفيذ ضربات ضد طهران.القرار الإسباني، الذي يتعلق بقاعدتي روتا ومورون في إقليم الأندلس، دفع ترامب إلى التهديد بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا بالكامل، في خطوة تصعيدية تعكس حجم الخلاف بين البلدين حول الحرب.
لكن سانشيز بدا مستعداً لتحمل الضغوط الأميركية، مؤكداً أن بلاده لن تكون شريكاً في عمليات عسكرية يعتبرها “ضارة بالعالم ومخالفة لقيم إسبانيا ومصالحها”، حتى لو أدى ذلك إلى إجراءات انتقامية.
الموقف الإسباني يقوم على رفض الحرب، فقد لخّص سانشيز سياسة حكومته بعبارة “لا للحرب”، معتبراً أن الضربات التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران تمثل “تدخلاً عسكرياً غير مبرر وخطيراً ينتهك القانون الدولي”، رغم معارضة حكومته للنظام الإيراني.
في الوقت نفسه، شاركت إسبانيا في جهود دفاعية إلى جانب شركائها الأوروبيين لمواجهة تداعيات التصعيد، فقد أرسلت سفينة حربية إلى شرق البحر المتوسط بعد استهداف قاعدة بريطانية في قبرص بطائرة مسيّرة خلال الرد الإيراني.ويحمل الخلاف مع واشنطن أيضاً أبعاداً سياسية داخلية، فسانشيز يقود حكومة ائتلافية هشة، ويواجه ضغوطاً من شركائه اليساريين قبيل الانتخابات الوطنية المقررة العام المقبل، كما تعرض حزبه الاشتراكي لفضائح فساد انعكست تراجعاً في استطلاعات الرأي، في وقت يحقق فيه الحزب الشعبي اليميني المحافظ وحزب “فوكس” اليميني المتشدد تقدماً سياسياً.
وفي هذا السياق، يرى تقرير لوكالة “بلومبرغ” أن الصدام مع ترامب يمنح سانشيز فرصة لتقديم نفسه باعتباره مدافعاً عن السيادة الإسبانية وعن القيم الاجتماعية الديمقراطية، خصوصاً في ظل الجدل حول استخدام القواعد العسكرية المشتركة بين البلدين.
كما يستحضر سانشيز تجربة سياسية حساسة في الذاكرة الإسبانية، إذ قارن الضربات على إيران بالغزو الأميركي للعراق عام 2003. في ذلك الوقت، دعم رئيس الوزراء الإسباني آنذاك خوسيه ماريا أثنار إدارة جورج بوش بقوة، ما أثار احتجاجات واسعة في البلاد تحت شعار “لا للحرب”، وهو الشعار الذي أعاد سانشيز استخدامه اليوم.
اقتصادياً، قد يحمل التصعيد مخاطر محدودة ولكن ملموسة، فالولايات المتحدة تعد من بين أكبر الشركاء التجاريين لإسبانيا، إذ صدّرت مدريد إلى السوق الأميركية بضائع بقيمة 21 مليار دولار في عام 2025، تشمل المعدات الصناعية والآلات والأدوية وزيت الزيتون والنبيذ.
في المقابل، استوردت إسبانيا من الولايات المتحدة بضائع بقيمة 26 مليار دولار، من بينها النفط والغاز الطبيعي المسال، الذي يشكل نحو ثلث وارداتها من الغاز، كما تمتلك شركات إسبانية كبرى مثل “بانكو سانتاندير” و”إيبردرولا” استثمارات واسعة في السوق الأميركية، ما يجعلها عرضة لأي إجراءات انتقامية محتملة.
مع ذلك، يشكك خبراء في قدرة واشنطن على فرض عقوبات تجارية تستهدف إسبانيا وحدها، نظراً لأن السياسة التجارية للاتحاد الأوروبي تُدار مركزياً عبر المفوضية الأوروبية، وقد أكد مسؤولون أوروبيون أن أي تهديد لدولة عضو يُعد تهديداً للاتحاد بأكمله.
ولا يقتصر الخلاف بين سانشيز وترامب على الحرب في إيران، فقد عارضت مدريد أيضاً مطالب واشنطن برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الهدف الذي طرحه حلف شمال الأطلسي مؤخراً، إذ تصر إسبانيا على أن إنفاق 2.1 في المائة من الناتج المحلي يكفي لتلبية التزاماتها العسكرية دون الإضرار ببرامج الرعاية الاجتماعية.
وانتقد سانشيز عدداً من سياسات ترامب الداخلية والخارجية، بما في ذلك تشديد القيود على الهجرة، مدافعاً عن سياسة إسبانيا في تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين في مقال نشره في صحيفة “نيويورك تايمز”.وفي ملفات دولية أخرى، عبّرت مدريد عن مواقف تختلف عن واشنطن، منها رفضها تمرير أسلحة أميركية إلى إسرائيل عبر قواعدها العسكرية خلال الحرب في غزة، إضافة إلى اعترافها المبكر بالدولة الفلسطينية وانتقادها الحاد للعمليات العسكرية الإسرائيلية.
وعلى صعيد آخر، تسعى الحكومة الإسبانية إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية مع الصين واستقطاب الاستثمارات الصينية في قطاعات مثل صناعة السيارات والطاقة المتجددة، وهو توجه أثار تحفظات أميركية.ويرى مراقبون أن هذه السياسات تعكس محاولة من مدريد لتبني نهج أكثر استقلالية في سياستها الخارجية، في وقت يتصاعد فيه التوتر الجيوسياسي بين الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى.
أقرأ التالي
2026-01-21
مركب بلا ربّان
2026-03-03
قضية مكتب الضبط: هل ينجح العميد في اقناع عبير موسي بالتخلي عن خيار المقاطعة؟
2026-01-15
الولايات المتحدة الأمريكية وإيران
2026-01-22
في هرم الدّولة والسّلطان، وشيخوخة النّظام قبل الأوان
2026-01-24
السواحل التونسية على كفّ عفريت
زر الذهاب إلى الأعلى