أثار الجزء الثاني من مقابلة الرئيس السوري أحمد الشرع مع الإعلامي علي الظفيري على قناة الجزيرة نقاشاً واسعاً، بعدما أعلن بوضوح أنه لا يخجل من كنيته السابقة «أبو محمد الجولاني»، بل يعتبرها جزء ا من تاريخه الشخصي الذي يعتز به.
وقال بالحرف: «التاريخ الذي أحمله فيه أعباء كثيرة وصيحات ودماء وشهداء ومعاناة، ولا يعيبني هذا التاريخ وأنا أعتز به وأفتخر به، والجولاني جزء من تاريخي ولا أخجل منه».
كما أوضح أن ارتباطه باسم «الجولاني» يعود إلى جذور عائلته التي نزحت من الجولان المحتل سنة 1967، معتبراً أن هذه النسبة ليست مجرد لقب حركي، بل تعبير عن انتماء راسخ تشكل منذ طفولته. وجاء ذلك في سياق حديث مطول عن التحولات الفكرية والسياسية التي قادته من العمل الفصائلي المسلح إلى رئاسة الدولة.

غير أن ما أثار الجدل لم يكن مجرد دفاع الشرع عن اسم استخدمه في مرحلة من حياته، بل الطريقة التي أعاد بها تقديم تلك المرحلة نفسها. فالحديث لم يقتصر على الاعتراف بالماضي، وإنما تجاوزه إلى الاعتزاز به وتقديمه بوصفه جزء من التاريخ السوري المعاصر، ومن مسار يستحق الفخر.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز الشخص إلى المبدأ: هل يكفي الانتقال إلى موقع السلطة لإعادة تعريف الماضي ومنحه دلالات جديدة، أم أن هذا الماضي يظل خاضعاً للمساءلة مهما تغيرت المواقع؟
لقد حاول الشرع أن ينقل اسم «الجولاني» من سياقه التنظيمي إلى سياق هوياتي ووطني، مستنداً إلى الأصل العائلي المرتبط بالجولان المحتل.
لكن الأسماء السياسية لا تُحاكم بجذورها اللغوية أو الجغرافية، وإنما بما ارتبط بها من أفكار ومشاريع وممارسات. فـ«أبو محمد الجولاني» لم يعد مجرد لقب شخصي، بل أصبح اسماً ارتبط بقيادة تنظيمات جهادية متطرفة، وبمرحلة كان خلالها جزء من مشروع تنظيم القاعدة، قبل أن يقود «جبهة النصرة» التي مثلت الفرع السوري للتنظيم، ثم يقود التحولات اللاحقة التي انتهت بوصوله إلى رئاسة الدولة السورية.
وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين النضال المسلح الذي عرفته حركات التحرر الوطني والثورات التي واجهت الاحتلال أو الاستبداد، وبين الإرهاب المؤدلج الذي قامت عليه تنظيمات مثل القاعدة.
فليس كل من حمل السلاح إرهابياً، كما أن التاريخ مليء بحركات تحرر خاضت الكفاح المسلح ثم انتقلت إلى العمل السياسي بعد مراجعات فكرية عميقة، واعترفت بأخطائها، واحترمت قواعد الدولة والقانون والتعددية.
أما تنظيم القاعدة، فلم يكن حركة تحرر وطنية، بل مشروعاً عابراً للحدود، قائماً على التكفير والإقصاء واستباحة العنف ضد الخصوم، بما في ذلك المدنيون، سعياً إلى فرض تصور أيديولوجي مغلق للدولة والمجتمع.
ومن هنا تكمن عقدة اسم «الجولاني». فهو لا يرمز إلى مجرد تجربة شخصية أو مرحلة شبابية، بل إلى إرث سياسي وأيديولوجي ارتبط بالقاعدة و«جبهة النصرة»، وبسنوات من العنف والانتهاكات والخطاب المتشدد الذي ترك آثاراً عميقة في الذاكرة السورية. ولذلك فإن تحويل هذه المرحلة إلى مصدر للفخر، أو تقديمها باعتبارها مجرد «جزء من التاريخ»، لا يبدو مجرد قراءة شخصية للماضي، بل محاولة لإعادة تأهيل إرث شديد الإشكال سياسياً وأخلاقياً.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في خطاب الشرع هو غياب النقد الذاتي الصريح. فقد تحدث بإسهاب عن اعتزازه بالماضي، لكنه لم يقدم مراجعة واضحة للأفكار التي حملتها تلك المرحلة، ولم يعلن قطيعة فكرية وأخلاقية مع المشروع الذي انطلق منه، ولم يفسر بصورة كافية ما الذي تغير فعلاً في رؤيته للدولة والمجتمع وحقوق الإنسان.
فالتحول الحقيقي لا يُقاس بتغيير الموقع السياسي، ولا بالانتقال من قيادة تنظيم ارهابي مسلح إلى رئاسة دولة، بل بمدى حدوث مراجعة فكرية عميقة تعيد تقييم الماضي وتعترف بأخطائه وتحدد بوضوح ما تم التخلي عنه.
وكان يمكن للشرع أن يقدم خطاباً مختلفاً، فيقول إن تلك المرحلة كانت جزء من حياته، وإنه تجاوزها فكرياً وسياسياً، وإنه يتحمل مسؤولية خياراته السابقة، ويعلن بوضوح رفضه للأفكار والممارسات التي ارتبطت بتنظيمي القاعدة و«جبهة النصرة».
لكن ما صدر عنه كان مختلفاً؛ إذ اختار لغة الاعتزاز والافتخار، وهي لغة لا تنقل النقاش من الماضي إلى المستقبل، بل من مساءلة الماضي إلى تبريره، ومن تقييم الأفعال إلى تمجيد المسار.
بل إن المشكلة لم تعد تتعلق بالماضي وحده. فلو كان الاعتزاز بتاريخ «الجولاني» يقابله اليوم بناء دولة قانون تحترم الحقوق والحريات، لكان النقاش مختلفاً. غير أن المرحلة التي أعقبت وصول أحمد الشرع إلى السلطة شهدت بدورها اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة وجرائم بحق آلاف المدنيين، ولا سيما في السويداء، فضلاً عن تجاوزات طالت الدروز والأكراد ومكونات سورية أخرى، إلى جانب تقارير تتحدث عن عمليات قتل خارج القانون، وتهجير، وانتهاكات واسعة لحقوق المدنيين.
وهذا ما يجعل السؤال أكثر إلحاحاً: أين هي القطيعة الفعلية مع الماضي إذا كانت المخاوف المرتبطة بالإقصاء والعنف والانتهاكات لا تزال حاضرة في الواقع؟ فالمراجعات الفكرية لا تثبتها الخطب، بل تؤكدها الممارسات، والدولة لا تُقاس بخطاب رئيسها، وإنما بمدى احترامها لحقوق جميع مواطنيها دون تمييز.
لقد أثبتت تجارب تاريخية عديدة أن الحركات المسلحة التي نجحت في التحول إلى العمل السياسي لم تبنِ شرعيتها على مجرد وصولها إلى السلطة، وإنما على قدرتها على مواجهة ماضيها. فقد اعترفت بأخطائها، وقدمت نقداً ذاتياً، وأعلنت قطيعة واضحة مع الممارسات التي تتعارض مع الدولة والقانون وحقوق الإنسان. أما إعادة تقديم الماضي باعتباره صفحة مشرقة، فإنها لا تعكس تحولاً بقدر ما تعكس محاولة لإعادة تسويقه ومنحه شرعية جديدة بعد الوصول إلى الحكم.
فالتاريخ لا يصبح مشرفاً لأن صاحبه أصبح رئيساً، كما أن السلطة لا تمنح حصانة أخلاقية للماضي، ولا تعيد كتابة الوقائع، ولا تمحو ذاكرة الضحايا. وكل التجارب، مهما كانت، تصبح جزء من التاريخ، لكن ذلك لا يجعلها جديرة بالتمجيد. فالاعتراف بالماضي شيء، وتحويله إلى مصدر للفخر شيء آخر تماماً.
إن القضية ليست في بقاء اسم «الجولاني»، ولا في حق أحمد الشرع في أن يروي سيرته كما يشاء، بل في الرسالة السياسية التي يحملها الاعتزاز بمرحلة ارتبطت بتنظيمات مصنفة إرهابية وبمشروع أيديولوجي قائم على الإقصاء والعنف، فحين يتحول إرث القاعدة و«جبهة النصرة» إلى مادة للافتخار، وحين يغيب النقد الذاتي، وحين تستمر في الحاضر اتهامات بانتهاكات جسيمة بحق المدنيين، فإن الحديث عن تحول تاريخي يفقد كثيراً من قوته ومصداقيته،فالتحول الحقيقي لا يبدأ بتغيير الاسم، ولا بتبديل الموقع، ولا بإعادة صياغة الرواية، بل يبدأ بالاعتراف، ثم بالمراجعة، ثم بالمحاسبة، وأخيراً ببناء دولة تحترم الإنسان وحقوقه دون استثناء.
وبين الاعتراف بالتاريخ وتبييضه يبقى الفارق واضحاً؛ فالأول يحتاج إلى شجاعة أخلاقية وسياسية، أما الثاني فلا يعدو أن يكون محاولة لغسل الماضي وإلباسه ثوب المجد، بينما لا تزال دماء الضحايا وأسئلة العدالة والمساءلة حاضرة، في الذاكرة وفي الواقع
الفاهم بوكدوس
أقرأ التالي
2026-02-16
مشروع خط الغاز نيجيريا ـ الجزائر، هل يرى النور؟
2026-01-21
مركب بلا ربّان
2026-03-03
قضية مكتب الضبط: هل ينجح العميد في اقناع عبير موسي بالتخلي عن خيار المقاطعة؟
2026-01-15
الولايات المتحدة الأمريكية وإيران
2026-01-22
في هرم الدّولة والسّلطان، وشيخوخة النّظام قبل الأوان
زر الذهاب إلى الأعلى