عامر بوعزة:لا هدم، لا بناء..

نشت إحدى صفحات الفايسبوك نصّا مطولا عن مشروع أراد الرئيس الحبيب بورقيبة تنفيذه في نهاية الخمسينات، لكنه قوبل بصدّ واسع من النخب، فتخلى عنه وأذعن لرفض الأغلبية.
عامر بوعزة
المشروع يتمثل في هدم جزء كبير من «البلاد العربي» واختراقها لربط العاصمة من الشرق إلى الغرب بطريق واسعة عريضة تتراصّ على جانبيها الأشجار والمباني الحديثة، تنطلق من محطّة تونس البحرية إلى حدود القصبة.
طبعا كان هذا المنشور مناسبة أخرى للنيل من الزعيم واتهامه بما «لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر بقلب بشر» من التهم الجاهزة مسبقا دون إعمال الفكر!، تبدأ سلسلة الشتائم من القول بأن بورقيبة الماسوني كان يقتدي في حكمه بالأباطرة والقياصرة والملوك، وتنتهي إلى التأكيد على أنه كان يكره الإسلام والعروبة ولم تكن غايته إلا محو آثار الفاتحين، لولا يقظة بعض الخلّص الغيورين!

رغم أن الكثير من منشورات التواصل الاجتماعي لا يمكن الوثوق بها من الوهلة الأولى وفي حاجة إلى المراجعة والتمحيص قبل الخوض في محتواها، فإن هذا النص يمكن أن يكون فعلا قد روى قصة حقيقية لا يعرفها الناس، لأن التاريخ لا يحتفظ إلا بالإنجازات التي تحققت أما الأفكار المجهضة فسرعان ما يطويها النسيان، فقط يقتضي الأمر بعض التصحيح، فخلافا لما ذكره النص لم يكن «محمد الصيّاح» وزيرا للتجهيز في تلك الفترة ولا علاقة له بالمشروع.
لكن القصّة عموما منطقية ومتماسكة، فلا شك أن تحديث المدينة جزء من رؤية الرئيس للمستقبل، اقتداء بالزعماء الكبار الذين تركوا بصماتهم في التخطيط العمراني لعواصمهم، ومن السهل إدراك رغبة بورقيبة في أن يكون هذا الشارع نسخة من شارع الشانزيليزيه الذي يشق على امتداد كيلومترات باريس عاصمة الأنوار ومدينة الجن والملائكة، لكنه اصطدم بجدار صدّ محافظ لم يتقبل إطلاقا فكرة التضحية بجزء من التاريخ لفائدة المستقبل.
ما يجعل هذه الحكاية قابلة للتصديق أيضا أن الزعيم نفّذ خطة شبيهة بها في مدينة المنستير مسقط رأسه، وهدم «حومة البلد». مئات البيوت القديمة دهمتها الجرّافات، وانتقل سكانها إلى أحياء جديدة خارج الأسوار، تاركين وراءهم الذكريات والحنين، ولم يقدر أحد حجم المرارة التي شعروا بها وهم يرون الفنادق السياحية الفخمة تقام مكان بيوتهم بينما هم في مساكن جديدة متشابهة أنشأتها الوكالة العقارية للسكنى على عجل، إن المدينة العصرية التي سيعتبرها الكثيرون دليلا على انخرام التوازن الجهوي في سياسة بورقيبة التنموية تحققت بفضل تضحية المواطنين وإعطائهم الأولوية للمصلحةالعامة، في وقت كانت الدولة تعجز فيه أحيانا عن إقناع بعض السكان في مناطق أخرى بضرورة إزالة طوابي الهندي من أراضيهم!!
إن النخب التي عارضت مشروع بورقيبة نهاية الخمسينات لم تستشرف جيدا شكل “البلاد العربي” بعد نصف قرن، وكيف ستصبح الكثير من بيوتها والجزء الأكبر من أزقتها وحواريها أطلالا وخرائب، وكيف سيصبح باب البحر محطة نقل بري تحتلها سيارات الأجرة الجزائرية. فقد دافعت عن المدينة وتركتها لتواجه مصيرها، وكل نزعة محافظة ترفض الهدم تحت شعار التمسك بالهوية ولا تقدم البديل تصبح عقبة كأداء أمام التطور.
إن القرارات الحاسمة تحتاج كثيرا من التضحية ووضوح الرؤية، وهما أمران نحتاجهما راهنا، إذ نحن قابعون في منطقة (لا هدم ولا بناء)، وهو أمر لا يدل إلا عن العجز والتذبذب والضبابية، ومن المؤسف أن التاريخ لن يذكر الأيدي المرتعشة والمكبلة بالشعارات إلا بوصفها رمزا للفشل ولن يمنحها إلا الخزي والعار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى