وجّه الاتحاد العام التونسي للشغل، بتاريخ 18 جوان 2026، مراسلة رسمية إلى وزيرة المالية، وذلك استجابة لطلب الوزارة تقديم مقترحاته بخصوص مشروع قانون المالية لسنة 2027.
ولم تقتصر المراسلة على عرض جملة من المقترحات التقنية، بل تضمنت أيضاً تقييماً لتوجهات الحكومة في إعداد الميزانية كما وردت في منشور رئاسة الحكومة، وانتهت بدعوة إلى فتح حوار جدي حول مشروع قانون المالية قبل عرضه على مجلس نواب الشعب، مع إرفاق مذكرة تقنية حول إصلاح الضريبة على الدخل.
ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى السياق السياسي والاجتماعي الذي صدرت فيه المراسلة، حيث يأتي بعد سنوات شهدت تراجعاً للحوار الاجتماعي وتعطيلاً لآليات التفاوض بين الحكومة والاتحاد، وهو ما يجعل الوثيقة تتجاوز بعدها المالي لتصبح رسالة سياسية حول طبيعة إدارة الشأن الاقتصادي والعلاقة بين الدولة والمنظمات الوطنية.
أهم الأفكار الواردة في المراسلة:
تقوم المراسلة على رؤية متكاملة تعتبر أن قانون المالية ليس مجرد وثيقة محاسبية لضبط النفقات والإيرادات، وإنما هو أداة لتحديد الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
واستهل الاتحاد مراسلته بانتقاد منشور رئاسة الحكومة الخاص بإعداد ميزانية 2027، معتبراً أنه يعكس توجهاً تقشفياً يقوم على الحد من الترقيات والتقليص من نفقات التسيير، وهو ما قد ينعكس سلباً على جودة الخدمات العمومية ويحد من التطور المهني للأعوان. كما اعتبر أن المنشور لم يقدم التزامات واضحة لمعالجة التشغيل الهش، ولم يتضمن إجراءات فعلية لحماية القدرة الشرائية في ظل ارتفاع الأسعار.
وانتقل الاتحاد بعد ذلك إلى تقديم مقترحاته، واضعاً الإصلاح الجبائي في مقدمة أولوياته، حيث دعا إلى مراجعة جدول الضريبة على الدخل عبر رفع الشريحة المعفاة من الضريبة إلى مستوى يقارب الأجر الأدنى، وتوسيع عدد الشرائح بما يحقق مزيداً من التصاعدية، مع تخفيف الضغط الجبائي عن الطبقة الوسطى وإعادة النظر في الطروحات الجبائية والمنح العائلية. وتبرز هنا رغبة الاتحاد في ربط الإصلاح الجبائي بمبدأ العدالة الاجتماعية وليس فقط بالحاجة إلى تعبئة الموارد المالية
وفي المحور الاقتصادي، اعتبر الاتحاد أن ضعف الاستثمار العمومي يمثل أحد أسباب تباطؤ النمو، واقترح رفعه إلى مستوى يقارب 10% من الميزانية، مع إعطاء الأولوية للمشاريع الكبرى والبنية التحتية وإنقاذ المؤسسات العمومية من خلال تمويل الاستثمار بدل الاكتفاء بتمويل عجزها، كما دعا إلى تحسين استغلال التمويلات الدولية الموجهة للمشاريع المناخية
أما فيما يتعلق بالسياسات المالية، فقد أبدى الاتحاد تخوفه من الاعتماد المتزايد على التمويل الداخلي وتسهيلات البنك المركزي، معتبراً أن ذلك قد يحمل مخاطر تضخمية على المدى المتوسط، ودعا إلى اعتماد سياسة تداين أكثر توازناً وشفافية، وإعادة العمل بالقرض الرقاعي الوطني لتوسيع مصادر التمويل.
واختتمت المراسلة بالتأكيد على أن نجاح قانون المالية يظل رهين حوار اجتماعي حقيقي، ودعت وزارة المالية إلى فتح باب التفاوض حول المشروع، وتنفيذ الاتفاقيات السابقة، ونشر مشروع القانون قبل عرضه على البرلمان حتى تتمكن الأطراف الاجتماعية من دراسته وإبداء ملاحظاتها
الرسائل السياسية للمراسلة:
بعيداً عن مضمونها المالي، تحمل المراسلة مجموعة من الرسائل السياسية ذات الدلالة.
أولى هذه الرسائل أن الاتحاد يسعى إلى إعادة تثبيت موقعه كشريك في رسم السياسات العمومية، وليس فقط كمنظمة تدافع عن المطالب المهنية.
فاختياره تقديم مقترحات تقنية مفصلة، مرفقة بمذكرة مالية، يعكس حرصه على مخاطبة الحكومة بلغة البدائل لا بلغة الاعتراض فقط، وهو ما يمنحه موقع الفاعل في النقاش الاقتصادي.
أما الرسالة الثانية فتتمثل في رفض المقاربة التقشفية التي يرى الاتحاد أنها أصبحت الإطار الناظم للسياسات الحكومية. فالوثيقة تقدم تصوراً مغايراً يقوم على الاستثمار العمومي، والعدالة الجبائية، وحماية القدرة الشرائية، بما يعكس اختلافاً في فلسفة إدارة الاقتصاد أكثر مما يعكس خلافاً حول إجراءات جزئية.
وتبرز الرسالة الثالثة في دفاع الاتحاد عن الدولة الاجتماعية، إذ تعتبر المراسلة أن الإنفاق العمومي والاستثمار والخدمات الأساسية ليست مجرد أعباء على الميزانية، بل أدوات لتحقيق النمو والاستقرار الاجتماعي، وهو ما يمثل رؤية مختلفة عن المقاربة التي تركز أساساً على التوازنات المالية.
أما الرسالة الرابعة فتتعلق بالحوار الاجتماعي. فالمراسلة تشير صراحة إلى تعطّل الحوار خلال السنوات الأخيرة، وتؤكد أن يد الاتحاد ما تزال ممدودة للحوار، مطالبة بإعادة فتح قنوات التفاوض بما في ذلك حول قانون المالية وتنفيذ الاتفاقيات السابقة.
وهذا يعني أن الاتحاد يبعث بإشارة مفادها أن الخلاف مع الحكومة لا ينبغي أن يُدار بمنطق القطيعة، وإنما عبر المؤسسات وآليات التفاوض.
وأخيراً، يمكن اعتبار المراسلة مؤشراً على محاولة الاتحاد الانتقال من موقع ردّ الفعل إلى موقع المبادرة. فهي لا تكتفي بتشخيص الاختلالات، وإنما تقدم رؤية اقتصادية متكاملة تشمل الجباية والاستثمار والتمويل والحوكمة، وهو ما يمنحها بعداً سياسياً يتجاوز إطار النقاش السنوي حول قانون المالية.
تكشف مراسلة الاتحاد العام التونسي للشغل إلى وزيرة المالية عن تحول في طبيعة الخطاب النقابي؛ فهي ليست لائحة مطالب اجتماعية، بل وثيقة سياسية واقتصادية متكاملة تسعى إلى التأثير في الخيارات الكبرى للدولة. وفي ظل تراجع الحوار الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، تكتسب هذه المراسلة أهمية إضافية باعتبارها محاولة لإعادة بناء قنوات التواصل المؤسساتي مع السلطة التنفيذية، والدفاع عن فكرة ان الإصلاح الاقتصادي لا يكتسب المشروعية والنجاعة إلا إذا كان قائماً على الحوار، والعدالة الاجتماعية، والتوافق بين مختلف الفاعلين الوطنيين.
وفي المقابل، تبقى دلالاتها السياسية مرتبطة بمدى تفاعل الحكومة مع هذه المبادرة، وما إذا كانت ستتحول إلى حوار فعلي ينعكس على الصيغة النهائية لقانون المالية لسنة 2027، أو ستظل مجرد مساهمة استشارية دون أثر مباشر في القرار الحكومي